آخر الأخبار حياتناالسلايدر الرئيسيحياتنا

الخرابشة تحول معاناتها مع المرض لفنون إبداعية بنقش الحناء

منى أبوحمور

عمان– لم تكن حياة الشابة ساجدة الخرابشة سهلة، إنما اختبرت الألم في مرحلة مبكرة من عمرها، وهي ما تزال تخط خطواتها الأولى نحو المستقبل الذي رسمته في مخيلتها بأحلام رهينة التحقيق.

لحظة واحدة غيرت حياتها وقلبتها رأسا على عقب، حيث تعرضت لحادث سير نتجت عنه حروق بليغة، ما تزال آثاره واضحة حتى الآن، رغم مرحلة العلاج الطويلة التي خضعت لها.

لكن إيمان الخرابشة بنفسها، وطاقتها الإيجابية، وحبها للحياة، جعلتها تحول الألم لأمل، رغم أن ذلك لم يكن سهلا، وأخذ منها وقتا لا بأس به، وها هي الآن “فنانة” تجيد رسم الحناء، وتبدع بتشكيل نقوش تعكس الحب والفرح.

رغم دراستها الهندسة الكهربائية وتفوقها في هذا المجال، سارت ساجدة الخرابشة خلف حلمها ونمت موهبتها وشغفها في نقش الحناء، واتخذته فيما بعد حرفة تقضي بها بعض الوقت، وتجني منها مصروفها الشخصي.

الخرابشة ليست مجرد طالبة هندسة تمتلك موهبة الرسم بالحناء، وإنما ناجية تحدت الوجع والألم وتجاوزت بإصرارها وإيمانها ودعم والديها آلام حادث سير مروع ترك حروقا بليغة في وجهها، فعانت ما عانته من ألم ووجع، بمساندة ودعم والديها ومن تحب.

لم تكن حادثة الدهس التي تعرضت لها الخرابشة أثناء ذهابها للجامعة قبل أربعة أعوام بسيطة؛ حيث أصيبت بحروق بليغة في وجهها وكسور عدة تسببت في دخولها في غيبوبة لأيام عدة، ومن ثم خضعت للعلاج اللازم لأشهر عدة في المستشفى.

غير الحادث حياة الخرابشة رأسا على عقب، فلم تبق تلك الفتاة الحالمة والطموحة وأصبحت تخجل وتتهرب من الاختلاط بالناس، بسبب حروق وجهها وتتحاشى الذهاب إلى الجامعة، حتى لا تضطر إلى همزات وغمزات من حولها.

في حينها، لم تتجاوز الأزمة الصحية التي ألمت بها بسهولة بل أثرت فيها كثيرا، وأبعدتها عن محيطها، بل وجعلتها تعيش في عزلة مع ذاتها، وكانت في الوقت ذاته نقطة تحول كبيرة في حياتها وعلى المستويات كافة.

نقش الحناء كان نقطة فارقة في حياة الخرابشة غيرت مجرى حياتها نحو الأفضل، بعد أن دخلت في عزلة عن الناس فكانت تلك الموهبة التي أخرجتها للناس بعد المحنة التي أدخلتها بحالة من العزلة والاكتئاب والانغلاق عن كل شيء حولها.

استوقف الخرابشة منشور على “فيسبوك” يعلن عن رسم الحناء على اليدين، لكن الوضع الصحي لها في ذلك الوقت لم يكن يسمح لها بتجربتها، ففي ذلك الوقت هي فتاة تقضي وقتها كله على السرير، بسبب عدم قدرتها على الحركة، فضلا عن ذلك، هي لا تعرف أحدا موهوبا في هذا المجال.

لم تفقد الخرابشة الأمل والشغف بتعلم الحناء، فلجأت لابنة عمتها التي أحضرت لها الحناء لأول مرة، وبدأت هي بإعادة الرسم كلما خف اللون، حتى بدأت تخرج تلك الموهبة المدفونة داخلها وإتقانها؛ حيث كانت البداية بالرسم لأخواتها وصديقاتها وكل من يزورها في البيت بعد خروجها من المستشفى.

رسم الحناء ساعد الخرابشة على العودة بشجاعة إلى الجامعة التي انقطعت عنها فترة طويلة بعد الحادث، كما علمت معظم زميلاتها بأنها ترسم بالحناء من خلال صفحتها على “فيسبوك”، مما مكنها حينها من كسر حاجز الخوف والخجل من محيط الجامعة من خلال رسم الحناء.

وتقول الخرابشة “بدأت برسم الحناء في أوقات الفراغ من دون مقابل حتى أنشر الفرح بين الناس وأسعد نفسي بموهبة، وقد وجدت نفسي بها”، بعدها وبسبب تشجيع صديقاتها قامت الخرابشة بتفعيل صفحتها على “فيسبوك”، وبدأت بأخذ حجوزات إلى جانب المشاركة في البازارات.

شعرت الخرابشة بأن الرسم بالحناء يمنحها الطاقة بأهمية ما تقوم به أكثر من أي شيء آخر كما كسر لديها حاجز الخوف والرهبة من مواجهة المجتمع بحروق وجهها، إذ اعتقدت في السابق أنها لن ترى الناس ثانية، وستبقى بعيدة عنهم.

“الحناء كانت الهدية الربانية اللي رجعتني بشكل قوي للمجتمع”، وقد مكنتها من دخول بيوت الناس ومشاركتهم حفلاتهم وكانت سببا في إنشاء علاقات جديدة علقتها أكثر بهذا المجال، وتصف بأن هذه الموهبة فتحت لها طريقا جديدا.

تجاوزت الخرابشة مواقف الإحباط واحدة تلو الأخرى، بعد أن أوجعها اليأس والقهر، لكنها أخذت نفسا عميقا وقررت أن تجعل من تلك الموهبة حائط صد لتلك المشاعر السلبية التي كبلتها لفترات طويلة.

لذلك، كان القرار أن تشارك الناس أوقات الفرح، بموهبة قريبة من قلبها وتجد نفسها بين طيات هذا الفن، وعبر كلمات الإطراء التي تسمعها من محيطها، قررت البدء من جديد لترى الحادث بصورة أخرى وأن ما وراءه خير لها، شعرت حينها بالرضا وآمنت بقضاء الله وقدره، وأن الإنسان بإمكانه أن يعيش حياة مغلفة بالفرح إن آمن بذاته وتخطى العقبات التي أمامه رغم صعوبتها.

شغف الخرابشة بالحناء، جعلها تحظى بتشجيع عائلتها وأقاربها وصديقاتها، وبقي والدها إلى جانبها، والذي يقوم بإيصالها إلى كل مكان تنوي التوجه إليه، فكانت في البداية ترسم لمجموعة صغيرة من الفتيات وبأسعار زهيدة.

تحسنت صحة الخرابشة، واكتسبت وزنا كانت قد خسرته بسبب الحادث، وهي الآن في سنتها الأخيرة بتخصص الهندسة الكهربائية، ما ضاعف ثقتها بنفسها، ولم تعد الحروق التي بجسدها تؤثر عليها سلبا إنما تصالحت مع حالتها.

في ركن “رسم الحناء”، سجلت الخرابشة اسما لها، وطورت من ذاتها كثيرا في هذا المجال، كما تعلمت أن تكون شعلة تفاؤل وطاقة إيجابية لكل من تعرفه، لإيمانها بأن الحياة لا تقف عند محطة واحدة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock