أفكار ومواقف

الدغمي بين الرئاسة والمعارضة

عاد النائب عبد الكريم الدغمي ليرأس مجلس النواب للمرة الثانية بعد أن جلس على كرسي قيادة البرلمان قبل عقد من الزمان.
الدغمي ليس هو الخيار المُفضل عند مفاصل “السستم” لقيادة البرلمان، ولولا الاستحقاقات الضرورية التي تمثلها مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، وخاصة التعديلات الدستورية، وقانوني الانتخاب والأحزاب لقاوموا وصوله لسلطة البرلمان، وفضلوا أن يتربع على سدة الرئاسة من “يضمنون” مواقفه، ولا يخرج عن السيناريوهات المحددة، ولا يفاجئهم بتوجهات، أو مسارات لا تتطابق مع رؤاهم.
فاز الدغمي برئاسة البرلمان، وفي الأيام التي سبقت افتتاح دورة المجلس، وبعد إعلان الرئيس السابق عبد المنعم العودات انسحابه من سباق الرئاسة، وانحسار المنافسة بين الدغمي والنائب نصار القيسي جرى تداول معلومات على نطاق واسع أن الأمر حُسم للدغمي، ولكن نتائج انتخابات الرئاسة المتقاربة تشي أيضا أن التدخلات والضغوط لتغيير المواقف النيابية لم تكن جارفة، وكان هناك جدل داخل أروقة صانعي القرار، واختلاف في الرأي، وهذا ترك هوامش للمناورة للذهاب بعكس رؤية متخذي القرار.
في تجربة انتخابات رئاسة مجلس النواب منذ العام 1989، استطاع المرحوم الباشا عبدالهادي المجالي أن يدخل “مكاسرة” مع توجهات الدولة التي كانت لا تريده رئيسا لمجلس النواب، ووضعت “فيتو” عليه بعد رئاساته المتكررة، ومع ذلك خاض الانتخابات وكسر “التابوهات” التي وضعوها وفاز، وهكذا فعل عاطف الطروانة حين أُبلغ ألا يخوض انتخابات الرئاسة مرة أخرى فرفض، وأصر على مخالفتهم، واستطاع أن يحصد الفوز هو الآخر متغلبا على سياسة صناعة الأغلبية داخل مجلس النواب.
أعرف النائب عبد الكريم الدغمي منذ 32 عاما حين فاز لأول مرة بمقعده النيابي، وعايشت تجربته وزيرا في مواقع متعددة، وبالتأكيد يملك الحنكة والدهاء السياسي حتى وإن ظهر أحيانا غاضبا وانفعاليا، وأعتقد جازما أنه يملك الخبرات والمهارات التي تساعده ع لى إدارة اللعبة السياسية تحت القبة، ولا أعتقد أن شخصية الدغمي المناكفة، والمعارضة التي يظهرها وهو نائب هي التي ستحكم ممارسته وهو رئيس لمجلس النواب، فهو يدرك أيضا أن إثبات قدراته “كرجل دولة” يُعتمد عليه في التحولات الاستراتيجية، والمهام الصعبة قد تؤهله للتقدم خطوة أخرى عند النظام، وتُبنى عليه الرهانات في مقبل الأيام، ويُدرج اسمه في بورصة أسماء “الرؤساء”.
مهمة الدغمي في تمرير مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية ليست سهلة، ولكنها ليست مستحيلة، والأمر لا يعود فقط لخبراته البرلمانية التي اكتسبها طوال السنوات الماضية رغم أهميتها، ولكن لأن البرلمان بتركيبته حكما لن يكون معارضا، وصداميا، والمهم هو عبور هذه المرحلة بأقل الخسائر، وبأكبر قدر من التفاهمات تأسيسا للمرحلة التي تتبعها، وهي الأهم.
التقى الدغمي قبل انتخابه برئيس اللجنة الملكية دولة سمير الرفاعي، وكانت أحد المؤشرات المهمة في سباق الرئاسة، وبالتأكيد التقى بالمرجعيات الأساسية في الدولة، ولذلك فهو يعرف بدقة حدود المناورة، وما يمكن الاختلاف عليه، وما يجب حسمه.
أكثر ما سيُثير الجدل تحت القبة التعديلات الدستورية، فالتراشق المبكر على السوشيال ميديا يظهر أن الدولة لم تُهيئ الرأي العام لها، ولهذا فإن دور الرئيس الدغمي في إقناع المعارضين من النواب بوجاهة التعديلات، وبأنها تتماهى مع التوجهات للحكومات البرلمانية الحزبية، وأن مقترحات مثل تشكيل مجلس للأمن الوطني، أو ربط بعض التعيينات بيد الملك منفردا هي برأيهم ضرورة لحماية الدولة من “التجاذبات” الحزبية إذا قُدر في المستقبل أن تُشكل الأحزاب الحكومة، وبمعنى آخر منع “اختطاف” أي حزب أو سيطرته على قضايا الأمن والسياسة الخارجية للدولة.
قد تخضع بعض مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية وتحديدا في قانوني الانتخاب والأحزاب لبعض التعديلات الطفيفة، وغير الجوهرية، لكن الرئيس الدغمي سيكون قادرا على ضبط الإيقاع، مثلما كان يحدث الجلبة أحيانا، ويخلط الأوراق أحيانا أخرى حين كان بمقاعد الأعضاء.
في الأشهر المقبلة اختبار جديد للرئيس الدغمي بعد عشر سنوات على رئاسته الماضية، وعلى الأرجح سيتجنب المواقف الخارجة عن سرب الدولة، وسيعمد على تسكين، أو إخماد أي خلاف، والمعادلة الأكثر أمانا له هي صفر خصوم، وأعداء.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock