أفكار ومواقف

الدكتورة

كانت الوسطى بين إخوانها وأخواتها، وطالما عايرت الأم بقية أولادها بنتائجها في المدرسة، وأحيانا كانت تتباهى فتقول: “والله ما خلفت غير الدكتورة”، وقد كان هذا لقبها منذ الابتدائية، حفلة تخرجها من تخصص طب الأطفال كانت حفلة عرس، أما حفلة عرسها وزواجها فلم تتأخر طويلا، فقد تهافت العرسان على “الدكتورة”، وبعد تعرف سريع بإشراف العائلة وافقت على أحدهم، خاصة وأن سنوات الطب والتخصص لم تترك لها متسعا للتفكير بالارتباط أو التعرف على صفات رجل المستقبل، هو شاب يكبرها بخمس سنوات “ابن عيلة وابن ناس”، تمت مراسم الزواج والارتباط وفقا للعادات والتقاليد، عادت من شهر العسل حاملا، واستمر مشوار الحياة الزوجية، وأنعم الله عليهما بخمسة أطفال متتابعين ــ زوجها يحب “العزوة” ــ ، وفي الأسبوع الماضي فقط ، وبعد ٢٨ سنة زواج جاءها “ابن العيلة وابن الناس” ليخبرها : “حبيت أعطيك ورقة الطلاق أنا قبل مُحضر المحكمة، أنا رح أعطيك كافة حقوقك، متأخرك خمسة آلاف.. والليرة الذهب”.
الدكتورة لم تمارس تخصصها، تفرغت للعناية ” بابن الناس وعزوته”، وهي في خريف عمرها الآن ليس لها سوى بيت أخيها الكبير، الذي يعيش فيه مع زوجته وأمه وأبيه في بيت العائلة، وأولادها بين متزوج وبين من هو مغترب في دول الخليج. اليوم أمامنا شخص “الدكتورة” دون مأوى أو بمأوى فيه الكثير من العنت والتعب من تبرم زوجة الأخ، علما بأن الدكتورة محظوظة أن أولادها مستقلون، ولو كان الأمر غير ذلك لقالت لها العائلة أهلا وسهلا بك لكن “أولاده” ليسوا مسؤوليتنا، ما كان ليضيف على مأساتها مشكلة تربية أولادها وحضانتهم.
قصة الدكتورة ليست خيالا اجتماعيا بل هي قصة حقيقية، وهنالك قصص أخرى لنساء سُحقت في تجربة الطلاق والأولاد، قانون الأحوال الشخصية الأردني شرع تعويضا للزوجة اذا كان طلاقها تعسفيا أي دون سبب معقول، ومن يقرر أن طلاق سيدة بعد ثمان وعشرين سنة من الزواج معقولٌ أم غير معقول ؟! خاصة وان أقصى تعويض يمكن أن تحصل عليه الزوجة بعد ثمان وعشرين سنة زواج قد يقل عن دينار واحد عن كل يوم زواج قضته في منزل الزوجية، تصوروا ..الزوجة وهي صخرة البيت المسؤولة عن تربية وإنشاء جيل المستقبل، الزوجة وهي الأم التي تحت أقدامها الجنان، شرف العائلة وفخرها، إذا تحولت إلى مطلقة بعد ثمانية وعشرين عام زواج يكون تعويضها عن كل يوم زواج أقل من دينار أردني واحد!!، وطبعا لن ننسى طناجر “البريستو” في عيد الأم السنوي.
الغرب “الكافر” فرض للمطلقة نصف مال الزوج، وهذا ليس تكريما عاطفيا، بل لأنها عملت أو لم تعمل تعتبر أنها ساهمت في تكوين ثروته أو المساهمة في أعباء بيته، وهي لهذا تستحق نصف ثروته مهما كانت، إن عمل المرأة كله مأجور حتى رضاعتها لأطفالها مأجورة، ولكن الغريب أننا جميعا مشغولون في ” شكل الحجاب ومشروعيته، وفضل الأم ومنزلتها”، دون إنصافها لا في زواجها ولا في طلاقها.
يا سادة يا كرام بناء أسرة كريمة لا يكون بخفض سن الزواج منعا للفاحشة، وإن ما حصل مع الدكتورة هو فاحشة الفواحش. وهو ظلم لا يقبله دين ولا قانون ولا شرع مهما كان، المجتمع لا يتحصن بالحث على مؤسسة زواج تكون فيه المرأة في الكثير من الاحيان مظلومة إن طلقت مظلومة إن بقيت في الزواج، وللوضوح هذا ليس ظلما من الدين هذا ظلمٌ من تفسير أحكام دينية بأفق مفسر ضيق.
أيها السادة الكرام حان الوقت لإعداد عقد زواج نموذجي، يحفظ للمرأة حقوقها من حالات الطلاق التعسفي الأبله، وذلك عن طريق وضع شروط بخصوص عملها وحضانة أطفالها في حالة الطلاق وشكل الحضانة وتفصيل تنفيذها وتأمين منزل للزوج وراتب تقاعدي بعد سنوات معينة من الزواج، وتعميم هذه الشروط حتى لا تبدو أنها فرضت على شخص دون سواه، أيها السادة؛ إن أسرة لا تحترم حقوق الزوجة “الأم”، هي أسرة منافقة، ليس لكم أن تتوقعوا أن يخرج منها من يحفظ حقوق الناس، ويدافع عن حرياتهم، أيضا تذكروا أيها السادة أبناء المظلومة لا يقيمون وطنا حرا، فاهم علي جنابك!!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock