أفكار ومواقف

الخصوصية المستباحة

قضية سرقة ومحاولة بيع الملف الطبي لأسطورة “فورميولا-1، مايكل شوماخر، من قبل أحد العاملين في إحدى شركات النقل الجوي الطبي، أعادت موضوع سرية المعلومات الطبية الخاصة بالمرضى ومدى أمانها، إلى الواجهة.
فهذا الموضوع يعتبر من أكثر المواضيع الطبيّة حساسية في الغرب، وهو أحد حقوق المريض التي كفلتها له القوانين المطبقة في تلك الدول، حتى أصبحت جزءا من ثقافة هذه المجتمعات. إذ إن هذه المعلومات تخصّ المريض وحده، وهو الوحيد الذي يملك الحق في تحديد المخوّلين بالاطلاع عليها، بغض النظر عن درجة القرابة التي قد تربطه بهم.
لكن للأسف، فإن هذا الموضوع لم يأخذ حقه في الحفاظ على خصوصية مرضانا ضمن قوانين ملزمة في مجتمعاتنا الشرقية، والتي يعتبر الفضول سمة فارقة فيها، أو حتى التطفل على الخصوصية، وبما يعدّ مؤشراً ثقافياً خطيراً.
في السياق، أذكر حادثة حصلت معي مع بدء ممارستي الطبية. إذ دعاني أحد الزملاء الى المستشفى ذات مساء لإجراء فحص ما لأحد المرضى، تبين لي أنه شخصية عامة. ورجاني زميلي أن يبقى الموضوع سريا. وشاءت الصدفة في ذاك اليوم أنني كنت مدعوا إلى مناسبة اجتماعية، فإذ بأحد الحاضرين يسألني: “أصحيح أن فلاناً مريض، وقد حدد تشخيصه بكذا وكذا؟”!
واليوم، تجد أن ثمة تطوراً جديدا، وتحدياً أكبر لموضوع السرية في المعلومات الطبية، وذلك بدخول هذه المعلومات والبيانات الخاصة بكل مريض عالم الأرشفة الإلكترونية. إذ أصبحت هذه المشكلة أكثر تعقيدا، واكتسبت أبعادا أخرى في عالم أصبح فيه الإنسان عارياً ومجرّداً من خصوصيته أمام أدوات التكنولوجيا التي استباحتها؛ فحتى المعلومات الطبية لم تسلم من هذا الجنون، وأصبحت مطمعاً للعابثين من الباحثين عن المال، سواء بتتبع المعلومات حول المشاهير من المرضى، أو بابتزاز بعض المؤسسات، ما حدا بالمراكز الطبية إلى صرف الملايين على أنظمة السرية والأمان، في محاولة منها لحماية مرضاها وخصوصياتهم، وحماية نفسها من التورط في قضايا قد تجرّها إلى مقارعة المحاكم، والله وحده يعلم كم تستمر ومتى تنتهي.
ومؤخرا، اضطر مستشفيان في مدينة نيويورك إلى دفع ملايين الدولارات كتعويض لآلاف المرضى الذين نُشرت معلوماتهم الطبية على الإنترنت.
فهذه المعلومات مادة مغرية لكثير من الجهات، ويعتبرها البعض أكثر قيمة من سرقة المعلومات المالية؛ حيث يمكن لمن يصل إليها أن ينتحل شخصية جديدة باسم وتأمين مزورين. كما أنها قد تشكّل مصدر معلومات قيّما لآخرين: شركات تأمين، أصحاب عمل قد يكونون مستعدين لدفع مبالغ طائلة مقابل هذه المعلومات، وبما يؤدي الى التمييز ضد فئات معينة في التأمين والتشغيل.
إن خصوصية وسرية المعلومات الطبية المتعلقة بالمرضى يجب أن تحميهما قوانين رادعة، وثقافة مجتمعية متفهمة، كي لا تشكل مصدرا للضرر والعبث والتشهير بالناس.

*مدير عام مركز الحسين للسرطان

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock