ترجمات

الدبلوماسية ما تزال ممكنة (تقريبا) في أوكرانيا‏

ترجمة: علاء الدين أبو زينة‏
‏‏‏يوجين شوسوفسكي*‏‏ – (فورين بوليسي) 24/9/2022

ثمة جهد دبلوماسي ناجح في المرحلة الحالية من الصراع في أوكرانيا، وافقت عليه وقامت بتنفيذه (بما في ذلك كل من أوكرانيا وروسيا)، ويمكن أن يكون إطار عمل يتم الاسترشاد به لمنع الحرب من التفاقم.‏

ويُعرف هذا الجهد باسم “‏‏مبادرة حبوب البحر الأسود”‏‏ -وهو اتفاقية تضم أوكرانيا وروسيا، توسطت فيها تركيا والأمم المتحدة، ودخلت حيز التنفيذ في 1 آب (أغسطس).
* * *
‏الآن، تدخل الحرب التي طال أمدها في أوكرانيا مرحلة جديدة، ربما أكثر خطورة بكثير. بعد التقدم السريع الذي أحرزته القوات الأوكرانية في ‏‏هجوم مضاد‏‏ ضد القوات الروسية في منطقة خاركيف الأوكرانية، فضلاً عن الدعم السياسي والأمني الدائم من الغرب، أصبح الكرملين يتسلق الآن سُلَّم التصعيد.

وقد أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ‏‏بتعبئة عسكرية‏‏ روسية في 21 أيلول (سبتمبر)، بينما أصدر تهديدًا آخر شبه مبطن باستخدام الأسلحة النووية، في عودة إلى إحدى ثيمات موسكو التي كررتها بعد هزائم سابقة في المراحل الأولى من الغزو.

وتشكل الاستفتاءات على الانضمام إلى روسيا في العديد من ‏‏المناطق الانفصالية‏‏ المدعومة من موسكو، والتي نوقشت منذ فترة طويلة ويجري تنفيذها حاليًا، علامة أخرى على محاولات الكرملين تصعيد الضغط على أوكرانيا.‏

كل هذه التطورات تشير إلى خطر جدي للتصعيد في الصراع الأوكراني، وهو صراع أفضى مسبقاً إلى اضطرابات في مجال الطاقة بين روسيا وأوروبا، واقترب بشكل مثير للقلق من التهديد ‏‏بوقوع حوادث نووية‏‏.

لكن المزيد من التصعيد ليس حتميًا. في الواقع، يمكن أن تعطي هذه التطورات الزخم لشيء ظل مراوغاً في الصراع الروسي الأوكراني، يعود كل الطريق وراءً إلى العام 2014: محاولة جادة ومخلصة تبذلها جميع الأطراف المعنية للتوصل إلى حل دبلوماسي لإنهاء الحرب في أوكرانيا -أو التخفيف من نتائجها الأكثر تدميرًا على الأقل.‏

من المؤكد أن العديد من ‏‏الجهود الفاشلة‏‏ لحل الصراع الأوكراني دبلوماسيًا قد بُذلت في السابق. وتعود هذه الجهود إلى بداية الصراع في أوائل العام 2014، في أعقاب “ثورة الميدان الأوروبي” في كييف، عاصمة أوكرانيا، وضم روسيا اللاحق لشبه جزيرة القرم، فضلاً عن رعايتها انتفاضة انفصالية في منطقة دونباس. في ذلك الحين، بدأت المفاوضات الدبلوماسية على الفور تقريبًا.

وجاءت أطر ذلك التفاوض في المقام الأول في شكلين: “مجموعة الاتصال الثلاثية”، التي ضمت أوكرانيا وروسيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، لمعالجة المكونات التكتيكية والأمنية للصراع؛ وما يسمى “رباعي نورماندي” الذي ضم أوكرانيا، وروسيا، وفرنسا، وألمانيا، لمعالجة القضايا الاستراتيجية الأوسع نطاقا من المستوى السياسي.‏

وأسفرت جهود الوساطة هذه عن اتفاق على خريطة طريق لإنهاء الصراع الأوكراني، يُعرف باسم “‏‏اتفاق مينسك”‏‏، الذي تضمن وقفاً لإطلاق النار وسحباً للقوات من خط التماس، ولكن لم يتم تنفيذ أي جزء من ذلك الاتفاق بنجاح أو بطريقة مستدامة.

كانت هناك العديد من القضايا التي قوضت تنفيذه، بما فيها وضع روسيا الغامض كوسيط ومحارب في الوقت نفسه، فضلاً عن الخلافات بين كييف وموسكو حول تسلسل المكونات الأمنية والسياسية للبروتوكول.

وكان جوهر فشل اتفاق مينسك هو أن كل الأطراف الرئيسية كانت ترى الغرض منه بشكل مختلف، حيث نظرت أوكرانيا إليه باعتباره وسيلة لاستعادة الأراضي التي استولت عليها روسيا، في حين نظرت موسكو إليه باعتباره وسيلة لتقويض جهود كييف للاندماج في الغرب.

ثم أصبح اتفاق مينسك بالياً ولاغياً تمامًا مع بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 24 شباط (فبراير) من هذا العام.

لم يعد وضع جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الشعبيتين موضوعاً للتفاوض؛ وبدلاً من ذلك، اختارت روسيا الاعتراف بهاتين المنطقتين كدولتين مستقلتين قبل شن هجومها العسكري الشامل على أوكرانيا.

وادعى الكرملين أن هذا كان ضرورياً لحماية هاتين المنطقتين، وكذلك لإنجاز “‏‏نزع السلاح ونزع النازية‏” على نطاق أوسع في أوكرانيا. وأدى ذلك إلى المرحلة الحالية من الصراع العسكري في أوكرانيا، وهي مرحلة تم التفاوض عليها إلى حد كبير ميدانياً في ساحة المعركة، والتي يبدو الآن أنها على شفا المزيد من التصعيد.‏
* * *
على الرغم من فشل الجهود الدبلوماسية لحل الصراع بين أوكرانيا وروسيا، فإن هذا لا يعني أن الوساطة الدولية في الصراع الأوكراني كانت غير مجدية ككل.

كان هناك نوع من جهد دبلوماسي من هذا القبيل في المرحلة الحالية من الصراع، والذي لم يقتصر أمره على أن جميع الأطراف المعنية وافقت عليه وقامت بتنفيذه (بما في ذلك كل من أوكرانيا وروسيا) فحسب، بل إنه يمكن أن يكون أيضًا بمثابة إطار عمل يتم الاسترشاد به لمنع الحرب من التفاقم.‏

يُعرف هذا الجهد باسم “‏‏مبادرة حبوب البحر الأسود”‏‏، وهي اتفاقية دولية تضم أوكرانيا وروسيا، توسطت فيها تركيا والأمم المتحدة، وتم التوقيع عليها في 22 تموز (يوليو) ودخلت حيز التنفيذ في 1 آب (أغسطس).

وقد مهدت هذه الاتفاقية الطريق لفتح ممر بحري إنساني لمرور إمدادات الحبوب عبر البحر الأسود، وسمحت لكل من أوكرانيا وروسيا باستئناف صادراتهما من الأغذية التي كانت قد أعاقتها الحرب.

وبما أنه تم تنفيذ مضمون هذا الاتفاق بنجاح لأكثر من شهرين الآن، فقد ساعد على تخفيف الضغوط الاقتصادية في أوكرانيا ونقص الغذاء في جميع أنحاء العالم، فيما يوفر دليلاً على أنه ما يزال من الممكن تحقيق تعاون عملي بين كييف وموسكو، حتى في خضم الحرب.‏

كانت تركيا لاعبًا رئيسيًا في التفاوض على هذا الاتفاق، حيث برزت كأكثر ‏‏الوسطاء‏‏ نشاطًا وفعالية بين روسيا وأوكرانيا منذ بدء الصراع.

وقد أسهم موقع تركيا الفريد باعتبارها العضو الوحيد في حلف شمال الأطلسي الذي لم يطبق عقوبات ضد روسيا، وعلاقة أنقرة المعقدة والبناءة مع كل من موسكو وكييف، في منح أنقرة التأثير السياسي اللازم للتوسط بين الجانبين.

وإضافة إلى ذلك، فإن موقع تركيا الاستراتيجي على البحر الأسود وإشرافها على نقاط دخوله من مضيق البوسفور إلى البحر الأبيض المتوسط، جعلها حاسمة من منظور لوجستي، حيث يجب أن تمر أي شحنات تمر عبر البحر الأسود من ‏‏المضائق التي تسيطر عليها تركيا‏‏ لكي تصل إلى الأسواق العالمية.‏

وكان دور الأمم المتحدة مهمًا أيضاً لأنه أعطى الشرعية متعددة الأطراف للاتفاق، خاصة وأن الصراع الروسي الأوكراني خلق ‏‏مشاكل في إمدادات الحبوب‏‏ ذات طبيعة عالمية.

وتمثل روسيا وأوكرانيا مجتمعتين نحو ‏‏18 في المائة‏‏ من صادرات الحبوب العالمية؛ حيث توفر هاتان الدولتان غالبية الحبوب المستوردة للعديد من البلدان في أفريقيا والشرق الأوسط.

ومع ذلك، جعل الحصار العسكري الروسي المضروب على موانئ البحر الأسود الأوكرانية والعقوبات الغربية ضد روسيا من الصعب على كلا البلدين إرسال إمدادات حبوبهما إلى السوق.

ولم تؤثر الحرب على أسعار الحبوب وتؤدي إلى تضخم غذائي متفش فحسب، وإنما صنعت أيضًا نقصًا في الحبوب في بعض المناطق الأكثر هشاشة في العالم.‏

نتيجة لذلك، كان لدى كل من أوكرانيا وروسيا الحافز للتوصل إلى اتفاق بشأن إمدادات الحبوب -حتى مع استمرار الصراع العسكري الأوسع بينهما، وهو ما مهد الطريق أمام تركيا والأمم المتحدة للتوسط. ومنذ إطلاق “مبادرة البحر الأسود للحبوب”، كانت هناك نحو 200 ‏‏رحلة لسفن‏‏ الحبوب، والتي نقلت أكثر من 4 ملايين طن متري من منتجات الحبوب.

وعلى الرغم من إبرامه أثناء نزاع نشط، كانت هناك العديد من العوامل التي سهلت تنفيذ اتفاق الحبوب. كانت هناك حوافز واضحة لدى كل من روسيا وأوكرانيا لرفع الحظر عن شحنات حبوبهما، ولم يتطلب الاتفاق من أي من الطرفين تقديم تنازلات بشأن مصالحهما الاستراتيجية الأوسع.

لماذا لم يدعم سكان الشرق الأوسط ودوله أوكرانيا؟

كما خاطب الاتفاق مخاوف تركيا والأمم المتحدة بشأن معالجة نقص الغذاء والتضخم، وكان هناك قبول بين جميع الأطراف للمراقبة والتنسيق الدوليين المتعلقين بالتنفيذ.

وسمح ذلك بمتابعة الدبلوماسية بجدية، وللمفاوضين بالتركيز على التفاصيل الفنية للمعايير القانونية واللوجستية من أجل التوصل إلى اتفاق، بينما يتم تذليل أي عقبات سياسية.
* * *
كل هذه العوامل مهمة ويجب وضعها في الاعتبار لدى النظر في ما يمكن أن يبدو عليه اتفاق دبلوماسي لإنهاء -أو على الأقل التخفيف من حدة تصعيد- الصراع الجاري في أوكرانيا في هذه المرحلة من الحرب.

وعلى غرار “مبادرة البحر الأسود للحبوب”، وخلافًا لاتفاق مينسك، من المهم لأي اتفاق من هذا القبيل أن يكون له غرض مشترك وغاية تتفق عليها جميع الأطراف بصورة متبادلة.

وعلى الرغم من أنه لا يوجد بالتأكيد نقص في الخلافات بين موسكو وكييف والغرب، إلا أن هناك أهدافًا مشتركة ما يزال بإمكان جميع الأطراف أن تلتف حولها، حتى لو كانت هذه الأهداف ترمي فقط إلى الحيلولة دون تصعيد دراماتيكي سيكون من شأنه أن يضر بجميع الأطراف دون استثناء.

ويمكن أن يتخذ مثل هذا التصعيد أشكالاً عديدة، من هجوم روسي بالأسلحة النووية، إلى قطع كامل لإمدادات الطاقة عن أوروبا، إلى أزمات اقتصادية وسياسية.‏

وهكذا، يمكن لـ”مبادرة حبوب البحر الأسود”، بتركيزها على التعاون متعدد الأطراف وتحديد الأهداف المشتركة وتنفيذها، أن توفر إطارًا مفاهيميًا مفيدًا لمنع تصعيد الصراع الأوكراني.

ولم تخف تركيا رغبتها في المساعدة على التوسط في اتفاق أوسع لوقف إطلاق النار بين أوكرانيا وروسيا، حيث تأمل أنقرة في الاستفادة من تجربة صفقة الحبوب -فضلاً عن ‏‏تبادل السجناء‏‏ الأخير الذي توسطت فيه مع المملكة العربية السعودية- لتحقيق هذا الهدف.

ويمكن لوساطة ناجحة تسفر عن نتائج ملموسة، حتى في القضايا الصغيرة نسبيًا، أن تبني الأساس لخفض التصعيد في المستقبل.‏

بطبيعة الحال، سيكون التوسط في القضايا الرئيسية المتعلقة بالسيطرة على الأراضي والضمانات الأمنية أكثر صعوبة بكثير، وما يزال من الممكن أن تتجنب كل من أوكرانيا وروسيا جهود الوساطة هذه بينما تحاول قواتهما الحصول على ميزة في ساحة المعركة.

ومع ذلك، وضعت التطورات الأخيرة الصراع الأوكراني على مفترق طرق من نوع ما، مع خطر جدي للتصعيد من جهة، وفرصة لتراجع دبلوماسي معقول من جهة أخرى.‏

‏*يوجين شوسوفسكي‏‏ Eugene Chausovsky: محلل أول في “معهد نيولاينز”. شغل سابقا منصب كبير محللي أوراسيا في شركة التحليل الجيوسياسي “ستراتفور” لأكثر من 10 سنوات.

يركز عمله على القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية المتعلقة بروسيا وأوراسيا والشرق الأوسط.‏

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Diplomacy Is Still (Just About) Possible in Ukraine

اقرأ أيضا في ترجمات

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock