فكر وأديان

الخطبة المكتوبة

د. أحمد ياسين القرالة

انتقدنا في المقالة السابقة تقصير وزارة الأوقاف في خلق ثقافة جديدة للوقف، وعجزها عن توفير أئمة للمئات من مساجد المملكة، وبينا خطورة ذلك الوضع ومآلاته المتوقعة.
وفي ظل هذا الوضع الذي تعيشه مساجدنا فإنه يحمد لوزارة الأوقاف اجتهادها في توحيد خطبة الجمعة في مساجد المملكة كافة، وتزويد الخطباء بخطبة مكتوبة محددة العناصر معززة بالأدلة من القرآن والسنة وأقوال العلماء.
وليست وزارة الأوقاف بدعاً في هذا الإجراء فقد سبقتها إلى ذلك دول عديدة، ومنها على سبيل المثال سلطنة عمان، فمع كون خطبة الجمعة فيها موحدةً ومكتوبةً إلا أنها تحظى باحترام المصلين وتقديرهم وتجد منهم الاستجابة لمضامينها والتفاعل معها، والمجتمع العُماني من أكثر المجتمعات العربية تديناً وأوفرها سكينة وتسامحا وأقلها قسوة وعنفاً.
ولما كان لكل عمل إيجابيات وسلبيات فإننا في ظل الواقع الذي تعانيه مساجدنا فإننا نعتقد أن هذا العمل يسهم إلى حد ما في علاج الضعف العام لدى بعض الخطباء ويعمل على التخفيف من هشاشة خطبهم، ويجعل الخطبة متكاملة الموضوع متماسكة العناصر منضبطة الوقت، كما أنه يحول دون أن ينفرد الخطيب بتشكيل الرأي العام وتوجيهه حسب مذهبه الفقهي أو بناء على معتقده السياسي مما يخلق الصراعات والنزاعات بين المصلين.
ومن إيجابيات الخطبة الموحدة أنها تعمل على توجيه المجتمع بكله وفي الوقت ذاته نحو قضية واحدة محددة تؤدي إلى خلق ثقافة جديدة وصناعة رأي عام وتحفيز الشعور الجمعي نحوها، الأمر الذي يؤدي إلى استنفار الطاقات وتوجيه القدرات لحل تلك المشكلة وعلاج مسبباتها.
وحتى تتحقق للخطبة المكتوبة أهدافها يجب اختيار عناوينها وموضوعاتها بدقة وعناية فائقة، تراعي أولويات المجتمع الأردني وتلامس مشكلاته الحقيقية والواقعية وتبتعد عن السذاجة والسطحية.
لا نختلف كثيراً مع القائلين بأن الخطبة المكتوبة تقتل الفروق الخطابية والإبداعية بين الخطباء وتجرد الخطبة من روحها المعنوية، وتتجاهل الفروق الاجتماعية والبيئية بين التجمعات السكانية، إلا أننا نعتقد أنه ليس من هدف الخطبة استعراض القدرات الخطابية والبلاغية والأسلوبية للخطيب، كما أن قوة الاقناع والتأثير لا علاقة لها بالكتابة ولارتجال، فقوة الفكرة وتماسكها ومنطقيتها قادرة على فرض ذاتها وتحقيق غاياتها، ولعل التغذية الراجعة الواردة لمركز الوزارة من الخطباء والمصلين تساعد في التخلص من تلك العيوب والسلبيات.
من الطبيعي جداً أن يثير هذا الإجراء باعتباره جديداً على البلد الخلاف في الرأي، ولكن ما هو غير طبيعي اتخاذه مبرراً لمهاجمة خطبة الجمعة من على منبر الجمعة ذاته والإساءة لوزير الأوقاف الذي ما عرفته إلا بعلمه الغزيز وأخلاقه الرفيعة وتدينه الصادق وتواضعه الكريم.
لا يجوز أبداً أن يتحول منبر الجمعة للقدح والذم وتحقير الآخر، فهذا إساءة بالغة لمنبر الجمعة وخروج عن آداب الإسلام وأخلاقه، وهو يؤكد ويعزز الرأي القائل بضرورة كتابة الخطبة وتوحيدها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock