أفكار ومواقفالسلايدر الرئيسي

الدبلوماسية الأردنية تضغط وتراهن

حسين الرواشدة

لم يشارك الأردن باجتماع “النقب” مع أنه كان مدعواً، الرسالة كانت واضحة، الدبلوماسية الأردنية حددت مساراتها تجاه القضية الفلسطينية بعناوين ثلاثة: الأول ابقاء القضية على الطاولة، بعد أن تعرضت للتهميش بفعل تغيرات دولية وإقليمية وعربية، آخرها تداعيات حرب روسيا وأوكرانيا، الثاني وقف تدهور الأوضاع داخل فلسطين، وتقليل الخسائر التي تسببت بها السياسات الإسرائيلية، وإلزام تل أبيب بعدم إجراء أي تغييرات تستفز الفلسطينيين، الثالث: البحث عن أفق سياسي يساعد الأطراف بالتوصل إلي “تهدئة” بالضفة الغربية، بموازاة إبقاء الأفق الاقتصادي مفتوحا لتحسين أوضاع الناس المعيشية.

ثلاث زيارات متتالية قام بها مسؤولون اسرائيليون لعمان خلال الشهر الحالي، الإعلان عنها يبدو مفهوما في سياق المقايضة السياسية، أردنيا مطلوب من إسرائيل أن تدفع الثمن للحفاظ على المعادلات السياسية والأمنية القائمة، وان تمنع اليمين المتطرف داخل الحكومة وخارجها، من تقويض التفاهمات حول مواضيع القدس والمقدسات، خاصة بشهر رمضان، وأن توقف الإجراءات الاستفزازية التي يمارسها الاحتلال ضد الفلسطينيين، الردود الاسرائيلية التي سمعتها كانت متباينة، لكن يبدو أن ما تتعرض له تل أبيب من ضغوطات أمنية، بفعل المقاومة الفلسطينية، وكذلك الحسابات السياسية جراء ذلك، ستدفع تل أبيب لقبول التهدئة، علي الأقل.

تدرك عمان أن العالم تغير، وأن المناخات الإقليمية لا تساعد الآن على تبلور موقف عربي موحد تجاه القضية الفلسطينية، كما أن الحرب الروسية الأوكرانية أشغلت العواصم العالمية عن قضايا منطقتنا، ومنحت تل أبيب الفرصة لتقديم أوراقها، بشكل مختلف، بعد 15 عاما على حقبة نتنياهو، تدرك أيضا أن الوضع الداخلي الفلسطيني “ليس بخير”، وأن بقاء السلطة أصبح مهددا لأسباب متعددة ومعروفة، كما أن انفجار الأوضاع ربما بات وشيكا.

لكن ثمة مصلحة أردنية أولا، وفلسطينية ثانيا، ودولية ثالثا، بالتوصل إلى تفاهات بين الفلسطينيين وتل أبيب، ليس لتحريك أو تنشيط ملفات التسوية التي يبدو أنها ستمكث وقتا طويلا داخل الثلاجة، وإنما لمنع “تغول” إسرائيل واستفرادها بالفلسطينيين، ثم الحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الاستقرار، بموازاة حماية المصالح الأردنية المعرضة للتهديد بحال عدم التزام إسرائيل بالتزاماتها مع الأردن ومع الفلسطينيين أيضا.

في هذا الإطار، تتحرك الدبلوماسية الأردنية للتكيف مع الواقع العالمي والإقليمي ومتغيراته، زيارة الملك لرام الله أعادت التذكير بالدور الأردني “الأقرب” للفلسطينيين، التحولات التي شهدتها واشنطن بعد مرحلة ترامب، ومع إدارة بايدن، تساعد باختراق بسيط لبعض المصدات التي تحاول تل أبيب وضعها أمام أي محاولات لحماية الحقوق الفلسطينية، ثمة مسارات عربية أخرى أخذت اتجاهات، ربما لا تتوافق مع التصور الأردني، عمان تفهم دوافع ذلك، ولا تتدخل أو تشارك فيها، لكنها مصرة على الاستمرار بالدفع السياسي للضغط على الحكومة الاسرائيلية، ومنعها من التأزيم، ودفع المنطقة، بالتالي، للجدار.

تراهن الدبلوماسية الأردنية، هنا، لإبقاء الأفق السياسي للقضية الفلسطينية مفتوحا، على مسألتين، الأولى التغيرات التي يشهدها العالم نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية، من جهة تشكل عالم متعدد الأقطاب، وبروز مخاوف جدية من امتدادات الحروب المدمرة وتداعياتها السياسية والاقتصادية، وتبلور مقاربات بين أوكرانيا وفلسطين، كموضوعين للاحتلال، هذا كله يصب بمصلحة القضية الفلسطينية على المدى البعيد، ويفند الروية الإسرائيلية ويضعف ما تتبناه من سرديات لتكريس الاحتلال.

أما المسألة الثانية فتتعلق بالدخل الفلسطيني، حيث أنتجت قوة الاحتلال وقسوته وانتهاكاته، واقعا قابلا للانفجار بأي لحظة، أحداث الأيام الماضية (العمليات الاستشهادية) تؤكد ذلك، من جهة طبيعتها ومكانها والفاعلين فيها، هذا يزلزل الكيان الاسرائيلي أمنيا وسياسيا، ويدفعه للبحث عن خطوط تساعده على وقف الاستنفار الفلسطيني، عمان تعتقد أن أي تحولات بالمشهد الفلسطيني، ستدفع العالم، وتل أبيت قبل ذلك، للعودة الأفق السياسي، كمدخل ضروري لأي تفاهمات أو حلول مقبلة.

المقال السابق للكاتب 

لماذا فعلوا ذلك؟

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock