اقتصادتحليل إقتصادي

الخصخصة في الأردن.. ما لها وما عليها

المهندس جريس دبابنه*

عمان- اعتاد العامة على توجيه النقد والاتهامات بشبهات الفساد للحكومات، وذلك عند القيام بأية عمليات خصخصة ومن أي نوع، إلا أن الصورة الحقيقية لمبدأ الخصخصة من النواحي الاقتصادية، هي صورة مختلفة كليا، وخاصةً إذا توفرت:
1 – الإدارة الحصيفة.
2 – هيئات تنظيم فاعلة ومستقلة(ذاتية التمويل).
3 -الحوكمة الرشيدة لغايات المتابعة ومراقبة الأداء، للجهات والمؤسسات التي تمت خصخصتها ، وبشكل مبني على رصد المتغيرات وبناء مؤشرات الأداء الممثلة والقابلة للقياس، وصولا إلى تحقيق الأهداف والارتقاء الحقيقي بالخدمات المقدمة لمتلقي الخدمة.
وعند قراءة ما يكتب حول هذا الموضوع، يظهر الاختلاف في مفهوم الخصخصة، فهناك من يعرف الخصخصة بأنها بيع موجودات الحكومة الإنتاجيه الى من يدفع أعلى ثمن من القطاع الخاص المحلي أو الأجنبي ، وهناك من يعرف الخصخصة بأنها أي إجراء يؤدي إلى تخفيض حجم الحكومة، وذلك عن طريق إخراجها من مجال عملها في قطاع ما. وهناك من يعرف الخصخصة بأنها تحويل عمل بعض الأجهزة الحكومية للعمل على أسس تجارية بهدف معرفة الكلفة الحقيقية لتلك الاعمال، والدعم الذي تقدمه الحكومة لها إن وجد، وهناك من يعرف الخصخصة بأنها بيع أسهم الحكومة للقطاع الخاص وغيرها….
وعلى وقع هذه الخلافات، وجدت لزاما علي كخبير، أن أطرح هذا الموضوع على المهتمين لعلنا نتفق على مفهوم للخصخصة، وأهدافها ومتطلبات نجاحها وأسلوب تطبيقها ، لتعود بالنفع على المواطن أولا، والحكومة والمستثمر ثانياً.
وفي رأيي أن الخصخصة تهدف إلى تحقيق ما يلي:-
1-زيادة الكفاءة الإنتاجية وتخفيض التكلفة
2-توفير الاستثمارات الرأسماليه لاستخدامها في ما لا يمكن خصخصته.
3-تحسين الخدمة المقدمة لمتلقي الخدمة.
4-إعطاء الحق لكل فرد من أبناء المجتمع بتملك أسهم في المؤسسات التي يتم تحويلها إلى شركات مساهمة عامة، أو الأسهم التي تملكها الحكومة في الشركات ويتم بيعها للقطاع الخاص.
ويمكن أن نقسم الموضوع إلى قسمين أساسيين:
الاول: يتعلق ببيع الحكومة لأسهمها في الشركات المساهمة العامة أو الخاصة .
الثاني: يتعلق بتحويل بعض مؤسسات الحكومة إلى شركات مساهمة عامة، أو محدودة المسئولية تعمل على أسس تجارية تمهيداً لبيع هذه المؤسسات إلى القطاع الخاص، جزئياً أو كلياً.
وهنا أقترح أن تتم عملية الخصخصة على الأسس التالية:
اولاً : تقوم الحكومة بدراسة تحدد فيها جدوى خصخصة أي مؤسسة من النواحي الاقتصاديه والفنية (الخدمية).
ثانياً : إذا تبين جدوى مثل هذه الخطوة فعلى المؤسسة ان تبدأ بتطبيق أسس المحاسبة التجارية تمهيداً لمعرفة الكلفة الحقيقية للخدمة والعائد الذي تحصل عليه هذه المؤسسة والقيمة الدفترية والاستبدالية لموجودات تلك المؤسسة ويستعان بالخبرة المحلية والأجنبية لتحقيق ذلك.
ثالثاً : بعد تحديد القيمة الحقيقية لموجودات المؤسسة وقدرتها الإنتاجية وقدرتها الربحية، يتم تحويل المؤسسة إلى شركة مساهمة عامة تملكها خزينة المملكة الأردنية الهاشمية بالكامل ويحدد رأسمال الشركة وحقوق مساهميها…. إلخ.
رابعاً : يتم تحديد ما إذا كان هناك حاجة لشريك إستراتيجي لهذه الشركة . وعندها يطبق ما ورد في البند الذي تمت مناقشة الموضوع به أعلاه.
خامساً : تطرح الأسهم على القطاع الخاص المحلي والأجنبي على أن تقتصر مساهمة أي مساهم بحد أعلى 1000 سهم مثلاً ولمدة ثلاثة أسابيع بهدف إعطاء فرصة لأكبر عدد ممكن من المستثمرين الأردنيين للمساهمة في هذه الشركة .
سادساً : يرفع الحد الأعلى للاكتتاب بعد مضي الأسابيع الثلاثة الأولى، بعد أن يعطى كل مكتتب ما التزم به أو تخصص الأسهم للمساهمين كل بنسبة مساهمته مع إعطاء الأولوية للمساهم الصغير.
وإذا بقيت أي أسهم عندها يسمح بالاكتتاب بأي عدد منها يرغب المستثمر الاكتتاب به.
سابعا : غذا زاد الاكتتاب عن عدد الأسهم المطروحة فتتم عملية التخصيص ، وإذا كان من الممكن أن تغطي الحكومة الأسهم للمكتتب بها عن طريق تخفيض مساهمتها فلها الخيارعلى ضوء قرارها الإستراتيجي في النسبة التي تريد الاحتفاظ بها.
وجود هيئة تنظيم ولا يمكن أن تنجح عملية الخصخصة وأن تحقق أهدافها دون أن يكون هناك، ولكل قطاع تتم خصخصته هيئة رقابة مؤلفة من المستهلك للخدمة، المنتج لها والحكومة وتكون لها صفة الاستقلال الإداري والمالي الحقيقي والمكفول بموجب قانون خاص يمنع تغول الأطراف على بعضها، ويكون هدف هذه الهيئة :
أ-تحديد أسعار السلعة المقدمة في حالة وجود احتكار لتلك الخدمة أو السلعة (المياه والكهرباء مثلاً)
ب-وضع مؤشرات أداء لقياس والتدقيق عليها دورياً، وذلك لضمان جودة الخدمات المقدمة ومناسبة سعرها.
ويجب كذلك التأكد من أن برامج التطوير والتوسع التي ستقوم بها الشركة ستلبي رغبات المواطن والمستهلك من هذه الخدمة الآن وفي المستقبل، إلى آخر هذه الصلاحيات . كما ويجب على هذه الهيئة أن تكون محايدة عند تحديد التعرفة أو سعر السلعة في حال وجود احتكار، بحيث تحافظ على حقوق جميع الأطراف . وعليها أن تعتمد أسلوب الحوار المفتوح والاستماع لآراء الجهات المعنية والاطلاع على الدراسات الفنية والمالية قبل اتخاذ أي قرار.
إن الهدف الرئيسي لبيع الحكومة لأسهمها في الشركات هو تمليك أكبر عدد ممكن من المواطنين أسهم الحكومة في هذه الشركات ، أو إدخال شريك إستراتيجي أو الهدفين معاً. وعلى الحكومة أن تراعي تاريخ هذه الشركات وكفاءة القائمين عليها وربحيتها حتى لا تؤدي عملية البيع إلى سيطرة جهة على حساب جهة أخرى في إدارة هذه الشركات . وأخيراً فإن عائد هذه الأسهم يجب ان يوضع في صندوق خاص للاستثمار للأجيال القادمة ولدعم موجودات البنك المركزي لا أن تخصص هذه العائدات لزيادة الإنفاق الحكومي الجاري.
صندوق الاستثمار المشترك
تستطيع الحكومة إذا وجدت ذلك مناسباً أن تضع كل أسهمها او جزءاً منها في صندوق للاستثمار المشترك تتم ادارته من قبل شركات مالية محلية او عمالية(الضمان الاجتماعي أو النقابات) ذات خبرة ودراية في هذا الموضوع ، وبعد ذلك تقوم الحكومة ببيع اسهم في هذا الصندوق المشترك لأي شركة، وبالطريقة هذه فإن الحكومة ستتمكن من إدارة بعض الشركات التي تساهم بها إذا اقتضت المصلحة العليا لذلك . أما إذا رغبت بأن تكون شريكاً صامتاً فلها هذا الحق من خلال ملكيتها للأسهم وإعطائها الإدارة للقطاع الخاص . وتحقق هذه الفكرة للمواطن المساهمة من خلال الصندوق في أكثر من شركة و أكثر من قطاع.
إن آلية إنشاء مثل هذا الصندوق اصبحت ممكنة بفضل قانون الشركات الجديد وقانون الأوراق المالية الذي صدر مؤخراً ، وتعمل الأجهزة الرسمية على وضع الأنظمة والتعليمات لقيام مثل الصناديق. إن إجراء دراسة جدوى مثل هذا التوجه في الخصخصة الذي قد يكون الاول من نوعه، أمر ضروري كما انه سيحقق أهداف المؤيد والمعارض للخصخصة ويضع بين يدي مؤسسات الحكومة الاستثمارية أموالا توضع في صندوق الأجيال أو تدعم بها موجودات البنك المركزي.
إن غياب الآلية الواضحة للخصخصة يؤدي إلى التخبط و العشوائية في بيع أسهم الحكومة ويفتح المجال للاجتهادات و التفسيرات والتأويلات والاتهامات، وعدم استيعاب المواطن لما يجري حوله من إجراءات من المفروض أن تحقق له الخدمة الأفضل وبتكلفة أقل وإنتاجية أعلى . فقد آن الأوان لوضع آلية للخصخصة واضحة ودائمة ولا تتغير مع متطلبات أي مستثمر أو رغبات أي مسؤول بل تعتمد الشفافية والموضوعية في التنفيذ

*خبير مياه وهيئات تنظيم

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock