أفكار ومواقفرأي اقتصادي

الخروج المتعثر لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي


تبدو الخيارات كافة مفتوحة للمسارات المستقبلية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بعد فشل حكومة رئيسة الوزراء البريطانية “تيريزا ماي” في تمرير صيغة الاتفاق الأخيرة مع الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي في مجلس العموم البريطاني.
حتى أن خيار إعادة الاستفتاء على الخروج أصبح قائما في ظل التعقيدات التي تواجهها عملية التصويت على أي اتفاق داخل مجلس العموم البريطاني، الى جانب الخيارات الأخرى مثل العودة للتفاوض مجددا مع الاتحاد الأوروبي في بروكسل، أو الخروج من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق.
يأتي ذلك في إطار احتدام الصراع العالمي بين مراكز القوى الكبرى الجديدة والمتجددة على اكتساب مزيد من نقاط القوة، يساعد على تحقيق مكاسب استراتيجية في المجالات الاقتصادية والسياسية؛ حيث يتشكل عالم متعدد الأقطاب، بديل للعالم ثنائي الأقطاب الذي سيطر على العالم لعقود، ثم العالم أحادي القطب الذي هيمن خلال العقود الثلاثة الماضية.
وفي هذا السياق، يأتي موقف أحد هذه الأقطاب المتمثل في الاتحاد الأوروبي في عدم إعطاء بريطانيا “جوائز” مقابل خروجها من الاتحاد الأوروبي، ويدفعها لتدفع أثمانا اقتصادية كبيرة جراء خروجها، ولتكون خسائر بريطانيا من الخروج أكبر من مكاسبها.
كذلك يرغب الاتحاد الأوروبي في موقفه هذا الى الحفاظ على مصادر قوته كافة من خلال إرسال رسالة الى الدول الأعضاء في الاتحاد وشعوبها لأجل التفكير مليا قبل أن تفكر بالانسحاب منه، الأمر الذي من شأنه تعزيز قدراته التفاوضية على مسرح الصراع العالمي.
يقابل ذلك تعقيدات المشهد السياسي في بريطانيا؛ حيث تنقسم الأحزاب البريطانية الرئيسية على نفسها في محاولة لتعظيم منافعها السياسية والاقتصادية المختلفة من الخروج و/أو تقليل خسائرها.
فمن جانب تجد حزب المحافظين الذي تقوده رئيسة الوزراء الحالية “تيريزا ماي” منقسما على نفسه أثناء التصويت، ومنهم أعضاء كانوا ضد قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي، ومنهم من لا يرغب بدفع ثمن اقتصادي مقابل الخروج. ويتقاطع ذلك مع الصراعات داخل الحزب ذاته ووجود تيار كبير ضد رئيسة الوزراء الحالية، الأمر الذي دفعها للتعهد أمام أعضاء حزبها بالتخلي عن منصبها في حال ما دعموا الاتفاق الخاص بخروج البلاد من الاتحاد الأوروبي.
يرافق ذلك موقف حزب العمال للاتفاقات التي عرضت للتصويت على مجلس العموم، على أمل تضييق الخناق على رئيسة الوزراء من جهة، والحصول على فترة انتقالية لمرحلة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي تمتد لأربع سنوات أو أكثر، بحيث تبقى بريطانيا ضمن السوق الموحدة والاتحاد الجمركي والالتزام بالقوانين الأوروبية كاملة بما فيها حركة التنقل والعمالة في بريطانيا بدون أي شروط، من أجل إعطاء الوقت الكافي للاقتصاد والشركات البريطانية للتأقلم مع مستجدات الانفصال عن الاتحاد.
كذلك أدى تباين مصالح مقاطعات بريطانيا الأساسية المتمثلة في ويلز وانجلترا واسكتلندا وايرلندا الشمالية الى تعقيد العملية أكثر؛ حيث لا يرى نواب اسكتلندا أن من مصلحتهم الخروج من الاتحاد الأوروبي، ويرى أعضاء مجلس العموم من ايرلندا الشمالية أن من مصلحتهم الحفاظ على وجودهم في السوق الأوروبية المشتركة والاتحاد الجمركي.
كل هذا يدفعنا للاعتقاد أن بريطانيا ذاهبة باتجاه الخروج من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق، ما سيرتب عليها تداعيات اقتصادية كبيرة، من شأنها إضعاف اقتصادها، وخسارته العديد من ميزاته التنافسية، أو العودة الى إجراء استفتاء آخر على أمل أن يصوت البريطانيون خلاف ما صوتوا عليه في العام 2016.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock