أفكار ومواقف

الخيارات الاردنية في مواجهة خطة الضم الاسرائيلية

أ. د. محمد المصالحة

مقدمة؟

يبدو من الغرابة بمكان ان تطرح الحكومة الاسرائيلية خطة لضم جزء كبير من الضفة الغربية بما في ذلك الجزء الغربي المحاذي لنهر الاردن، بعد ان توصلت الى:

* اتفاقية اوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993.
* معاهدة سلام مع الاردن في عام 1994.

وكان من المفروض ان تكون الاتفاقية والمعاهدة مرتكزات لطبيعة العلاقة بين الاردن واسرائيل من جهة وان تكون اوسلو خطوة في الطريق نحو حل شامل للقضية يبدأ باعادة غزة واريحا ومن ثم الانسحاب الاسرائيلي من الضفة الغربية وغزة.

لقد توحدت الضفة الغربية مع المملكة الاردنية الهاشمية عام 1950 بموافقة البرلمان المنتخب من الجانبين، وسبقه مؤتمران شعبيان في اريحا ونابلس تطالب بوحدة الضفة وما تبقى من فلسطين بعد قيام الكيان الاسرائيلي وتوسعه يطالبان بهذه الوحدة.

ولكن بعد عام 74 اخذت منظمة التحرير الولاية السياسية والحديث باسم الشعب الفلسطيني وانتزعت من الاردن الحق الذي يعطيه له القانون الدولي باعتبار الضفة الغربية عند احتلالها جزءاً من المملكة الاردنية الهاشمية.

ونرى ان السنين التي اعقبت هذا التاريخ رغم المبادرات الدولية وقرارات الامم المتحدة بخصوص حل قضية فلسطين بما فيها قضايا القدس واللاجئين والحدود والمياه وغيرها مما اعتبر من قضايا الحل النهائي، لم تساعد هذه المدة في انهاء الصراع خاصة في شقه الاسرائيلي الفلسطيني.

الصورة الراهنة للصراع:-

نرى أن سياسة الرئيس الأمريكي ترامب خلال السنوات الاربع الماضية وعبر طرحه صفقة القرن والقرارات الاحادية بخصوص القدس ورعاية التطبيع مع بعض الدول العربية قد ادت الى:-

  •  تعقيد المشهد السياسي في المنطقة. وابعد حلاً قريباً وعادلاً للقضية الفلسطينية على اساس اقامة دولة للفلسطينيين في ارضهم المحتلة عام 1967.
  •  تطبيق سياسة العصا والجزرة على دول المنطقة للقبول بصفة القرن بمن فيهم الفلسطينيون.
  •  محاصرة بعض الدول، ومنها الاردن وفلسطين، واستثمار الضائقة الاقتصادية لكليهما لحملها على التسليم بصفقة القرن علماً بأن جائحة كورونا قد عمقت الازمة الاقتصادية فيما تراجعت وجفت موارد الدعم المالي خليجياً ودولياً.
  •  حركية التحالفات في المنطقة وتغيرها بصورة متواترة مما جعل من الصعب بناء موقف عربي واسلامي لدعم حل عادل للقضية الفلسطينية.
  •  تعاظم تيار اليمين وحكومته في اسرائيل التي باتت تتحدث عن السلام مقابل السلام وليس مقابل الارض مما يعني ان يسيطر على البرنامج الاسرائيلي الحالي لحكومة الليكود وهو الضم وليس السلام.

في خطة الضم

… إن طرح اسرائيل لخطة الضم متجاهلة التزاماتها السابقة وقرارات الامم المتحدة، انما جاء بدعم امريكي وجراء التوافق في المصالح الانتخابية لكل من ترامب ونتنياهو واللذان يواجهان متاعب سياسية او قضائية لديهم في الداخل، واخذا يبحثان في المجال الخارجي عن مخارج لهما عبر الصفقة وخطة الضم.

وكما اعلنت الدوائر الاسرائيلية فإن الخطة تشتمل على ضم المستوطنات المقامة بغير وجه قانون على اراضي محتلة بما فيها القدس وتضم فيها نحو 800 الف مستوطن، وضم غور الاردن لمسافة غرب النهر تتراوح بين 5-25 كيلو متراً تقريباً.

ومن الواضح ان خطة الضم تجهض مشروع الدولة الفلسطينية التي يتمسك بها الاردن كحق وطني فلسطيني، وضمان لحماية الامن الوطني الاردني…

وقد بدأت اسرائيل رغم الاعلان عن تأجيلها بالتنفيذ الفعلي لها من خلال مصادرة الاراضي الفلسطينية وهدم منازل المواطنين في مختلف مناطق الضفة، ولا توجد موانع امام سلطة الاحتلال بوقف هذا التنفيذ غير القانوني.

وما يخشاه الاردن ويزيد من مخاوفه ان تقود الخطة الى التضييق على الاشقاء الفلسطينيين في عيشهم وتنقلهم لحملهم على الهجرة للخارج وللاردن تحديداً وهو ما تسعى له اسرائيل بجعل الاردن وطناً بديلاً عن وطنهم التاريخي.

وهذا السعي الاسرائيلي المضمر يتعارض تماماً مع المعاهدة بين الاردن/اسرائيل عام 1994 في نص المادة (1) بعنوان «اقامة السلام» بين الاردن واسرائيل والتي تنص على:-

(1) يعترفان ويحترمان سيادة كل منهما وسلامته الاقليمية واستقلاله السياسي.

فقرة (6) يعتقدان ان تحركات السكان القسرية ضمن نفوذهما بشكل قد يؤثر سلباً على الطرف الآخر ينبغي الا يسمح بها.

أجل.. بالنسبة لخطة الضم هي اعتداء صارخ على الحق الوطني الفلسطيني في اقامة دولته كما جاء في القرارات والموقف العربي عام 2002 في قمة بيروت/والمبادرة السعودية فيها، وهكذا يكرر الاردن باستمرار على لسان الملك عبدا لله الثاني بأنه لا سلام في المنطقة الا باقامة دولة فلسطينية بحدود عام 1967.

أما عن الاوراق التي يملكها الاردن ويجب ان يوظفها ازاء سيناريو الضم، وما هي الاوراق بيد الاردن التي يوظفها في حال منع الضم؟

وهنا أبدأ بالاجابة على الشق الثاني من السؤال أي ما يمكن أن يقوم به الاردن في حال منع الضم؟

إذا تم المنع.. قد يكون على شكل امتناع من قبل اسرائيل لاحساسها بأنها ستدمر كل فرص للسلام، وتفتح الطريق امام موجة عنف واضطرابات وانتفاضة فلسطينية جديدة بعد ان يتم استكمال الاتفاق بين مختلف الفصائل لمواجهة صفقة القرن وخطة الضم.

وقد يكون منع الضم ناشئ عن الاستجابة لموقف دولي اذا ما ذهب الفلسطينيون الى الامم المتحدة ونجحوا في انعقاد مؤتمر دولي كما اقترح مؤخراً الرئيس الفلسطيني محمود عباس، يتولى هذا المؤتمر وضع الآليات التي تساعد في اتخاذ حل عادل للنزاع الفلسطيني الاسرائيلي.

اما في حال تم تنفيذ خطة الضم، فان حجم التحدي الذي يواجه الاردنيين او الفلسطينيين سيكون كبيراً، وخيارات الاردن كما يلي في تقديري:-

نظراً لادراك اسرائيل ان الاردن دولة محورية بالنسبة للسلام وشريك مهم بعد معاهدة السلام، وعدم اغفالها لاهمية هذا الدور واستقرار الاردن… فقد يسهم هذا في مراجعة اسرائيل لخطة الضم المطروحة.. واسباب قوة الموقف الاردني رغم ضائقته الاقتصادية هي:-

  1.  الرفض الملكي القاطع للسياسة الاسرائيلية وصفقة القرن ومكوناتها والتمسك الثابت بحل الدولتين.
  2.  ان خرق اسرائيل للمعاهدة عبر ضم غور الاردن/بالتالي فإنه يعني التجاوز على الحدود الاردنية الفلسطينية التي اتضحت بعد رسم الحدود الاردنية الاسرائيلية، اذ نصت المادة (3) الحدود الدولية من المعاهدة التي «تعتبر الحدود كما هي محددة في الملحق (1) للمعاهدة.. الحدود الدولية الدائمة والآمنة والمعترف بها بين الاردن واسرائيل دون المساس بوضع أي اراضي وقعت سيطرة الحكم العسكري الاسرائيلي عام 1967.

ومنطوق هذه المادة ان ترسيم الحدود الاردنية الاسرائيلية لا يمس وضع الاراضي التي احتلتها عسكرياً عام 1967 وعليه فان موضوع الضم ان حصل فهو تجاوز ذو طبيعة مزدوجة ضد الاردن وضد حكومة الفلسطييين في ارضهم اي الضفة الغربية.
وهناك الخيار القانوني عدا ما ذكرته في ما ورد في نصوص المعاهدة والذي ينقض الخطة الاسرائيلية بالضم لأراضي في الضفة وغور الاردن.. وبقدرة الاردن لطرح هذه المخالفة القانونية امام الامم المتحدة..

لأن خططها تتعارض مع ضرورة التزامها بموجب القانون الدولي بعدم تغيير الواقع الاقليمي المتعلق بالارض والديموغرافيا في المنطقة الواقعة تحت احتلالها، وهنا يمكن التنسيق مع السلطة الفلسطينية في هذا التحرك القانوني.
اما على الجبهة السياسية والدبلوماسية..

فيمكن للاردن القيام بتحرك دبلوماسي دولي مع العواصم الدولية (لندن، باريس، برلين، موسكو، بكين، وطوكيو، ودلهي) ومع المنظمات الدولية، لشرح مخاطر الضم، وفكرة الدولة الواحدة ومخاطرها كما اوضح جلالة الملك ذلك عام 2018 امام الادارة الامريكية الحالية، ونذكر هنا اشادة بموقف دول الاتحاد الاوروبي خاصة المانيا من عدم قبوله لسياسة الادارة الامريكية تجاه المنطقة.

* وعلى الاردن ان يفعل الخيار الشعبي المعارض لصفقة القرن وخط الضم والاخذ بحل الدولتين، عبر جبهة وطنية موحدة وقوية.

* تعليق المعاهدة بين اسرائيل والاردن بما في ذلك صفقة الغاز التي رفضها البرلمان الاردني.

ولا شك انه يجب الاعتراض بان الاردن قد وضع عربياً في موقف صعب، لا سيما مع دول الجوار بسبب الظروف في كل من سوريا والعراق، ومسيرة التطبيع مع بعض دول الخليج.

وهو ما يضيق من مساحة الحركة الاردنية، وتراجع دور الجامعة العربية في التعاطي مع القضية الفلسطينية في كافة مكوناتها.

الخلاصة

إن مسار الاوضاع في المنطقة مرتبط الى حد كبير بما تسفر عنه الانتخابات الامريكية، لا سيما اذا ما عاد ترامب لولاية رئاسية ثانية.

خطة الضم هي جزء من صفقة القرن، وقد ساهمت دول عربية الى جانب اسرائيل في التمهيد وربما المساهمة في تطبيقها كما ذكر وفي مجمل القول: خيارات الاردن اما سياسية/قانونية أو خيار القوة في حال تعرض امنه الوطني للتهديد..

إثر حمل اسرائيل الفلسطينيين على الهجرة القسرية للاردن… واضعين في الاعتبار ان الاحترام المتبادل لنصوص المعاهدة افضل للاردن من الغائها.

استاذ جامعي/ر. ج. العلوم السياسية

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock