منوعات

“الخرافات”: موروثات قديمة تتوارثها الأجيال

منى أبو صبح

عمان- رغم علم وثقافة الخمسينية أم جمال، إلا أنها تصدق وتؤمن بمعتقدات وأفكار وهمية حسب قول ابنتها الكبرى هلا.
وتوضح هلا قائلة، “على سبيل المثال، إذا انسكبت القهوة على الأرض فتستبشر أمي بالخير، أما إذا انسكبت على الثياب فتنفعل لاعتقادها أن مكروها سيحدث، كذلك غسل الملابس في يوم الجمعة يذهب بالرزق”.
وتضيف، “الغريب أن والدتي ما تزال تؤمن وتطبق حرفيا كل هذا، وأسألها ما علاقة النظافة بالرزق كل هذا من عند الله، وترد بالقول هذا صحيح لكن هذا ما وجدنا عليه آباءنا وأمهاتنا وأخذناه منهم، وما علينا سوى تنفيذه وتطبيقه تفاديا لحدوث المكروه”.
نوال العطار (35 عاما) التي هي على إطلاع ودراية في بعض المعتقدات تقول، “الصدفة هي التي تعطي لبعض المعتقدات المصداقية، ونحن فتحنا أعيننا على موروثات قديمة، ومنها؛ أن رفة العين اليسرى فأل سيئ والعين اليمنى فأل حسن، و”الحكة” باليد اليسرى تعني تسلم نقود، وباليد اليمنى نعطي بها نقودا لشخص ما، و”الغصة” في الأكل أو أثناء شرب الماء تأتي بهدية من قريب”.
وتعترف العطار أنها تؤمن بكثير من المعتقدات، فإذا ما صادفتها قطة سوداء تتشاءم بذلك اليوم، وإذا ما نعق غراب أيضا تردد في سرها “اللهم اجعل هذا اليوم خيرا”، وعلى عكس هذه المخلوقات تجد في صوت هديل الحمام وأصوات العصافير كلها مدعاة للتفاؤل والخير، وكذلك مشي الطفل على يديه ورجليه من الدلائل على قدوم الضيوف”.
والمعتقدات بالأشياء هي موروثات قديمة تتوارثها الأجيال، وغالبا ما تكون من نتاجات البيئة التي يعيشها الإنسان وأثرها فيه، ويتدخل فيها العامل الثقافي والاجتماعي.
والغريب أن كثيرين يعلقون أمورهم الحياتية المهمة على هذه المعتقدات، وهناك من لا يخطو خطوة في عمل ما إذا تشاءم من شيء، إذن هي معتقدات متداولة بين الأجيال.
ونسرين نصرالله أيضا لديها معتقدات تؤمن بها، إذ تقول “إن طنين الأذن من المعتقدات التي نؤمن بها، وورثتها عن والديّ وأجدادي، فعندما أشعر بطنين مفاجئ داخل أذني اليمنى، فهذا يعني أن هناك أشخاص يذكرونني بالخير، وإذا كان الطنين بالأذن اليسرى، فهناك من يذكرني بالسوء”.
أما ربة المنزل هالة عبدالرحمن فهي من الأشخاص الذين يخافون العيون ذات اللون الأزرق ومن لهم أسنان “فرق”، وتقول، “يعرف عن الشخص صاحب العيون الزرقاء بأنه حسود، وكذلك صاحب الأسنان المتفرقة، وإذا اجتمعت الصفتين في الشخص كانت مصيبة كبرى”.
ويبين الستيني أبو مراد أن هناك معتقدات راسخة في الأذهان منذ الولادة، ومن بينها أننا “نلجأ إلى الطرق على الخشب لإبعاد الحسد عن أنفسنا أو عن أبنائنا، ويذكر بأنه اختلف ذات مرة مع أحد أصدقائه على هذا التصرف، كونه وصفها (بالخرافات) وكانت طريقته بالحديث سيئة جدا”.
ويزيد أبو مراد على هذه المعتقدات قائلا، “ومن المعتقدات الموروثة أنه إذا عطس شخص ما وكان آخر يتحدث فتأتي تصديقا لما يقوله”، ومن المعتقدات المضحكة، أن والدتي كانت تسارع بكسر إحدى جرار الفخار عند مغادرة شخص سيئ للمكان، داعية أن يذهب بشره عنا”.
الاختصاصي الاجتماعي د. حسين الخزاعي يبين أن المعتقدات أو (الخرافة) تزدهر كلما قل المستوى المعرفي والثقافي لدى أبناء المجتمع.
ويقول، “طمأنينة واهية، تلك التي تنبثق عن استخدام التعاويذ والتمائم لدى البعض، وكأن مستخدمها يلجأ إلى إحالة مشكلته إلى قوة خفية تسانده وتخفف من هواجسه، لذا قد يشعر مستخدمها براحة نفسية وهدوء”.
ويوضح أن الصحة العقلية هي أساس التنمية البشرية وتقدم المجتمعات، وهذه الصحة تتحقق بقبول كل ما هو منطقي والتحرر من أفكار باطلة ليست موثقة.
وحينما كان الإنسان الشعبي لا يجد من وسائل العلم الحديثة التي نعيشها الآن ما يفسر له كل ما يتعلق بالظواهر الطبيعية المحيطة به أو ما يعرض له من عوارض متعلقة بجسمه، كما يقول خبير التراث نايف النوايسة، فإنه يميل إلى إيجاد تفسير غيبي يركن إليه ويقتنع به”.
والحياة، وفق النوايسة، مقسمة في الأصل ما بين البناء الأسطوري والذي يشمل كل الورائيات والغيبيات، ثم جاء الدين الذي استطاع أن يوفر للإنسان مظلة تفسيرية ويريح نفسه من مغامرة الحلول التي نظنها مغلوطة مع أن علماء النفس والاجتماع والميثلوجيا يرون غير ذلك.
وجاء بعد الدين، بحسب النوايسة، عصر النهضة في الإختراعات العلمية وما شابه ذلك، وولادة الكثير من النظريات التي حقق بها الإنسان نصرا كبيرا في معرفة العالم ونفسه.
ويشير النوايسة إلى أن مثل هذه المعتقدات انتشرت في البيئات الشعبية في زمن ما وكانت متوارثة باعتبارها مسلمات، لكن الآن وبعد انتشار العلم والثورات التكنولوجية الهائلة أصبحت هذه الأمور على أرفف الدراسة والبحث الدراسي فقط.
ويوضح قائلا “فمسألة حكة اليد اليمنى واليسرى مثلا هي أمور بيولوجية بحته متعلقة بأجهزة الجسم، والعالم المتقدم الذي اشتغل على الاختراعات تجاوز هذه المسائل على الرغم من وجود معتقدات شعبية عنده حتى في أكثر الدول الصناعية تقدما مثل إلمانيا وبريطانيا”.
ويؤكد النوايسة على أن المعتقدات انحسرت إلى حد كبير مع وجود ثمرات التكنولوجيا المتقدمة، التي أصبحت تفسر للإنسان وتنقل له ما يجري وما سيجري في محيطه المحسوس والدليل على ذلك التنبؤات الجوية الأخيرة التي تم رصدها قبل وصول العاصفة الثلجية بأكثر من أسبوع في حين ما زلنا نشهد الكثير من الحكايات الشعبية والموروثات حول “ثلجات” مثلها كانت في الخمسينيات أو الستينيات.

[email protected]

 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock