ترجمات

الخلل في حملة “الضغط الأقصى” التي يشنها ترامب على إيران

دينيس روس؛ ودانا سترول* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 29/8/2019

في شهادة المبعوث الأميركي الخاص لإيران، براين هوك، أمام الكونغرس الأميركي في حزيران (يونيو)، صرّح بأن العقوبات الأميركية أدّت إلى تخفيضات في الميزانية العسكرية الإيرانية في العام 2018 ومجدداً في العام 2019. غير أن هذه التخفيضات المزعومة في الميزانية لم تؤدِ إلى تراجع التهديدات في مضيق هرمز في وقت سابق من هذا العام، عندما هاجمت إيران سفناً تجارية بالألغام وحاولت الاستيلاء عليها وأسقطت طائرة أميركية من دون طيار. ولا يعتمد البنتاغون على حملة “الضغط الأقصى” للتخفيف من العدوان العسكري الإيراني؛ وقد أصدر خلال الشهر الجاري تحذيراً لمدة عام من “العمليات العدائية الإيرانية” في منطقة الخليج.
* * *
تقول إدارة ترامب إن حملة “الضغط الأقصى” التي تمارسها على إيران تؤتي ثمارها. ولكن، ليت ذلك كان صحيحاً.
لطالما صرّحت الإدارة الأميركية بأن العقوبات الاقتصادية ستحرم النظام الإيراني من المال وأن قلة المال تعني انكفاء السلوك السيئ وتقديم المزيد من التنازلات على طاولة المفاوضات.
غير أن المساومة مع إيران لا تشبه إبرام صفقة عقارية، والإرهاب الذي ترعاه إيران لا يمكن حصره بسهولة بمبالغ المال. فولحدّ من أحد هذين العنصرين لا يؤدّي بالضرورة إلى تراجع الآخر.
الاستنتاج المحتم بعد دراسة النزاعات الدائرة في المنطقة، هو أن الاستراتيجية الأميركية القائمة حصراً على حرمان طهران من المال لا يمكنها أن تفرض وحدها تغييرات على سلوك إيران في المنطقة.
صحيح أن الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في سورية ربما تعاني من تخفيضات في الرواتب، لكن ذلك لم يسهم في انخفاض وتيرة العنف أو عكس المكاسب التي حققها نظام بشار الأسد في ساحة المعركة أو في حثّ هذه الجماعات الأجنبية أو القوات الإيرانية على مغادرة سورية. وسوف يستمر مقاتلو الميليشيات المستعدون للسفر إلى سورية من أفغانستان أو باكستان أو العراق في تلبية نداء طهران بسبب الإيديولوجيا المترسخة في أذهانهم أو الظروف الاقتصادية الرديئة في بلدانهم.
على الرغم من تصريح أدلى به في آذار (مارس) أمين عام حزب الله اللبناني السيّد حسن نصر الله، والذي دعا فيه مؤيدي الحزب إلى تقديم الهبات للتعويض عن الخسائر في الإيرادات الناتجة عن العقوبات، إلّا أن الحزب لم يسحب مقاتليه من سورية، كما لم يقطع التمويل عن ترسانته الصاروخية التي تهدّد إسرائيل في جنوب لبنان أو عن عمليات حفر الأنفاق. وتعزّز الضربات الإسرائيلية على لبنان خلال نهاية الأسبوع قبل الماضي والتي استهدفت مصنعاً لإنتاج مكونات الصواريخ وجهة النظر القائلة إن الضغوط الاقتصادية وحدها لا تردع طهران عن محاولة وضع قدرات استهداف دقيقة في عشرات الآلاف من صواريخ حزب الله.
أما في اليمن، فيعمد المقاتلون الحوثيون المدعومون من إيران إلى تكثيف وتيرة القتال ودرجة تطور الهجمات ضد السعودية. وتتواصل هجمات الحوثيين بالصواريخ الباليستية وبالطائرات من دون طيار ضد مطارات مدنية وخطوط أنابيب النفط ومحطات الضخ في السعودية، حيث بلغت الهجمات الآن الجانب الشرقي من المملكة. وتشير الأدلة إلى أن إيران تحوّل علاقتها مع الحوثيين من علاقة قائمة على دعم محدود في نزاع محلي إلى شراكة إقليمية.
إن الضغوط الناتجة عن العقوبات لا تعني دائماً تراجع الأموال التي تنفقها إيران لدعم أنشطة وكلائها وحلفائها. وتفيد بعض التقارير بأن إيران تزيد تمويلها لحماس في غزة من 70 مليون دولار في كل عام إلى 30 مليون دولار كل شهر، وهي مبالغ منفصلة عن الأموال التي تقدمها إلى “حركة الجهاد الإسلامي”.
خلال شهادة المبعوث الأميركي الخاص لإيران، براين هوك، أمام الكونغرس الأميركي في حزيران (يونيو)، صرّح بأن العقوبات الأميركية أدّت إلى تخفيضات في الميزانية العسكرية الإيرانية في العام 2018 ومجدداً في العام 2019. غير أن هذه التخفيضات المزعومة في الميزانية لم تؤدِ إلى تراجع التهديدات في مضيق هرمز في وقت سابق من هذا العام، عندما هاجمت إيران سفناً تجارية بالألغام وحاولت الاستيلاء عليها وأسقطت طائرة أميركية من دون طيار. ولا يعتمد البنتاغون على حملة “الضغط الأقصى” للتخفيف من العدوان العسكري الإيراني؛ وقد أصدر خلال الشهر الحالي تحذيراً لمدة عام من “العمليات العدائية الإيرانية” في منطقة الخليج.
وأفاد هوك أيضاً أن القيادة الإلكترونية في الحرس الثوري الإسلامي الإيراني تفتقر إلى المال. غير أن شركتين تعملان في مجال الأمن الإلكتروني اعتبرتا إيران مصدراً لموجة الهجمات الإلكترونية التي استهدفت هذا العام هيئات حكومية وكيانات عاملة في مجال الاتصالات السلكية واللاسلكية والبنية التحتية للإنترنت.
عند جمع هذه العوامل معاً، لا يدعم نمط الوقائع خط ترامب القائل بأن حملة “الضغط الأقصى” ناجحة. فقبل زمن طويل من الاتفاق النووي الذي أُبرم في العام 2015، اعتمدت طهران استراتيجية منخفضة التكلفة وغير متناسقة لأنها تعجز عن منافسة ميزانيات الدفاع الكبيرة والقدرات العسكرية التقليدية للولايات المتحدة أو لخصومها في المنطقة مثل السعودية والإمارات. وبالتالي فإن العقوبات وحدها لن تكون فعالة في وقت تشن فيه إيران عمداً حملتها العدائية في المنطقة بتكلفة منخفضة.
وفي المقابل، يجب أن تقوم استراتيجية ناجحة إزاء إيران على أكثر من مجرد عقوبات تفرضها الولايات المتحدة. فالعزل السياسي ضروري أيضاً إلى جانب التهديدات الموثوق بها المتمثلة باستخدام القوة العسكرية والاستعداد لعرض مخرج من الأزمة الاقتصادية ومن البرود السياسي تجاه إيران.
لسوء الحظ، حقق الرئيس ترامب نجاحاً أكبر بكثير في عزل الولايات المتحدة وليس إيران. وأشارت إدارته في كل من التصريحات والإجراءات إلى عدم استعدادها لاستخدام القوة العسكرية إلا في أضيق الظروف، مما أدى إلى حدوث صدع بين الولايات المتحدة وشركائها في منطقة الخليج. وقد أدّت حملة “الضغط الأقصى” إلى إبعاد الحلفاء الأوروبيين الذين شاركوا في كل نهج ضغط ناجح آخر اعتُمد ضد إيران.
زادت هذه الخطوات الاستراتيجية الخاطئة مجتمعة من جرأة القادة الإيرانيين. ومن الواضح أنهم لا يرون حاجة إلى التحدث مع الإدارة الأميركية، بعد أن رفضوا حضور وزير خارجيتهم اجتماعاً في البيت الأبيض واشترطوا رفع العقوبات قبل إجراء أي محادثات مع الإدارة الأميركية. كما أن محاولتهم استخدام طائرات من دون طيار لتنفيذ هجمات ضد إسرائيل تُظهر استعدادهم للمخاطرة.
استناداً إلى الأحداث التاريخية، فإن العقوبات لن تحثّ إيران على تغيير سلوكها. إن ذلك قد يأتي من خلال اتباع سياسة ناجحة مؤثرة تنبع من ممارسة ضغوط دولية جماعية، ومن احتمال تأمين المفاوضات مكاسب اقتصادية حقيقية ومن التهديدات بتداعيات خطيرة ناجمة عن الأعمال الخبيثة.

*دينيس روس: مستشار وزميل “ويليام ديفيدسون” المتميز في معهد واشنطن ومساعد خاص سابق للرئيس باراك أوباما؛ دانا سترول: زميلة في “برنامج جيدلد للسياسة العربية” في معهد واشنطن وكانت سابقاً كبيرة الموظفين في “لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي” لشؤون الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock