أفكار ومواقف

الدولة الظالمة هي الحل

ليست مجرد فوضى، تلك التي نراها في الجزائر أو السودان، وهي الدول المؤهلة لتكون الدفعة الثانية من خريجي الربيع العربي، بل هي نتيجة طبيعية جدا، لعدم فهم دروس الربيع العربي، في موجته الأولى، التي يعتبرها كثيرون، كارثة بما تعنيه الكلمة.
كل دولة فيها مظالم، أو تغول على الشعب، أو فساد، أو سرقة، أو غياب للعدالة والمساواة، أو تراكم للمفاسد، باتت مؤهلة اليوم، للالتحاق بالكيانات الذبيحة في العالم العربي، والمشكلة الأكبر، أن النظام الرسمي العربي، يرتاح من زاويته لنتائج الربيع العربي في موجته الأولى، بمعنى أنه يفترض أن الشعوب تعلمت الدرس، ودفعت كلفة التمرد على الأنظمة، ولن تعود وتكرر التجربة بعد الذي رأته في شعوب مختلفة في هذه المنطقة.
هذه مأساة أن يكون الانسان العربي، مخيراً، بين دولة ظالمة، أو دولة تغرق في الفوضى، وهو إذاً بين كلفتين، أي أن يحتمل دولته بكل ما فيها من مفاسد، أو يتمرد طلبا لحقوقه، فيدفع الثمن على يد جماعات كثيرة، وبسبب التدخل الإقليمي والدولي.
لكل دولة ظروفها المختلفة، وقد يخرج من يتحدث عن أن نموذج الجزائر، يختلف عن سورية، أو عن السودان، لكن المشترك بين هذه التجارب كلها، وغيرها، هو الاستبداد، وتفشي المظالم، وتطاول الأنظمة الرسمية على الانسان العربي، وحرمانه من حقوقه، وتحويله إلى فقير في بلده، يتم اضطهاده، ومنعه من أن يعيش كريما.
لماذا تواصل أنظمة عربية ذات سلوكها، برغم أن موجة الربيع العربي الأولى، كانت مدمرة، واسقطت أنظمة، وشردت شعوبا عربية، والاجابة على هذا السؤال سهلة، إذ إن بعض الأنظمة تعتقد جازمة أن الانسان العربي، لم يعد مخيراً، فإما أن يقبل البنية الظالمة التي تدير شؤونه، وإما أن ينتظر سيناريوهات أسوأ بكثير، مما يعيش فعليا؟!.
النظام الرسمي العربي، يحدثك كثيرا، عن الشعوب الجاهلة، التي لا يمكن حكمها الا بالحديد والنار والتجويع، وان هذه الشعوب، لا تدرك المعادلات الدولية، وتختطفها الشعارات، وهي شعوب لا يمكن ان يتم منحها فرصة للتغيير، ويضرب النظام الرسمي الأمثلة بالانقسامات في سورية وليبيا واليمن، وكيف تحولت هذه الشعوب إلى مجموعات متناحرة، بعد أن رفع قادتها الثوريون شعارات براقة، استدرجوا فيها هذه الشعوب إلى نهاياتها.
لكن المشكلة هنا، تكمن في أن الشعوب في الأساس، إذا صدقت هذه الاتهامات بحقها، تدفع في الأساس، كلفة التجهيل والتضليل الذي مارسه النظام الرسمي العربي، وتدفع أيضا، كلفة التقسيمات الداخلية التي تم تأسيسها والاستثمار بها، لغايات تثويرها لاحقا، اذا سقطت بعض الأنظمة، بحيث يزرع كل نظام بذور الفناء للشعب، مسبقا، وبحيث تكون المهمة ما بعد أي نظام بائد، سقاية هذه البذور، وهذا ما نراه فعليا، في دول كثيرة، تفجرت فيها الصراعات الدينية والمذهبية والقبلية بين جماعات مختلفة، كلها رفعت السلاح ضد بعضها البعض.
المؤكد هنا أمران، أولهما ان النظام الإقليمي والدولي، لا يريد أي تغييرات في المنطقة، وهو يرتاح اكثر الى نموذج الدولة الظالمة، كونها تؤمن مصالح عواصم العالم، اكثر بكثير من نموذج الدولة الشفافة، التي يحق فيها للقوى الفاعلة الاعتراض، مثلما أن هذا النظام الإقليمي والدولي، لا يهمه في هذه المنطقة، سوى ثرواتها، وأن تبقى إسرائيل تحديدا، بعيدة عن كل هذه النيران التي تشتعل فجأة او يتم اشعالها.
تحدثوا كثيرا عن الدولة العميقة التي تحكم في دول عربية، وهي ذاتها الدولة الظالمة، والمثير، أن هذه الدولة الظالمة، لا تستسلم بعد سقوطها، بل أن مهمتها الأساس تبدأ بعد سقوطها، أو على مشارف سقوطها، أي استكمال دورها عبر القوى السياسية والاقتصادية وجماعات مصبوغة بالدين أو المذهب أو الطائفة أو جماعات النظام السابق، من أجل الانتقام والثأر من كل الذين يحاولون صناعة تغيير إيجابي، وبحيث لا يكون هناك أي حل سوى العودة الى الدولة الظالمة، وليس ادل على ذلك من نموذج ليبيا حين يصير نجل القذافي، هو الحل لما بعد رحيل القذافي، ونجل علي عبدالله صالح، هو الحل لما بعد رحيل والده!.
الانسان العربي، قد يتم ايصاله بعد قليل ليطالب علنا بديمومة الدولة الظالمة باعتبارها هي الحل، وبحيث يكون المتهم هنا، هو الإنسان العربي الجاهل، غائب البصر والبصيرة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock