أفكار ومواقف

الدرس الإيراني القاسي

حار الإعلامي في محطة “سي. إن. إن” الأميركية، وولف بليتزر، مستعيراً ما أمكن له استحضاره من مفردات، في وصف السعادة البالغة التي بدت جلية على وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، في المؤتمر الصحفي الذي أعقب مباشرة التوصل إلى اتفاق إطاري بشأن البرنامج النووي الإيراني. وقد حق للوزير فعلاً أن يكون “مزهواً” (Jubilant) كما قرر بليتزر في النهاية.
فبعد مفاوضات امتدت أشهراً، وتضمنت جلسة واحدة على الأقل هي الأطول في التاريخ منذ مفاوضات باريس للسلام عقب الحرب العالمية الأولى في العام 1919، توصلت إيران والولايات المتحدة خصوصاً، ضمن مجموعة “5+1″، إلى اتفاق يحافظ على برنامجها النووي ضمن شروط تضمن سلميته من وجهة نظر دولية. وهو ما يثبت، بحسب ظريف في المؤتمر الصحفي ذاته، أي فرص يتيحها الحوار والمفاوضات.
ولعل الدرس المحزن، الأول، والجلي تماماً، يتمثل في كيف يكون لإيران أن تتفاوض مع “الشيطان الأكبر” ذاته، سراً في سلطنة عُمان، ثم علانية في كل بقاع الأرض، فيما يُصر أتباع إيران في العالم العربي، جماعات وأفراداً، على تبني سياسة، خارجية وحتى داخلية، ليست تقوم إلا على بند واحد، هو العداء للولايات المتحدة ومناقضتها في كل موقف؛ حتى لو عنى ذلك الانتحار العربي، كما يحصل الآن فعلاً! وبحيث يكاد يكون مطلوباً منا الاحتفال ربما بعيد ميلاد زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ أون، بل والاحتفاء بمنجزاته هو وأبيه وجده، والتي هي مذابح ومجاعات بحق شعبهم، فقط لأن هؤلاء تعاديهم أميركا!
لكن الدرس الإيراني في الحوار والتفاوض مع “الشيطان الأكبر”، وكل شياطين الأرض الأخرى الصغرى والكبرى، لأجل المصلحة الإيرانية، لا يكاد يكون شيئاً يُذكر أمام درس الحوار الإيراني الآخر، وقد كان بين نظام الملالي وشعبه.
فعشية الانتخابات الرئاسية الأخيرة في إيران العام 2013، وبحسب ما نقلته التقارير الصحفية والدراسات، كان المجتمع الإيراني قد وصل إلى ذروة الاحتقان والإحباط من سياسات المحافظين الممسكين بكل مفاصل السلطة في البلاد. حتماً، كان بإمكان هؤلاء تبني الحل الذي طبقوه في سورية، وقبله في العراق، باختيار مصالحهم الأضيق على حساب أغلبية الشعب، والمراهنة على قمع أي احتجاج متوقع، كما نجحوا فعلاً في التعاطي مع الاضطرابات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية قبل أربع سنوات فقط، في العام 2009. لكن قرار المحافظين أنفسهم كان عدم المقامرة بالدولة الإيرانية ونظامها؛ وضمان فرص نجاتهم، وهو ما يتحقق بإرضاء الشعب الإيراني فقط، عبر خلق متنفس له. هكذا، كان أن سُمح بفوز حسن روحاني من الجولة الأولى للانتخابات.
طبعاً، ليست إيران من تُسأل عن ازدواجيتها (وهي ليست ازدواجية أبداً بمنظار المصلحة الوطنية الإيرانية) في محاورة شعبها ثم شيطانها الأكبر، في مقابل إنكار ذلك على أتباعها. من يُسأل عن ذلك بداهة، هو هؤلاء الأتباع، وقد شاهدنا الثمن في غير بلد عربي؛ باسم “المقاومة والممانعة” و”النكاية بأميركا”.
هي دروس قاسية ولعلها متأخرة، بل وما يزال البعض يجرؤ على إنكارها. لكن الحقيقة أنه فيما تحتفل إيران الآن بانتصارها؛ شعباً ونظاماً، يحتفل أتباعها “العروبيون جداً” بتدمير سورية، بعد العراق، وسواهما من بلدان عربية، وليس يغير من هذه الحقيقة تسمية الدمار انتصاراً!

تعليق واحد

  1. ايران حققت انتصارا
    ايران استطاعت المحافظة على برنامجها النووي السلمي اوغيره وبنفس الوقت سيتم رفع الحصار الاقتصادي عنها والانتصار الاكبر لايران هو ان الغرب ادرك اهميتها بالمنطقة وادراكه بضرورة التقرب منها اليس هذا بكاف لكي تحتفل ايران؟؟؟

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock