أفكار ومواقف

الدبلوماسية العربية

للمرة الثانية يقرر وزراء الخارجية العرب العودة إلى مجلس الامن، فإما انهم لا يعلمون ان مجلس الامن لا يملك القدرة على القرار في قضية الشرق الاوسط لأن اسرائيل طرف فيها، واما انهم يعلمون ذلك، ولكن السبل تقطعت بهم حتى انه لم يعد امامهم سوى تجيير مسؤولياتهم لمجلس أمنٍ لا يقل عجزا وفقدانا للإرادة والقدرة على العمل.


في المرة الاولى، عندما اجتمع بعض وزراء الخارجية العرب للتداول في أمر الهجوم على لبنان، ظهر الامين العام لجامعة الدول العربية غاضبا امام مايكروفونات وكاميرات الاعلام ليعلن ان عملية السلام ماتت. وفي المرة الثانية اجتمع وزراء الخارجية بعد توقف العمليات القتالية في لبنان وقرروا مطالبة مجلس الامن بفتح ملف الصراع العربي الاسرائيلي بكامله. وبين المرتين اجتمع الوزراء في بيروت، ولم يكن بمقدورهم عندئذ الا تشكيل وفد يمثلهم يتوجه الى نيويورك لبذل الجهد لتعديل صيغة مشروع القرار الذي تقدمت به عندئذ اميركا وفرنسا لإنهاء العمليات العسكرية، ولوضع الترتيبات اللازمة لتصفية ذيول تلك الحرب ومنع تكرارها.


اعود للسؤال: هل فات الوزراء وامين عام الجامعة العربية ان مجلس الامن غير قادر على المبادرة، لان حال المجلس كحال الجامعة العربية هو حصيلة ارادة اعضائه. فمنذ نشأت اسرائيل وهي ترفض تدخّل الامم المتحدة في هذا الصراع، وهي تدعي ان أكثرية الدول الاعضاء معادية في مواقفها لاسرائيل، وفي العرف الاسرائيلي كل ما لا يوافق، ومن لا يوافق اسرائيل، فهو معادٍ لها.


لقد اخرجت اسرائيل كل “عملية السلام” من اطارها الدولي عندما تشكلت اللجنة الرباعية المكونة من الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة وروسيا والامم المتحدة. فلم يسجل خروج على معنى العمل الدولي، ومعنى مهمة الامم المتحدة، ومعنى النظام الدولي، كما سجل عند تشكيل الرباعية. كان الهدف واضحا، اخراج قضية الصراع العربي الصهيوني من اطارها الدولي، ولذلك قبلت الامم المتحدة على نفسها ان تقلص وجودها من منظمة تمثل اكثر من 190 دولة الى مجرد عضو في لجنة رباعية تتكون من اعضاء المنظمة انفسهم، والغاية من وجود كوفي انان في تلك اللجنة هي القول ان المنظمة الدولية حاضرة. والحقيقة ان وجود بقية الاعضاء، الاوروبيين والروس والامم المتحدة، لم يكن سوى غطاء على حقيقة افظع وهي ان اسرائيل لا تريد اي رعاية لاي مشروع للسلام الا الرعاية الاميركية، وما كان تشكيل اللجنة الرباعية الا لضمان ابقاء القرار في يد واشنطن.


وهل يختلف الامر في مجلس الامن؟ لا يمكن ان يكتب لاي قرار، يتعلق بالصراع العربي الصهيوني، حظ المرور في مجلس الامن من دون ان يتعرض للنقض الاميركي “الفيتو”، الا اذا كان القرار مقبولا لاسرائيل. فهل فات الوزراء العرب ان يعلموا ان اخراج المسألة من مجلس الامن لم يكن مجرد صدفة!


عملية السلام تحتاج لاعادة صياغة عربية شاملة قبل العودة بها إلى مجلس الامن، وقبل ذلك ضرورة تبلور موقف عربي واضح ينهي حالة البلبلة والتفكك والتردد. واذا كان باب مجلس الأمن مغلقا بسبب الفيتو الاميركي او البريطاني، فهنالك الجمعية العامة حيث لا يوجد فيتو، وتوجد اكثرية متفهمة لحقيقة اوضاع المنطقة.


صحيح ان هنالك مبادرة عربية لتسوية النزاع العربي الاسرائيلي صدرت عن قمة بيروت العربية في ربيع عام 2002، ومع ان المبادرة جاءت منسجمة – وان بمقدار كبير من الغموض- مع العناصر الدولية للتسوية، الا انها لم تؤخذ على محمل الجد من المجتمع الدولي، كما انها رُفضت من اسرائيل، فأدى ذلك إلى مزيد من تنصل المجتمع الدولي من تبعات تلك المبادرة.


المطلوب في ظل الظروف الاقليمية والدولية القائمة ان يُبادَرَ إلى جهد عربي جاد لإعادة صياغة تلك المبادرة، وأن تُسد فيها كل الثغرات التي تركت عمدا من اجل تسويقها دوليا واسرائيليا، بإبقاء اكثر من باب مفتوحا للمساومات. فتلك الثغرات افقدت المبادرة زخمها الجاد ومعناها الحقيقي، ما شجع اسرائيل على استغلال الضعف العربي للمبالغة في الرفض.


صحيح ان المبادرة تحدثت عن حدود الرابع من حزيران عام 1967، لكن المطلوب نصا واضحا بازالة المستوطنات كلها والعودة الحرفية، كما حدث في سيناء من قبل لخطوط الرابع من حزيران 67. ولم يكن النص المتعلق بحق العودة وتسوية قضية اللاجئين الفلسطينيين اقل غموضا وذلك ايضا يجب ان يزول. ما هو اهم من كل ذلك ان الطرح العربي لم يطلق اي اشارة لتدلل على ما يمكن ان يقوم به العرب في حال رفض مبادرتهم، وهذا ايضا شجع على الاستخفاف الدولي والرفض الاسرائيلي.


ثمة فارق كبير بين أن يستجدي وزراء الخارجية العرب اجراء من مجلس الامن وبين ان يذهبوا بقوة للامم المتحدة ليقولوا كلمة واحدة: اما ان تتم تسوية الصراع في غضون فترة زمنية محددة واما ان يترك الامر لمنظمات المقاومة!


سفير الأردن السابق في الامم المتحدة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock