ترجمات

الخيارات الصعبة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: ثالوث القوة، المساعدات، والسلام (2-1)

كارول دانيال-كسبري – (معهد الشرق الأوسط) 3/3/2022

في الحادي والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) 2020، أقر الكونغرس الأميركي قانون “نيتا لوي” للشراكة من أجل السلام في الشرق الأوسط، the Nita M. Lowey Middle East Partnership for Peace Act، مع تمويل يصل إلى 250 مليون دولار على مدى خمس سنوات، لتوسيع برامج السلام والمصالحة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ودعم المشاريع التي تعزز الاقتصاد الفلسطيني.

وجاء إقرار هذا التشريع ليتوج جهد نحو عشر سنوات من دعوة “التحالف من أجل السلام في الشرق الأوسط” لإنشاء صندوق دولي للسلام الإسرائيلي الفلسطيني.

وكان قانون “نيتا لوي”، الذي وقّعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قد تقدمت به النائبة الديمقراطية عن ولاية نيويورك، نيتا لوي، بالتشارك مع النائب الجمهوري عن ولاية نبراسكا، جيف فورتنبيري، والسيناتور الديمقراطي كريس كونز، عن ولاية كونيتيكت، والجمهوري ليندسي غراهام عن ولاية ساوث كارولينا.

ومن المتوقع أن يعمل القانون على “الحد من الاستقطاب والتعامل اللاإنساني المتزايد في المنطقة، كما سوف يساعد على إرساء قواعد سلام حقيقي بين الفلسطينيين والإسرائيليين” ويتطلب هذا من “الوكالة الأميركية للتنمية الدولية” (USAID)، “إنشاء صندوق الشراكة من أجل السلام بهدف المصالحة بين الإسرائيليين والفلسطينيين وتعزيز التنمية الاقتصادية في فلسطين”.

كما يوجّه مشروع القانون، على وجه الخصوص، الوكالة الأميركية للتنمية الدولية للمساعدة على تمويل: (1) الشركات الفلسطينية صغيرة الحجم والمتوسطة ورجال الأعمال، من أجل تعزيز القطاع الخاص وخلق فرص العمل في الأراضي الفلسطينية، وتمويل (2) برامج بناء السلام بين الأفراد (P2P) التي تدعم المصالحة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وينبغي لبرامج الشراكة بين الأفراد التي ترغب في الحصول على تمويل أن تتضمن، وفقًا لمشروع القانون، منظمة غير ربحية تجمع الفلسطينيين والإسرائيليين معًا بهدف تعزيز المصالحة.

حظي قانون “نيتا لوي” -كما بات يُعرف- بالإشادة من قبل طيف واسع من المنظمات الأميركية، بما فيها “لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية” (آيباك)، و”اللجنة اليهودية الأميركية”، و”رابطة مكافحة التشهير”، و”منتدى السياسة الإسرائيلية”، و”منظمة جيه. ستريت”، و”الأغلبية الديمقراطية من أجل إسرائيل”.

وكانت العديد من هذه المنظمات قد مارست ضغوطًا من أجل إقرار القانون، في حين التزمت أطراف أخرى الصمت بشأنه، إلى حد كبير، منها القادة الفلسطينيون وقادة المجتمع المدني، إلى جانب المدافعين عن حقوق الفلسطينيين في الولايات المتحدة.

لماذا؟ ليس لأنهم لا يدعمون السلام والمصالحة أو التنمية الاقتصادية الحقيقية، بل، يكمن الجواب، بالأحرى، في صيغة سؤال أكثر عمقًا: هل المصالحة ممكنة في ظل الاحتلال العسكري، وفي ظل انسداد أفق الوصول إلى حلول للأسباب الكامنة وراء النزاع؟

لا بد، للإجابة عن هذا السؤال متعدد الأبعاد، من التطرق إلى المستويين الجزئي والكلّي للنزاع، مبتدئين من السياق التاريخي لاتفاقات أوسلو، مع الأخذ بعين الاعتبار عدم إغفال مسألة ما إذا كان بناء السلام، الذي يحدده فقط أصحاب القوة، يحمل طابع الاستدامة في هذا السياق.

ويعتمد التحليل التالي على خلفيتي الأكاديمية في تحليل وحلّ النزاعات، وخبرتي المهنية في تقديم المشورة والإشراف على برامج بناء السلام على مدار عقدين من الزمن، بما في ذلك عملي كمنفّذة برامج ومديرة لمنحتين اثنتين في إطار “برامج إدارة النزاعات والتخفيف من حدتها” التابع للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وكذلك تجربتي الشخصية التي عشتها، في آن معًا، كفلسطينية وأميركية، وكذلك بصفتي من سكان المناطق المحتلة في العام 1948 وأحمل، بطبيعة الحال، الجنسية الإسرائيلية.

من غير المرجح أن تكون هذه البرامج فعالة، استنادًا إلى أدبيات تحليل النزاعات وحلّها وإلى تجاربي الخاصة في مجال بناء السلام، فمن الناحية البنيوية، تبدو المقاربة التي تستند إليها هذه البرامج، بمجملها، خاطئة وغير دقيقة من ناحيتين مهمتين: أولًا، تظهر هذه المقاربة كأنها منقطعة عن العمليات والتوقعات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية المحلية؛ وتميل، من جهة ثانية، نحو تعزيز حالة عدم المساواة التي تعمل على استدامة النزاع بين الجانبين، في الوقت ذاته الذي تقوض الأهداف المعلنة لهذا التدخل.

ويتضح هذا الرأي، على نحو خاص، في ضوء التطورات الأخيرة في إسرائيل وفلسطين، حيث عمليات الطرد في حي الشيخ جراح، وأعمال الشغب في القدس، وفي المدن داخل وخارج الخط الأخضر.

وفشلت، حتى الآن، هذه المبادرات في معالجة أي من الأسباب الأساسية للنزاع، بما في ذلك عدم التوصل إلى حل مشكلة اللاجئين إلى القدس وبناء المستوطنات والحواجز العسكرية والعنف البنيوي وعدم المساواة في إسرائيل.

ويبدو أن جميع هذه العوائق انفجرت في وجوهنا واحدًا تلو الآخر. لكن هذا لا يمنع أننا أمام فرصة تسمح لنا بإعادة النظر في المقاربة الكاملة لبرامج بناء السلام في هذا السياق الصعب.

المقاربة الأميركية لبناء السلام

يجدر بنا، قبل معالجة هذه التساؤلات، مراجعة الأنواع المختلفة لعمليات بناء السلام، وبعض التعريفات والمبادئ الأساسية لحل النزاعات، وفقًا للأدبيات المتاحة بين أيدينا.

يشمل بناء السلام، كمفهوم، عمليات مختلفة مصممة للتخفيف، إلى حد ما، من معاناة البشر في حالات ومواقع النزاع، وخلق وضع أفضل في عموم الأحوال.

وعلى الرغم من الإجماع القليل على تعيين تعريفات دقيقة لعمليات بناء السلام، إلا أن الأدبيات الأكاديمية تغص بأنواع عديدة منها، ومن عمليات المصالحة.

تميل أدبيات بناء السلام وحل النزاعات إلى التركيز، بصورة عامة، على النزاعات المتماثلة من دون التعامل مع الأسباب الكامنة وراءها، لا سيما في البيئات التي تعاني من عدم التكافؤ الشديد، كما هو الحال في إسرائيل/ فلسطين.

وما يزال مثل هذا التركيز محلّ نقاش متواصل بين الباحثين، وهو جدال لا تقع هذه الدراسة في نطاقه.

ولذلك، سوف أركز هنا على أربعة أنواع من عمليات بناء السلام، بدءًا من الأقل شدّة إلى أكثرها، كما يلي: إدارة النزاع، وتسوية النزاعات، وحل النزاعات، والمصالحة. وعليه، يكون الهدف في عملية إدارة النزاع، الاحتواء المؤقت لحالة الصراع العنيف من أجل خلق بيئة إيجابية عبر التفاعلات المحدودة والمشاريع والمبادرات المستهدفة -مثلًا، من خلال خلق حوار وأنشطة أخرى، تشمل أعدادًا صغيرة من الأشخاص يمثّلون الأطراف المتنازعة، ريثما يتم التوصل إلى بيئة مواتية أكثر لصنع السلام.

على سبيل المثال، نجحت إدارة الصراع في قبرص في منع اندلاع أعمال عنف جديدة بين القبارصة اليونانيين والأتراك وداعميهم؛ أي اليونان وتركيا، منذ العام 1974. أما تسوية النزاعات فتهدف إلى المنع أو الحد من نشوب نزاع مسلح من خلال اتفاق بين القادة السياسيين الذين يمثلون أطراف النزاع، من دون أن يعني هذا، بالضرورة، معالجة الأسباب الجذرية أو ديناميات القوة الكامنة. ولا يتم التعامل، في مثل هذه الحالات، مع مواقف النزاع والقضايا البنيوية، وبالتالي تميل الاتفاقات التي يتم التوصل إليها إلى إعادة فتحها.

ولعل أقرب مثال على هذا النوع هو الاتفاق الإيراني-العراقي في العام 1975، الذي تعهد فيه قادة الأطراف المتخاصمة بالتوصل إلى تسوية لحل نزاعهم الحدودي وإنهاء عمليات التسلل التخريبية من الجانبين.

في المقابل، بينما تسعى أطراف النزاع في النوع الثالث من عمليات بناء السلام، أي حل النزاعات، للوصول إلى سلام مستدام لنزاع عميق الجذور، يعالج الاحتياجات الإنسانية الأساسية لكلا الجانبين (Burton, 1987)، مثل الهوية، والأمن، والقبول والاعتراف، بغض النظر عن ديناميات القوة.

وعادة ما يكون الحرمان من هذه الاحتياجات الأساسية هو المصدر الأساسي للصراع عميق الجذور والمظالم الذي يغذيها.

ويكون الهدف، في مثل هذه الحالات، هو تحقيق علاقات سلمية تقوم على القبول المتبادل والمعاملة بالمثل، كما هو الحال في معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل الموقعة بينهما في العام 1994.

اقرأ المزيد من ترجمات

حنان عشراوي: بين إرث ترامب ونهج بايدن.. ما الذي تغير؟ (1 – 3)

حنان عشراوي: بين إرث ترامب ونهج بايدن.. ما الذي تغير؟ (2 – 3)

حنان عشراوي: بين إرث ترامب ونهج بايدن.. ما الذي تغير؟ (3-3)

أما في النوع الرابع من عمليات بناء السلام، فتكون عملية المصالحة هي المآل النهائي لحل النزاع، وهي عملية تحويلية تركّز فيها العلاقة بين الجانبين على عاملي الشرعية والاعتراف المتبادلين، اللذين يقومان عادة في بيئة ما بعد النزاع.

إن المكون الرئيسي للمصالحة حسب الأدبيات هو الوصول إلى العدالة (Rouhana, 2004)، وليس مجرد الحاجات الإنسانية الأساسية.

ويتم الاعتراف، في هذه العملية، بالأسباب الجذرية للنزاع، مثل الاستعمار والعنف الجماعي والاحتلال وانتهاكات حقوق الإنسان وقمع الدولة.

وعادة ما تتضمن عملية المصالحة هذه تغييرات سياسية وبنيوية في الديناميات بين الأطراف، ويمكن أن تؤدي إلى إنهاء النزاع عندما يتم التعامل مع قضايا العدالة، والحقيقة، والشرعية والأمن للجميع، بحيث لا تعود مثيرة للجدل، كما في حالة جنوب أفريقيا.

وكانت المصالحة في جنوب أفريقيا ممكنة، بشكل رئيسي، بسبب انهيار نظام الفصل العنصري “الأبارتيد” في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، مما أدى إلى ظهور مجتمع ديمقراطي جديد وتحول في ديناميات السلطة بين الأغلبية السوداء المحرومة، والأقلية البيضاء ذات الامتيازات.

إذن، أين تقع مقاربة الولايات المتحدة لبناء السلام الإسرائيلي الفلسطيني في هذه السلسلة؟

إن المصالحة هي الهدف المعلن لـ”برامج إدارة النزاعات والتخفيف من حدتها”، بما في ذلك صندوق “نيتا لوي” الذي تم تمريره حديثًا، وفقًا للوكالة الأميركية للتنمية الدولية.

وتعمل برامج المصالحة على أساس نظرية التغيير، استنادًا إلى برامج بناء السلام بين الأفراد (P2P) الخاصة بإدارة النزاعات والتخفيف من حدّتها، حيث “تعمل العلاقات الإيجابية على التخفيف من حدة قوى التوحش واللاإنسانية والتنميط واستسهال العنف، التي تتسبب فيها النخب أو القوى المجتمعية الأخرى في انهيار أو إتلاف أو قطع العلاقات التي تربط الأفراد والمجموعات من مختلف الهويات الإثنية أو السياسية أو الدينية أو الهوياتية الأخرى..”.

وتجمع مثل هذه “المشاريع، عمومًا، أفرادًا من مناطق النزاع ينتمون إلى جماعات إثنية أو دينية أو سياسية مختلفة، كما توفر فرصًا للأطراف المتخاصمة لمعالجة القضايا، وتسوية الاختلافات، وتعزيز التفاهم والثقة المتبادلة، والعمل على تحقيق أهداف مشتركة متعلقة بالنزاع، سواء كان نزاعًا محتملًا، أو مستمرًا، أو انتهى حديثاً”.

مع ذلك، سوف يكون الافتراض الأساسي لهذه النظرية على درجة عالية من الإشكالية، بمعنى قول إن مجرد الجمع بين الفلسطينيين والإسرائيليين في مكان واحد، والعمل، ربما، على مسائل ذات اهتمام مشترك، سوف يغير، أو يقلل، إلى حد كبير، من التصورات المتحيزة التي تتبناها إحدى المجموعات تجاه الأخرى، بغض النظر عن ظروفهم وظروفهم المعيشية.

وتسعى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، على وجه التحديد، إلى تحقيق أعلى مستوى من بناء السلام في بيئة بعيدة كل البعد عن مرحلة ما بعد الصراع، والتي لم تتم فيها معالجة أي من المصادر الأساسية للنزاع، ناهيك عن حلها. ويمكن النظر، في أفضل الأحوال، إلى جهود برامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في سياق النزاع الإسرائيلي الفلسطيني على أنها محاولة لإدارة النزاع بهدف السيطرة على الضرر من خلال جهود محلية مؤقتة لعدد محدود من الأشخاص من الأطراف المتنازعة.

ولكن لا يمكن النظر إلى هذه الجهود باعتبارها محاولات موثوقة للمصالحة من دون محاولة معالجة الأسباب الجذرية للنزاع، أو تحدي عدم تناسق القوة بين الأطراف، أو العمل بطريقة أخرى على تهيئة الظروف لحل النزاع بشكل مستدام.

وعلاوة على ذلك، قد ينظر المعنيون بشؤون حل النزاع إلى هذه المقاربة باعتبارها من أشكال بناء السلام المصطنع المنفصل عن الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي المحلي، ولا سيما بالنسبة للفلسطينيين.
يجب، من أجل متابعة المصالحة، أن تتوفر بعض الشروط الأساسية في حدودها الدنيا.

أولًا وقبل كل شيء، ينبغي الاعتراف بالتفاوتات الصارخة في القوة بين الجانبين وبذل مزيد من الجهد لتغييرها، كما في حالة جنوب إفريقيا، حيث ظهر السود والبيض، بعد تفكيك نظام الفصل العنصري، متساوين، إلى حد ما، في الوصول إلى السلطة السياسية والأرض والموارد الأخرى والتنقل وما إلى ذلك.

غير أن طرفي النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني ما يزالان يعيشان في واقع من عدم التكافؤ الشديد. ما يزال الفلسطينيون يعيشون تحت نير نظام استعماري يعتمدون فيه على الإسرائيليين وليس لديهم سيطرة واسعة -أو بالأحرى يفتقدون بشدة إلى التحكم في الجوانب الأساسية لحياتهم اليومية، مثل الموارد الطبيعية والحدود والحركة الداخلية والوصول، وغيرها.

ويمكن، على سبيل المثال، رؤية هذا التفاوت بوضوح اليوم، في إجراءات حصولهم على لقاحات فيروس كورونا “كوفيد 19″؛ ففي الوقت الذي تمكنت فيه إسرائيل من تلقيح غالبية مواطنيها، لم يتم تلقيح سوى جزء ضئيل من الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الحكم الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية.

ومن هنا، يمكن الحديث عن اختلاف الاحتياجات الأساسية للأمن والهوية والاعتراف بين الفلسطينيين والإسرائيليين بسبب عدم تناسق القوة هذا. هذا فضلًا عن أن مصطلحات مثل الأمن والهوية والاعتراف، لا تعني الشيء ذاته لكلا الطرفين، نظرًا لأنهما يعيشان واقعين مختلفين.

فالاعتراف والأمن بالنسبة للفلسطينيين يعنيان تفكيك الاحتلال العسكري وإزالة المستوطنات وضمان حرية الحركة.

أما بالنسبة للإسرائيليين، الذين يمتلكون فعلًا القدرة على الحركة والتنقل بحرية، حيث نالوا هويتهم وجرى الاعتراف الفعلي بها من خلال إقامة الدولة التي يسيطرون فيها على جميع أراضيها.

علاوة على ذلك، تملك إسرائيل العديد من الحوافز التي تدفعها للحفاظ على الوضع الراهن المربح لها للغاية وقليل التكلفة جدًا على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو العسكري، أو غير ذلك.

ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى المستويات العالية من المساعدات الأميركية، ويدخل في هذا السياق مبلغ 3.8 مليار دولار على هيئة مساعدات عسكرية سنوية، وإجمالي مساعدات بلغ حوالي 146 مليار دولار منذ العام 1948 -وهو مبلغ يفوق ما قدمته لأي دولة أخرى.

وتظهر التجربة أن الحفاظ على الوضع الراهن في الحالات غير المتكافئة بشدة يميل إلى تعميق الصراع، خاصة وأن أصحاب السلطة لديهم القليل من الحوافز للاعتراف بالظلم أو قبول مبدأ المساءلة أو حتى الاعتراف بعدم التناسق (Gallo & Marzano, 2009).

باختصار، لماذا تهتم إسرائيل بتفكيك الاحتلال العسكري القائم المدعوم جزئيًا، على الأقل، من قبل دافعي الضرائب الأميركيين، أو الانخراط في عملية تخضع فيها للمساءلة عن انتهاكاتها لحقوق الإنسان ومسؤوليتها التاريخية والاعتراف المتبادل؟

قد يجادل مؤيدو صندوق “لوي” والمبادرات المماثلة بأنه على الرغم من التعرف على بعض العيوب التي تعتري “برامج إدارة النزاعات والتخفيف من حدتها” والسلام بين الأفراد، (من شعب لشعب)، أو ظهور هذه البرامج بأنها غير مقنعة بما فيه الكفاية في بعض جوانبها، إلا أن وجودها ما يزال يبدو أفضل من عدمه.

غير أنها، في واقع الحال، قد تكون ضارة أكثر منها نافعة لأنها تعمل على الحفاظ على عدم المساواة بين الجانبين وبالتالي الحفاظ على حالة النزاع.

ما مدى فعالية صندوق “لوي”؟

لا يمكن فصل برامج بناء السلام هذه عن السياق السياسي، أي عملية أوسلو التي بدأت في العام 1993. كان الافتراض أن عملية أوسلو ستؤدي إلى هدفين: إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق حل الدولتين.

ويبدو اليوم أن كلا الهدفين بعيدا المنال، كما كان عليه الحال قبل ربع قرن. ورغم أن عملية أوسلو غيّرت العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية جذريًا، وحتى أنها غيّرت السياسة الفلسطينية الداخلية، إلا أنها لم تغيّر (أو تسع إلى) حل عدم تناسق القوة الأساسي بين الجانبين.

وقد استند إطار أوسلو إلى ركيزتين: تقديم العون للفلسطينيين، وتعزيز الأمن للإسرائيليين. وكانت الافتراضات الموجهة، بالنسبة للمسؤولين الأميركيين، هي: 1) تحسين أمن الإسرائيليين سوف يجعل إسرائيل أكثر مرونة لتقديم تنازلات سياسية والقبول بـ”مخاطر السلام”، و2) تحسين نوعية الحياة للفلسطينيين سيجعلهم يشعرون بمزيد من الاستثمار في عملية السلام وعزل المتطرفين وغيرهم ممن أرادوا تعطيلها من خلال العنف (Elgindy, 2019).

وبناءً على ذلك، ترافقت اتفاقيات أوسلو مع حزمة مساعدات ضخمة للفلسطينيين، خصص جزء كبير منها للقضايا الأمنية.

ولكن، كما بات واضحًا الآن، فشلت التوقعات بتحقيق السلام عبر المساعدات. وعلى الرغم من ذلك، ما يزال صانعو السياسة في واشنطن يتبنون هذه المقاربة تجاه الفلسطينيين والصراع حتى يومنا هذا، مما يدل على مدى انفصال نظام المساعدة في فلسطين عن الحقائق على الأرض، سواء من حيث القضايا الجوهرية لهذا الصراع أو من حيث الاحتياجات الفعلية أو التطلعات الفلسطينية.

وبذلك، فإن مقاربة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بقيت عالقة، مثلها مثل عملية أوسلو نفسها، في نوع من الاستعصاء الزمني منذ العام 1994.

استندت اتفاقيات أوسلو إلى فكرة التعاون بين الجانبين، وهو ما ينعكس أيضًا في برامج “إدارة النزاعات والتخفيف من حدتها” التابعة للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، غير أن مثل هذا التعاون، كمفهوم، لم تعد له قيمة تذكر اليوم، في سياق نزاع زادت فيه الهيمنة الإسرائيلية على حياة الفلسطينيين وأرضهم ومواردهم.

فضلًا عن عمليات التهجير والسلب التي تمارس بحقهم بطرق أكبر مما كان عليه الحال وقت توقيع اتفاقية أوسلو. ومع ذلك، ما تزال المبادرات الجديدة مثل صندوق “لوي” تتمحور حول “التعاون”، وما يزال قائمًا الافتراض القائل إن مجرد جمع الفلسطينيين والإسرائيليين معًا للعمل على أرضية المصالح المشتركة سوف يغير المفاهيم أو يقلل من الأحكام المسبقة.

غير أن تغيرات مادية وسياسية واقتصادية وديموغرافية هائلة قد حصلت منذ تسعينيات القرن الماضي، أدت إلى تفتيت كامل للحياة والأراضي الفلسطينية وترسيخ وتأبيد الاحتلال، الأمر الذي جعل الفلسطينيين أكثر ضعفًا من ذي قبل بدرجة كبيرة.

وعلى الرغم من كل هذه التغييرات، لم تتطور أو تتكيف، بأي شكل من الأشكال، الافتراضات الأساسية لبرامج بناء السلام الأميركية، بما في ذلك خطاب السلام والتعايش. ومن الواضح أن التوقعات بأن يلعب الفلسطينيون العاديون دور السلام مع جيرانهم القمعيين هو أمر غير واقعي على وجه الخصوص.

ويسلط، الضوء على المزيد من المشكلات الأساسية على المستوى المفاهيمي لبرامج بناء السلام الأميركية في سياق الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، التي تم تصميمها لتعزيز “حل النزاع من خلال جمع الجماعات المشاركة معًا لحل القضايا ذات الاهتمام المشترك”.

هذه الصيغة، التي تتخلل جميع جوانب برنامج إدارة النزاعات والتخفيف من حدتها، تقوم على افتراض تكافؤ، غير موجود على أرض الواقع بين جانبي الصراع.

فلا يحتاج الإسرائيلي، مثلًا، إلى تصريح للذهاب إلى القدس بينما يحتاج الفلسطيني الذي يحمل بطاقة هوية الضفة الغربية أو غزة إلى مثل هذا التصريح، على افتراض أن يُسمح له بالمغادرة أصلًا.

ويتم تشجيع الفلسطينيين على بناء علاقات وروابط مع الإسرائيليين عبر حدود العام 1967 (بافتراض أنهم يستطيعون بالفعل الحصول على تصريح من الجيش الإسرائيلي للقيام بذلك).

في حين يُحظر على المواطنين الإسرائيليين زيارة المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية في الضفة الغربية، حيث قد يكونون شهود عيان، بطريقة أو بأخرى، على الحياة التي يعيشها الفلسطينيون تحت الاحتلال. (يُتبَع)

المراجع:
Elgindy, K. (2019) Blind Spot: America and the Palestinians, from Balfour to Trump. Washington, DC: Brookings Institution Press.
Gallo, G., & Marzano, A. (2009). The Dynamics of Asymmetric Conflicts: The Israeli-Palestinian Case. Journal of Conflict Studies, 29.
Rouhana, N. N. (2004). Group identity and power asymmetry in reconciliation processes: The Israeli-Palestinian case. Peace and Conflict: Journal of Peace

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock