أفكار ومواقف

الخطابة وحدها لا تصنع الواقع

في ثقافتنا تراث لا يضاهى للخطابة والخطباء. وربما أننا أكثر أمم الدنيا براعة في القول. ففي فضائنا العام وجدت ساحات وميادين وأسواق، يلتقي فيها الشعراء والخطباء مع العامة. والمنابر تنتشر ليعلوها الخطباء في كل المناسبات. للخطابة فن مثل الكتابة والتعبير، وللخطباء سمت يميزهم عن غيرهم من غير الخطباء. ومنذ قرون طويلة، دخلت الخطابة دور العبادة، لتصبح جزءا من الطقوس والشعائر، وليظهر نوع من الخطابة تحكمه قواعد وأسس وزمن يلتزم بها الخطباء منهجا وأسلوبا.
لكن الخطابة ليست وقفا على الثقافة العربية، بل هي فن يجري تعليمه والتدريب عليه في كل أرجاء الدنيا. وهي مهارة تلزم الساسة والقادة والشخصيات المؤثرة في كافة الميادين. ففي الولايات المتحدة، مثلاً، يتعلم الطلبة مخاطبة الجماهير كمهارة اتصالية في المدارس، كما يتدربون على ذلك في الجامعات. ويطرح العديد من الجامعات هناك مساقات في الخطابة والمناظرات والاتصال الفعال للطلبة الذين سيختارون العمل في الإدارة العامة أو السياسة والإعلام.
وفي غالبية اتحادات الطلبة، هناك جمعيات خاصة بالمناظرات والخطابة، تشترك فيها أعداد كبيرة من الطلبة ليطوروا مهاراتهم في الاتصال والتأثير، وكسب التأييد للقضايا التي يتبنونها.
من الصعب على أي طامح إلى موقع سياسي أن يصل إليه إذا لم يكن لديه قدر من المهارة في الخطابة والمناظرة والتأثير. فخطب الرؤساء والسياسيين ومناظراتهم تراث أدبي وسياسي، يعود له الساسة والدارسون والطامحون إلى مستقبل سياسي، عند كل مفصل في حياة الأمة الأميركية.
الفن والإبداع والتاريخ والقيم والروح التي تنبعث من الجمل والكلمات والأحرف التي تتوافق مع تعابير وإيماءات الخطباء وتلاوين وإيقاعات حناجرهم، تجعل الجمهور مشحونا ومنتشيا ومنضبطا، يتحرك مع الصور التي ترسمها الكلمات، ومشدودا إلى القضايا التي عبرت عنها الخطبة واقعا وأثرا ومستقبلا، من دون التجاوز على حق الجمهور في القراءة والتحليل والاستنتاج.
الطلبة، ومرشحو الرئاسة، والصحفيون، لا يجدون غضاضة في استعارة جملة من خطاب لرئيس من رؤساء بلادهم قبل مئتي عام؛ فما يزال جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وأبراهام لنكولن وروزفلت وكيندي، يلهمون الشباب الطامحين، كما الرؤساء الذين يؤصلون قراراتهم غير الشعبوية أحيانا من خلال الاستعانة بمقولات وأفكار الرؤساء المؤسسين، ممن تركوا رصيدا يشجع على الاستعارة منه.
في الأوساط العربية، فقدت الخطابة بريقها وتأثيرها؛ فلم تعد ذلك الفن الجميل الذي يستخدمه الساسة والزعماء والسياسيون للتواصل مع جماهيرهم والتأثير فيها. فقد اندثر الكثير من أحلام الأمة بالتزامن مع خطب ألقيت لتعدهم بالنصر والعزة.
وفي مجتمعاتنا للخطابة حكاية أخرى؛ فهي فن لا علاقة له بالواقع ومجرياته، فن يستند إلى الغيبيات والبلاغة، وهدفه توليد الحماس والاستيلاء على المشاعر.
خلال تاريخ الأمة الحديث، ارتبطت الخطابات الكبرى التي ألهبت مشاعر العرب بهزائم مدوية؛ إذ خسرت الأمة فلسطين بالتزامن مع الخطابات التي كانت تعد بإلقاء اليهود في البحر.
ربما أن تجربة الأمة العربية، ومحدودية تفاعل مكون البداوة فيها مع الأرض، قد أسهم في ذلك، ليصبح القول تعويضا عن الفعل، والبلاغة في صورها المتخيلة الجميلة بديلا عن الواقع.
وما من شك في أن للخيال أهمية في تولد الأفكار وابتكار وسائل تحقيقها، وفتح آفاق للطاقات الخلاقة. فالخيال العلمي مهم في دفع العلم وتنشيط الخيال معا. لكن أن يقتصر الإبداع على الصور التي لا انعكاس لها على الواقع، فذلك أمر في غاية الغرابة.
للبلاغة وصورها تاريخ تولد في بيئة تفتقر إلى المثيرات؛ فالصحراء الشاسعة بلا معالم، والظروف المعيشية القاسية، والبحث الدائم عن الماء.. قضايا أشعلت خيال العرب، لكنها لم تغير الواقع. فجاء الشعر ليغطي الفجوة بين واقع الصحراء وإنسانها المحروم والرغبة في تلبية رغباته وتجاوز تحدياته التي تتسع لتشمل الخوف والجوع والحب والموت والكرامة. فنحت الشعراء والخطباء صورا تكميلية لواقعهم، ظنوا في خيالهم أنها جزء من الواقع، لكنها في الحقيقة بقيت مفصولة عنه.
للبلاغة العربية قواعد وأسس وفنون ندرسها وندرسها، ونستخدمها في خطبنا من أجل التاثير في السامعين. لكن هذه الخطب بقيت على قطيعة مع الواقع المعاش.
في كل المناسبات التي تستدعي الخطابة، يعد الساسة خطبهم التي قد تلامس الموضوع والمقام الذي أعدت لأجله أو لا تلامسه. فبعد أن يشكروا الله ويصلون على النبي، ينطلقون -غالبا- في سرد حكم وأحاديث نبوية ومواعظ وأشعار وأقوال مأثورة لا صلة لها بالموضوع، ولا مبرر لوجودها، غير أنها أعجبت الخطيب عندما سمعها، فراق له أن يستخدمها ولو خارج السياق وفي غير مكانها.
الخطابة العربية فقدت بريقها وألقها بسبب تدهور أوضاع الأمة، وضعف إيمان الجماهير بمن يتصدون لقضاياهم، ووقوع الفن أسيرا للبنى الموروثة إعدادا وإلقاء، وموضوعا. فالخطابة لا تغني عن الفعل، والخطيب ليس قارئ نشرة لا يعي مضامينها. الخطبة رسالة لا تتحقق أهدافها إن لم يشعر المتلقي بصدقها وواقعيتها، وقدرة الخطيب على الالتزام بها.
في هذه الأيام، بعض الخطباء يدفعك إلى التساؤل وأنت تسمعه: هل هو الذي يتحدث، أم أحد آخر إلى جانبه؟

*وزير سابق

تعليق واحد

  1. قول وفعل …
    في عصر التابعين ذهب بعض المستعبدين او الخدم – وقد كانت ظاهرة منتشرة في تلك الايام – الى الإمام الحسن البصري وطلبوا ان يخطُب في خطبة الجمعة القادمة عن اعتاق الرقاب او (تحرير) العبيد ، وقد كان الحسن – رحمه الله – خطيبا بارعا وفقيها عالما مفوها ، فقال لهم انه سيفعل ، ولكن الامر تأخر كثيرا فقد جاءت الجمعة والتي تليها ثم الاخرى والاخرى ولم يتكلم الامام في الموضوع ، وحين ملّ العبيد من ذلك ذهبوا اليه وسألوه لما تأخرت في الخطبة عن الموضوع قال لهم انه ليس لديه عبد حتى يعتقة اولا قبل ان يتكلم للناس عن عتق الرقاب ولم يكن يملك المال ليشتري وانه انتظر حتى ملك المال (ثم) اشترى عبدا واعتقه ، ليكون فعلا قبل القول …
    التنظير والاغداق والابحار في بحور المثاليات اصبحت من الامور الدارجة في هذا الزمان ، من السهل جدا ان تتكلم في امور كثيرة ومتنوعة (( كبر مقتا عند الله ان تقالوا ما لا تفعلون ))

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock