فكر وأديان

الخطاب الإسلامي و”النصيب والمكتوب”

محمود أبو فروة الرجبي*

من المهم جداً لأي أمة أن تقوم بعمل مراجعات شاملة بين الفترة والأخرى، لمفاهيمها وأفكارها، وتصوراتها، وقيمها، التي تحتمل التطوير أو التعديل، من غير الثوابت المتفق عليها. وهذا يعطي الأمة نشاطاً وحيوية، ويبعدها عن العفن الفكري الذي تبدأ به سلسلة انهيارات الأمة في مختلف الجوانب.
عند بعض المسلمين، هناك مفاهيم خاطئة، أو تحتاج إلى تطوير في فهمها، وهي تسبب تقليل تطور الأمة، وأحياناً تقف حجر عثرة أمام تقدمها، ومنها مفهوم “المكتوب والنصيب”.
في البداية، يجب على المسلم أن يعتقد بمفهوم النصيب، والقضاء، والقدر، لكن هناك فهم خاطئ في التعامل معه، يؤدي في بعض الأحيان إلى إشكاليات لا تخفى على أحد. فبعض الناس يعتقد أن عدم  أخذ الاحتياطات اللازمة، ومتابعة شروط النجاح في أي عمل، هو جزء من التوكل على الله، وهذا غير صحيح، مع أن الأصل في الإسلام هو أن الله سبحانه وتعالى، خلق نواميس للكون، وقوانين لا تخرق، يجب التعامل معها، ومراعاتها عند أي تصرف.
ومن أشكال هذا الأمر أن يجلس الشخص أمام فشله في أي عمل وهو يعزو السبب للنصيب، والقضاء والقدر، وأن الله سبحانه وتعالى، لم يشأ نجاح هذا الأمر. وهذا صحيح من جهة، ولكنه من جهة أخرى قد يثبط الشخص عن دراسة الموضوع، وأسباب الفشل فيه، ولماذا لم ينجح، كي يحاول مرة أخرى وينجح.
وأعتقد أن كثيراً من الناس لو فكروا بهذه الطريقة -الطريقة الصحيحة لدراسة الواقع ونقده- فإن نسبة نجاحهم سترتفع، وكل ذلك لا يخالف العقيدة، ولا يتناقض مع مبدأ القضاء والقدر، والنصيب، ومشيئة الله سبحانه وتعالى.
أتذكر في هذا المقام قصة حصلت مع أحدهم، وكان يسكن في طابق مرتفع في عمارة. فذات يوم خرج ابنه إلى الشرفة المفتوحة فوقع ومات. وحصل الأمر، حسبما أذكر، مع اثنين آخرين من أبنائه بدون أن يتحرك ويضع شبك حماية حديديا، عازياً الأمر إلى قضاء الله وقدره، رغم أن العلماء الذين ذكرت لهم القصة أجمعوا على أنه وقع في الحرام حينما لم يقم بعمل ما من شأنه حماية أطفاله. وفي النهاية، تم إجباره من قبل السلطات على فعل ذلك.
بعض المسلمين، ونتيجة لوجود أخطاء في الخطاب الإسلامي المتعلق بهذا الأمر، يعيبون على الغرب، مثلاً، اتخاذه الاحتياطات الكاملة لحماية جنوده في المعارك، ويعزون الأمر إلى محبتهم الدنيا، مع أنه من قال إن محبة الدنيا خطأ إذا لم تخرج عن سياقها الصحيح؟ وهذا أدى بالإخوة الذين يجاهدون في الأماكن التي تشهد احتلالا إلى الخروج في بعض الأحيان أمام العدو بطريقة تكون نتيجتها الموت المحتم، بدون مراعاة ضرورة أخذ الاحتياطات في الحماية الكاملة، وكأن الهدف في الإسلام هو الموت، مع أن الصحيح والمطلوب هو الرضا في حالة الموت، وشتان ما بين الأمرين.
الحياة غالية، ويجب حمايتها بالوسائل كلها. ومهما كان موقعك في الحياة، في حالة السلم أو الحرب، يجب أن تعمل على صونها، وابتكار كل الوسائل لحمايتها، وأي تقصير في ذلك يوقعك في دائرة الحرام، وهو غير مقبول شرعاً.
والأمر الآخر الذي يفعله العامة عند بعض المسلمين هو نقد من يطور نفسه، ويسهر الليالي من أجل اكتسابه مهارات جديدة، أو تطوير مهارات موجودة عنده. وقد يصل الأمر بانتقاده إلى أن يتهم بأنه يخالف العقيدة، ومفهوم الرزق، وبأنه منكب على الدنيا. ويحضرني هنا أحدهم وهو يخطاب شخصاً يتعلم اللغة الإنجليزية، وهو يقول له: “أما كان أفضل أن تحفظ القرآن الكريم بدل هذا الأمر الدنيوي؟!”.
الواقع أن ردة الفعل هذه التي تجد من يشجعها، بشكل أو بآخر، من بعض صناع الخطاب الإسلامي فيها ظلم كبير للإسلام، وللقرآن؛ فمن يعمل ويجتهد هو إنسان محترم، يجب أن يقدر ويشجع، ومن قال إن تعلم اللغة الإنجليزية، أو تطوير أي مهارة، يتناقض مع الإسلام؟! فعملية بناء الذات وتطويرها، لا تتناقض أبداً مع القرآن الكريم، ولم يأمر القرآن الكريم نفسه الناس بترك الدنيا، والجلوس ليل نهار لقراءته، بل إن هذا يتنافى مع مفهوم مهم جداً في الإسلام، وهو عمارة الكون التي دعا إليها الدين، وحددها كواحدة من مهمات الإنسان الأساسية في الكون.
ويا ليت الأمر يقف عند هذا الحد، بل يتطور أحياناً إلى انتقاد الناجحين والمبدعين. فمن المعروف أن الإبداع والنجاح يأتي من التعمق في عمل ما، وقضاء ساعات طويلة فيه، وهذا يثير غضب البعض ممن يعتقد أن العبادة -حسب مفهومه- يجب أن يقضي الإنسان جل وقته فيها، مع أن مفهوم العبادة الشامل، والذي يعني عمارة الأرض والدراسة والبحث والتقصي وتطوير الذات ما دام بنيته الصحيحة، يدخل في هذا الأمر.
وبعض الناس يرفضون التعب من أجل الحصول على الرزق، استناداً إلى حديث قدسي موضوع جاء في جزء منه: “..يا ابن آدم لا تخش من ضيق الرزق، وخزائني ملآنة وخزائني لا تنفد أبداً..”. فتجد بعضهم لا يكلف نفسه حتى مجرد البحث عن عمل استناداً إلى ما جاء في هذا النص، وهذا كله مما يخالف ما كان عليه المسلمون من تعب وجد في أعمالهم. وهذا يخالف ما جاء في الحديث النبوي الصحيح: “إن قامت الساعة، وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا  تقوم حتى يغرسها فليغرسها”. وهذا الحديث يعطينا الروح الحقيقة التي يجب أن يكون عليها المؤمن من إيجابية، تجعله يعمل حتى لو كانت آخر لحظة في الحياة.
وعلى كل، فالمطلوب من الخطاب الإسلامي وضع حد حاسم بين المفاهيم المستنبطة من قصص شعبية، وعادات وتقاليد، وأحاديث موضوعة، لها علاقة بتعطيل التطور والإنتاج، وبين ما يدعو إليه الإسلام من نشاط وحيوية، حتى تزال من المجتمع مفاهيم الشد العكسي التي تثبط الهمم، وتعطي للكسالى وأصحاب الهمم الميتة ما يبرر لهم خورهم، وفي الوقت نفسه تجعل من كل إنسان لا يعرف أخطاءه، فلا تصحح أبداً.
النواميس الكونية خلقت لتحترم، وليتم التعامل معها، وبغير ذلك نكون قد ظلمنا أنفسنا، وأخرنا تطورنا، وظلمنا الدين معنا.
*كاتب أردني

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock