أفكار ومواقف

الدكتورة روان والسرير 18

هل أتاكم حديث مؤشرات القياس “KPI’s” ؟ إنها أدوات لقياس مدى تحقيق الإدارة لأهدافها المعلنة، وأهم تلك الأدوات هو رضى متلقي الخدمة، فإذا كان هدف وزارة الصحة هو تقديم الخدمات الصحية للمواطنين، فإنه من المضحك المبكي القول: إن “إعتداءنا” على الأطباء هو مؤشر لقياس مدى رضى المواطنين عن الخدمات التي تقدمها الوزارة، الأرقام التي أعلنها رئيس لجنة الصحة في مجلس النواب صادمة، وتشير تلك الأرقام إلى أننا “اعتدينا” على أربعة أطباء في الأسبوع الأول من شهر رمضان، كما تشير ذات الأرقام إلى ان معدل حالات الاعتداء على الأطباء منذ العام 2016 وحتى ساعة إعداد هذا” البيان”حوالي ست حالات اعتداء شهريا، “توجناها” بالاعتداء على دكتورة الجراحة “روان سامي” في طوارئ مستشفى الأمير حمزة قبل أيام.
حقيقة الأمر أن “عزوة ” المريض أطاحت بالدكتورة أرضا بواسطة “بوكس”، ليس لعداوة شخصية معها بل لأن مريضهم احتاج إلى سرير في قسم العناية الحثيثة في الوقت الذي كانت فيه جميع أسرة قسم العناية الحثيثة السبعة عشر مشغولة. فماذا حصل لهذا المريض؟ وهل عدد أسرة قسم الإنعاش في المستشفى متناسبة مع عدد المرضى الذين يترددون عليه ؟، فإن لم تكن كافية ما هو البروتوكول الطبي المعتمد في تحويل المريض الذي يحتاج الإنعاش الى مستشفى حكومي آخر؟ فإن كان مثل هذا البروتوكول موجودا هل إجراءات التحويل موجودة وفعالة؟ هل سيارة الإسعاف جاهزة أم أن عدد السيارات أيضا غير كاف؟ وهل الطبيب حديث التخرج مؤهل ومدرب للتواصل مع الناس في ظروفهم الطارئة؟!
هذا من جانب ومن جانب آخر، ما هي الحالة النفسية والدافعية عند طبيبة جراحة تعمل أكثر من أربعين ساعة في الأسبوع دون مقابل؟ ولماذا دون مقابل؟! لماذا هي – حسبَ قولها – غير مؤمنة صحياً وقد دفعت من جيبها الخاص مقابل فحوصات طبية اجرتها لنفسها في المستشفى؟.
المضحك المبكي أيضا أن تعالج الحكومة الأمر بتخصيص ميزانية
“أمنية ” لوزارة الصحة تضمن وجود قوى أمنية كافية لتحمي الطبيب من المريض، وكان الأجدى أن تحول ذات الميزانية لشراء أسرة الإنعاش اللازمة لأقسام العناية الحثيثة في مستشفيات الوزارة. إن علاج الوزارة “لمرض” الإعتداء على الأطباء بواسطة الأمن هو من قبيل علاج عوارض المرض والتغاضي عن السبب الحقيقي للمرض وهو ضعف في خدمات الوزارة وادارتها.
ولكن أيا كان الأمر فإن الاعتداء على الناس عموما وعلى الموظف العام خصوصا أمر مرفوض وهو مؤشر قياس لمدى تفشي “العنف” اللفظي والجسدي في المجتمع، وفي اعتقادي أن ظاهرة العنف وأخذ الحق “بالذراع “تبدأ في البيت مرورا ببرامج الكرتون العنيفة ولا تنتهي بالألعاب الإلكترونية العنيفة التي تعتبر تدريبا عالي المستوى على العنف والقتل، ناهيك عن كل الظروف الاقتصادية الصعبة وحالة الاحتقان السياسي والاقتصادي التي يمر بها المجتمع.
ظاهرة الاعتداء على الأطباء لا تعالج بتغليظ العقوبات فقط، ولا بوضع سيارات مصفحة على باب الطوارئ أو رجال أمن في غرف العمليات الجراحية، علاج هذه الظاهرة يكون بتوفير الخدمات الصحية اللازمة للمواطنين المنتفعين بيسر وكرامة، وبتأمين البنية الخدماتية المناسبة وبيئة العمل التي تعطي الأطباء والكادر الطبي الثقة بأنفسهم وهم يقدمون أجل خدمة لنا ولأهلنا في أصعب الظروف الطارئة، هؤلاء يستحقون منا الكثير من الدعم المعنوي والكثير من الاحترام وقطعا يستحقون البدل المادي الذي يليق ببعض تعبهم وجهدهم، إن تأمين الخدمات الصحية للمواطنين لا تنحصر بتوفير المستشفيات أو المراكز الصحية فقط ولا بإضافة السرير الثامن عشر لغرفة الإنعاش في مستشفى الأمير حمزة بل بإضافة عدد كاف من الأسرة بما يتناسب وعدد المنتفعين الذين يستفيدون من خدمات المستشفى والأهم من ذلك بوجود إدارة حصيفة للخدمات الصحية في الوزارة وبإجراءات تعامل كافة المواطنين على السواء بكرامة واحترام دون واسطة أو محسوبية، وبدفع راتب محترم لطبيبة دخلت في تخصص دقيق وهو تخصص الجراحة العامة. “روان” طبيبة مجتهدة ولكنها مجهدة ايضا في مرفق صحي عام يهدر ضَعفَ الإدارة فيه أكثر موارده فيتركه أكثر إجهادا، فاهم علي جنابك؟!.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock