تحليل إخباري

الدولة المدنية من وجهة نظر الأحزاب السياسية

الدكتور محمود عبابنة

وقد تحول شعار الدولة المدنية إلى شعار سياسي ينادي به الحكام تارةً، وتارةً أخرى ينادي به المحكومون، وكل منهم يبيت تفسيره الخاص لفكرة العقد الاجتماعي التي نادى بها روسو عندما ابتدع فكرة الإرادة العامة والتي تجسدت بمفهوم الأمة (الهيئة المعنوية) نواب وأعيان، لكن الفكرة تتجذر بنسب متفاوتة تختلف من دولة إلى أخرى، وتنعكس من خلال نصوص قانونية تعكس مبادئ انسانية سامية كالمساواة واقامة العدل واحترام الفرد كعنصر مستقل عن أي انتماء آخر بناءً على انسانيته ومواطنيته في مجتمع معين ووضع دستور لنظام حكم مدني ديمقراطي لا يكون الدين فيه هو المرجعية الوحيدة، وتؤدي المؤسسات فيها مهامها كمؤسسة بكيان قانوني منفصل عن شخص الحاكم، ويحكمها نظام قانوني مستنبط من الواقع المثالي الحضاري المعاصر، قادر على تجاوز العرف السائد الموروث إذا تعارض مع مبدأ الشرعية القانونية المجسدة بالدستور والقوانين والانظمة لأن مبدأ سيادة القانون هو أساس الدولة المدنية وهو الكفيل بحماية الفرد اتجاه أي اعتداء قد يقع عليه.
إن مفهوم الدولة المدنية يتداخل مع عدد من المفاهيم التي يعتبرها البعض إما مرادفة أو مكوناً من مكونات الدولة المدنية، من هذه المترادفات: الدولة الديمقراطية أو الدولة العلمانية أو دولة القانون والمؤسسات أو دولة سيادة القانون أو الدولة الليبرالية. ولا يخلو نظام أساسي للأحزاب العربية أو الأردنية من تبنّي مصطلح من هذه المصطلحات وأكثرهم إقداماً من يتبنى مصطلح الدولة المدنية العادلة تفادياً من مقاربة مصطلح العلمانية التي لا تلاقي ترحيباً وقبولاً في المجتمعات المسلمة.
هذه المترادفات لم تحز على تعريف قانوني محدد ومتفق عليه، إلا أن التوافق على ملامح الدولة المدنية متيسر وقد يستوعب جميع هذه المدلولات أو يتكامل أو ينسجم مع بعضها، وقد نستخلص من هذه الملامح هوية تقريبية للدولة المدنية فهي (الدولة المعاصرة التي يتساوى بها المواطنون أمام القانون في الحقوق والواجبات، وتخضع السلطة فيها للتداول السلمي الديمقراطي، واحترام حقوق الإنسان وحق المواطنة، لا سيما حقه في التعبير وتكافؤ الفرص في ظل سيادة القانون على الجميع دون استثناء ومع فصل كامل ومتوازن لسلطات الدولة الثلاث، وتوفير ضمانة القضاء المستقل بما يعنيه مفهوم الاستقلالية. الترجمة الواقعية لهذه الشعارات يجب أن تتم من خلال تشريعات الحداثة المستنبطة من فكرة النفعية والعلمنة نسبةً إلى استخلاصات العقل البشري من القوانين والتطبيقات العلمية وقواعد الحوكمة السياسية الرشيدة)، وهذه أهمّ ما يميز الدولة المدنية المعاصرة الحداثية عن دولة القرون الوسطى، فالدولة المدنية دولة قانون، بينما الدولة الثانية هي دولة القبيلة أو العشيرة أو الملة أو الطائفة. والسلطة في الأولى للامة، وفي الثانية للحاكم أو من يحيطون به.
بالرغم من أنّ وجود الدستور بمثالياته ليس دليلاً أو مؤشرًا صادقًا على وجود الدولة المدنية الديمقراطية أو دولة القانون، حيث تخضع هذه المفاهيم لتفسيرات متباينة حسب موقع كل طرف من أطراف العقد الاجتماعي، فقد تراها الدولة بمنظور مخالف، فدولة القانون من وجهة نظر السلطة هي فرض القوانين التي تعزز من سلطة الحكام ومن حولهم، ووضع قوانين صارمة على حرية التعبير أو تجريم الحقوق الأخرى هو أحد تطبيقات دولة القانون من وجهة نظر الحكومات، بينما ينظر الصحفيون إلى هذا التجريم الظالم على أنه انتهاك لدولة القانون التي تنص في جانب من دستورها على كفالة حرية التعبير وحق إبداء الرأي .

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock