أفكار ومواقف

الدولة،،،

ما حصل استفتاء شعبي على الدولة والدستور، ونتائجه أن الاغلبية الطاغية من المواطنين تتمسك بالدولة وبالدستور، باعتبارهما ضماناً للأمن والسلام الاجتماعي، وأيضا باعتبارهما السقف الأعلى للمعارضة السياسية. والحقيقة أن مواقف الأردنيين في هذا الشأن ليست بجديدة، فقد صاحب تأسيس الدولة الأردنية انحياز شعبي لها إمارة أولاً ومملكة ثانيا، حيث تخلى الأردنيون عن الحكومات المحلية والمناطقية التي كانت منتشرة آنذاك لجهة تأسيس الدولة بمفهومها الحديث، وقد نودي بالأمير والهاشميين كعنوان قومي تحرري لدولة عصرية جامعة لمكونات الشعب الأردني.
مفهوم الدولة الحديثة الذي بدأ في أوروبا نشأ بعد معاهدة وستفاليا 1648، التي أنهت حقبة مظلمة اوروبية من الحروب والعنصرية والإقصاء الديني والعرقي، ولهذا سعت دول المعاهدة إلى إنشاء فضاء عام في الدولة، قائم على الحريات الشخصية والجماعية، وعلى قيم التسامح الديني والعرقي وسيادة القانون، وأسست علاقتها مع المواطن الفرد على أساسٍ من رابطة قانونية تحدد واجبات المواطن وحقوقه، هذه الرابطة التي تعرف باسم المواطنة.
الدول العربية ومنها الأردن – وهي سادس أقدم دولة عربية مستقلة- انبثقت من شعور شعبي نحو التحرر من الاستعمارين العثماني والأوروبي، صاحبهما في منطقة الشرق العربي، وتحديدا منطقة الهلال الخصيب توجس وعداء للمشروع الصهيوني، ورغم أن التحرر من الاستعمار كان أكثر حضورا في سيرورة نشأة الدولة العربية، إلا أن الحريات الشخصية والجماعية للمواطنين كانت في صدر المشهد، وقد انعكس توق الشعوب العربية والشعب الأردني للحريات الفردية والجماعية، وحرصهم عليها في تكريس أغلب دساتير الدول العربية لتلك الحقوق والحريات، وليس من المبالغة القول ان الدستور الأردني لعام 1952 من أوضح وأرقى تلك الدساتير.
من الناحية العملية فإن مرحلة بناء الأردن والأزمات التي واجهتها، ومنها تحديات وجودية هددت كيان الأردن الدستوري والفعلي، تم فيها تعطيل أحكام الدستور لفترات طويلة دامت أكثر من ربع قرن، وقد عُطل مع الدستور الفضاء السياسي العام وعنصره الأساس الأحزاب الأمر الذي جعل السلطة تنفرد بالحكم، وقد أصابت في ذلك مرات، وأخطات مرات، ولكن تعطيل الحياة السياسية عطب مصدر إمداد الدولة بالكفاءات المقبولة شعبيا، واستبدلت قاعدة «الشعب مصدر السلطات» بقاعدة «الشعبوية مصدر السلطات».
الوضع الاقتصادي يحتاج حلا عمليا سريعا، وهو لا يحتمل انتظار إنشاء أحزاب أو تفعيل بيئة الديمقراطية، ولهذا على الدولة البدء بحملة ضبط نفقات بل إعادة هيكلة النفقات لجميع مؤسسات الدولة، بحيث تصرف الدولة على قد «لحافها»، ومكافحة مظاهر البذخ والإسراف في نفقات الدولة على نحو علني وشفاف، وتفعيل آلية إجرائية قضائية للبت في قضايا الفساد خلال مدة لا تزيد على ستة أشهر.
الفضاء السياسي العام اليوم، مختلف عن أي وقت مضى، كل حاملي الرقم الوطني اقرب إلى الانصهار تحت عنوان الدولة، وحقيقة الأمر أن وهم وجود تكتل شعبي أو عرقي أو ديني منعزل منغلق على نفسه هو وهم يكذبه الواقع، فالناس في الدولة مواطنون مزجتهم مصالحهم الشخصية وعلاقاتهم الانسانية وأفكارهم ومبادئهم المشتركة، وشكلت في معظمها في المدن الكبرى والمحافظات هوية فعلية عصرية للأردن، حيث تشكل للجميع مصلحة حقيقية في الدولة والدستور ونظام الحكم.
إذا كان من مهمة لأي لجنة حوار فهي العمل على خلق حراك شعبي سياسي لفرز حزبين إلى ثلاثة أحزاب، وتعديل قانون الانتخاب بإضافة 50 مقعدا لمقاعد البرلمان الحالي، ليصبح عدد المقاعد 180 مقعدا، بحيث ينتخب نصفها على اساس القانون الحالي، والنصف الآخر قوائم مغلقة حزبية على مستوى الوطن، بهذا لا تُمس المراكز القانونية والسياسية الحالية للمحافظات والمدن، وبنفس الوقت تدخل جرعة مهمة للإصلاح السياسي والبرلماني الوطني بموجب القوائم الحزبية المغلقة على مستوى الوطن، وبتشريع يضمن مراجعة نتائج اي اقتراح للتطوير السياسي كل اربع الى ثماني سنوات.
الناس مع الدولة ومع النظام وضد المساس بمؤسسة العرش؛ قالوها صراحة، بقي أن تقف الدولة مع نفسها، وتتحرك لا خوفا وجزعا، بل إيمانا بأردن ديمقراطي حر منتجِ، تقوم فيه الحكومة على احترام وحماية حقوق الأردنيين القانونية والدستورية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock