أفكار ومواقف

الخروج على “الجدران”

البيوت العربية معتقلات صغيرة.. تلك حقيقة لم يعرفها الكائن العربي إلا مؤخراً، أعني حين بدأ يخرج هذا الكائن إلى الشوارع، ليستعيد إنسانيته!


كان مفروضا على هذا “الكائن”، أن يصبح جداراً خامسا في غرفته، وأن يرى في مساحتها الضيقة فضاءه الوحيد، أما الشارع، فكان حكرا على الأنظمة وحدها، لمواكبها، وفلسفتها، وإعلامها، وشعاراتها، وهراواتها، وصور ساستها!


اعتاد الكائن العربي بيته كما يعتاد قبره، لأنه لم يكن يجرؤ أن يتحدى الشارع الذي انسحب منه، منذ أن بدأ حظر تجول الحرية فيه!.. فلم يكن مسموحا للحرية أن تتجول في تلك الشوارع، بعد أن صادرتها الأنظمة، وأطلقت عليها رصاص استبدادها!


وفي عقود الخوف والرعب، أصبحت المسافة بين البيت والشارع تضاهي عمر الكائن العربي برمته، ولم يكن يجازف بالنزول إلى الشوارع إلا لابتياع أكياس الحليب و”البامبرز”، أو لتشييع الموتى، وهناك في المقبرة كان يدفن الحيّ، ويعود الميت إلى بيته!


وفي البيوت، يقام العزاء، لأنها وجدت أصلاً لتكون “بيوت عزاء” تعظم فيها أجور من فقدوا حرياتهم وكراماتهم، من قبل جموع المعزين الأخرى، التي لا يختلف حالها عن حال أهالي “الفقيد” أنفسهم، فالمفجوع يعزي المفجوع، والفقيد يعزي الفاقد، في متوالية غريبة من الفقد والتفجع!


وفي النتيجة، فقد الكائن العربي إحساسه بالشارع، ولم يعد يكترث، لا من قريب أو بعيد، بأحداثه، وفضل عوضاً عن ذلك أن يلجأ إلى بيته، ليتدرب على أخلاق الجدران، وعلى الركض العبثي في المساحة المخصصة لأحلامه، التي لم تعد تتعدى حدود الزيادة السنوية على الراتب!


واستكانت الأنظمة، بدورها، إلى شوارعها الفسيحة، التي جعلتها حكرا عليها، كما استكانت إلى استبدادها، الذي حاصر الكائنات العربية في بيوتها، وحظرت عليها التجول بأي فكر أو رأي مخالف لها!


كانت التقسيمات واضحة وراسخة في ذهن الكائنات المحاصرة في بيوتها، لا يجرؤ على خدشها غير الهالك والمجنون، حتى جاء جيل شاب جديد، ليتمرد على هذه التقسيمات، محاولاً قلب معادلة الشارع والبيت، فاهتزت الأنظمة، واختلت المعادلة!


البداية كانت في تونس، التي غدت شوارعها، بطرفة عين، شرايين جديدة تعيد إلى الجسد العربي نبضه المسلوب، وتحطم فيه أخلاق الجدران!


من “سيدي بوزيد”، إلى تونس العاصمة، استعاد الكائن العربي شوارعه، واستعاد إحساسه بتلك الشوارع، بسرعة قياسية، فوجئ بها النظام، وأذهلت أشد المراقبين تشاؤماً تجاه الحال العربية، التي ظنوا أن لن تقوم لها قائمة أبداً!


لم يتوقع أحد أن يغادر عربي بيته، لكن ما حدث في تونس، وما يحدث، أيضا، في شوارع مصر، يبرهن أن الإنسان العربي قرر أن زمن الرعب قد ولى، وأنه مستعد أن يقايض موته المنزلي بموته الجسدي، لقاء أن يستعيد شوارعه الأليفة، التي غاب عنها طويلا، فهربت المواكب مذعورة، وانسحبت الهراوات فزعة، وفرّ الاستبداد بطائراته، بحثا عن “بيت” يؤويه، ولو كان بآلاف الجدران!


هكذا أصبحت المعادلة الجديدة الآن، الشوارع العربية للجماهير، الذين يرفضون العودة إلى بيوتهم، حتى يطهروا الشوارع جيدا من دنس المستبدين الذين تغلق في وجوههم “البيوت” كلها، ويطاردهم “الانتربول”، وتلفظهم المنافي.


[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الموت داخل الجدران حقير أما الموت في الشارع فشهادة
    فتحت الشوارع ذراعيها لتستقبل الأهل في البيت، ليتنفسون نفس الحياة بعد ان كانوا يشهقون من جبس الحيطان المحاصرون به، ومن قاذورات المخلفات التي لم يخرجوها خارج بيوتهم لخوفهم من شبح الظالمين الجشعين اصحاب الأتاوي والبلطجية وصانعي الضرائب .ابت هذه الوجوه السمر أن تختنق ضمن جدران البيت .ففي البيت موت ، ولو خرجوا الى الشارع موتا اخرا . فقرروا أن يموتون في خارجه حتى تكتب لهم الشهادات .فالله لن يقبل صلوات المهزومين الكسالى الجبناء .فالله قال لنا اسعى يا عبد وأنا اسعى معك .وأمرنا بالخروج من قمقمنا لآن الله نفخ فينا الحياة لنعيشها سعداءا وأحرارا .فاستقبلهم الشارع بابتسامته المعهودة ، ورحب بهم وهم يسيرون ويهتفون الله أكبر .الله أكبر ضد الطغاة الذين أوصدوا الأبواب بأغلال فولاذية ..ارادة الله ، وارادة سكان البيت بسواعدهم أقوى من هذه الأغلال فحطمتها وسارت لتأخذمسيرتها نحو الحرية . نحو الأستقلال . نحو السؤدد .ورفعوا شعاراتهم ، وهتفوا كلهم بسقوط الطاغية الذي أمر حبسهم في بيوتهم ..ومن كان الله معهم فالنصر المبين لهم

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock