ثقافة

الدوسري: الفئة المتطفلة على الإبداع ‏فقيرة تعبيريا

أديب كويتي ينعى الشعر الحديث
 


 


حوار عزيزة علي


   يرى الشاعر والناقد الكويتي أحمد الدوسري ان الشعر الحديث قد مات مرجعا ذلك إلى ‏التخمة في وسائل الترفيه، ووسائل الاتصال، والفضائيات والانترنت، ود. ‏الدوسري‎ ‎حاصل على درجة الدكتوراه في  لغة وآداب وحضارة عربية: من ‏جامعة جنيف ‏1999‏، بالإضافة إلى عمله كصحافي في عدة صحف بدول ‏الخليج العربي، وله الكثير من الاصدارات إلى جانب عدد من المجموعات الشعرية صدر له عشرة دواوين منها “صرّي إليك ثمانية من الطير” من ‏جنيف في العام 1995، و”لا شيء يقاوم شيئا” في العام 1995، و”آيل ‏للمكوث”، في العام 1996، ويضيف الدوسري أن الشعر اليوم أصبح ‏بلا رائحة أو هدف أو طعم أو لون، فهو وسيلة تسلية للشاعر ‏صاحب النص فقط لا غير، ‏”الغد ” التقت الدوسري وكان معه هذا الحوار:


د. أحمد الدوسري الشاعر كيف ومتى كانت بدايتك مع الشعر؟


الارهاصات الاولى للشعر بدأت في سن مبكرة جدا، لكن التجليات الشعرية الأولى ‏بالمعنى الفني ظهرت وأنا في المدرسة المتوسطة. وبدأت أكتب الشعر العمودي ‏وألقيه من خلال الإذاعة المدرسية، مما جعلني أشعر بأنني ولدت للشعر. وواصلت ‏كتابتي للشعر في المرحلة الثانوية، لكن الشعر الحقيقي تفجر في الجامعة، من ‏خلال الاحتكاك المباشر بالأوساط الادبية والشعرية، والقراءات المعمقة، ‏والدراسة. ولعبت الامسيات الشعرية التي كنت أشارك فيها في الكويت وخارج ‏الكويت تأصيلا لشخصيتي الشعرية التي ظهرت فيما بعد في اولى مجموعاتي ‏الشعرية.‏


كيف ترى حال الشعر والشعراء اليوم؟‏


الشعر الحديث أعتقد بأنه مات! بالإضافة الى عوامل أخرى، مثل التخمة في ‏وسائل الترفيه، ووسائل الاتصال، والفضائيات والانترنت، وغير ذلك، ساهم في ‏القضاء على الشعر. لكن جرثومة الوفاة كانت كامنة في الشعر الحديث نفسه وفي ‏شعرائه! والمشكلة أن معظم الشعراء غير شاعرين بذلك ولا مدركين وكأنهم في ‏غيبوبة؟ غيبوبة لغوية وشكلية، ويغنون فقط على ليلاهم! الكتابات المكرورة ‏وتحويل الشعر إلى نثر حقيقي أوديا بالشعر؟ فلا هناك قارئ دخل مزاجه هذا ‏الشعر، ولا حتى ناقد عنده استعداد للكتابة عنه! بقي أن مكان هذا الشعر…‏‎ ‎معروف أين ؟


   فأصبح الشعر بلا رائحة أو هدف أو طعم أو لون أو أي شيء؟ فهو وسيلة تسلية ‏للشاعر صاحب النص فقط لا غير ؟ باستثناءات قليلة جدا أضر بهم الحال السائد ‏هم أيضا من حيث انصراف الناس عن الشعر، والعجيب أنني عندما أسأل زملائي ‏الشعراء عند نهاية كل معرض للكتاب: هل اشتريتم ديوان شعر؟ والاجابة بالطبع ‏لا؟ إننا نعيش زمن انحطاط حقيقي وزمن أفول الأشياء الجميلة لصالح بربرية ‏الآلة !‏ لذا أركز منذ فترة على الرواية ناعيا الشعر وإن كنت لا أزال أكتب الشعر ‏بالطبع …‏


‏- أنت أكاديمياً إلى أي مدى يحضر الأكاديمي في كتابة الشعر لديك ؟


يحضر… ولكن بعد كتابة القصيدة. ولا يحضر الاكاديمي قبل الكتابة وإلا أفسد ‏القصيدة ! لكن ينبغي الاعتراف أيضا، وهذا ما لا يعترف به الشعراء عادة، بأن ‏القصيدة تخطيط ووعي أيضا…! ليست هناك عفوية مطلقة…ولا تخطيط مطلق ‏بشكل مسبق، إنه ما أستطيع أن أسميه الخبرة الشعرية…‏


‏- ماذا تقول اليوم عن حركة الشعر في الخليج العربي، وما هي التطورات التي ‏حصلت فيه ؟


حركة الشعر في الخليج العربي تعاني حاليا مما تعانيه الحركة الأم، أي حركة ‏الشعر العربي. وهي حركة كانت في الثمانينيات والتسعينيات قد قفزت لكي تصل ‏الى مصاف المراكز الشعرية العربية المعروفة من خلال تجارب ممتازة. لكن ‏الذي حدث ابتداء من هذه الالفية، هو وقوف حدود هذه التجارب عند أشكال ‏تعبيرية محددة كانت جديدة وثورية في وقت ما وأصبحت نمطية ومكرورة وتوقف ‏عندها الجميع. لذا لو قرأنا نصا لأحدهم فلا نكاد نعرف لمن هو؟ اختلط الحابل ‏بالنابل؟ تطور النص الشعري في المنطقة إلى حدود مذهلة كما بينت في كتابي “‏اتجاهات الشعر الحديث في الجزيرة العربية” لكن سهولة تسلل غير المبدعين الى ‏الوسط الشعري والنشر لهم جنبا الى جنب مع الشعراء الحقيقيين، حيث لا ضوابط ‏للكفاءة التعبيرية، ونسخ الاشكال التعبيرية وتناسخها وتكاثرها بهذا الشكل، كل ذلك ‏جعل الجميع يعزف عن المشهد.‏


   وأنا أقول لك شيئا: كثرة وسائل الاعلام، المفروض أنها تساهم في نشر الشعر ‏ويصبح شعراؤنا نجوما! وقد كان الشعراء الكبار في يوم من الايام نجوما بوسائل ‏اعلام قليلة وتقليدية، فلماذا لم يحدث ذلك ؟ سؤال موجه لنا نحن الشعراء ؟ ‏


‏- كتاب (شاعر على خطوط النار) ماذا تقول عنه، ولماذا وقع اختيارك على ‏تجربة أمل دنقل دون غيره لتكتب عنه؟


كتاب امل دنقل لاقى صدى طيبا منذ أن صدر أول مرة في القاهرة في أواخر عام ‏‏1991، والسبب يعود إلى أن الكتاب كان اول دراسة شاملة لحياة وشعر شاعر ‏كبير مثل أمل دنقل ولم تكن قد مضت على وفاته سوى بضع سنوات. ‏


   وكان اختياري لدراسة امل لأنه كان شاعرا صادقا ومتمردا ثوريا فابتعد عنه النقاد ‏كثيرا. وما كتب عن أمل حتى ذلك الوقت قليل جدا، أغلبه عبارة عن مراث ‏وذكريات وآراء، لا يرقى إلى الدراسة الاكاديمية، ولا يعطي الشاعر حقه. ثار ‏علي العديد من النقاد عندما قلت ذلك، لكن احدا لم يثبت العكس. ‏


‏- قلت ان أمل دنقل لم ينال ما يستحق من الدراسات، لمن ترجع ذلك؟


لا بالطبع، فقد نال أمل حظه من الشهرة ومن الكتابة عنه، لكنني أتحدث عن ‏السنوات التي أعقبت وفاته، وخلال حياته، لكن الآن ازدهرت الكتابات عن أمل، ‏وهو ما يسعدني شخصيا، لأن أمل شاعر يستحق كل تقدير في زمن أفل فيه ‏الشعر… أو الشعراء؟


برأيك هل غابت شمس الشعر الملتزم، لتبزغ شمس الإبهام في الشعر وفي ‏مواقف الشاعر؟


غاب كل شيء يا سيدتي! نحن في الظلام الشعري الدامس! ما يكتب تهويمات ‏وخزعبلات وتخاريف جعلت الناس ” يشردون ” من الشعر؟ والدليل على ذلك ان ‏أغلب الشعراء إن لم أقل كلهم، لا يعتمد على الشعر في التوصيل الابداعي؟! ‏فتجد الشاعر إما كاتب مقال أو قاصا أو روائيا أو كاتب مسرح، أو باحثا، أو… ‏الخ وهنا أنا أعني الفئة الجيدة، لكن الفئة المتطفلة على الشعر فهي في الأغلب ‏فقيرة تعبيريا في كل وسيلة !‏ باختصار تجاوز الشعراء قضايا الناس والانسانية فتجاوزهم الناس… والزمن!‏

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock