أفكار ومواقف

الدولة بعد كورونا

تدفعني جائحة كورونا إلى التفكير مليّاً بعلاقة الدولة بالمجتمع بعد أن يتم القضاء على وباء كورونا وبخاصة بعد تراجع قوى العولمة. فتفشي الوباء العالمي يعزز من قوة الدولة والمشاعر الوطنية في المجتمعات المختلفة. فالكثير من الدول لجأت لقوانين الطوارئ ما يعني تعزيز قبضة الحكومات، وعلى الأرجح أن تتلكأ حكومات هذه الدول في التراجع عن السلطات الجديدة التي حصلت عليها بداعي التصدي لهذا الوباء المتفشي. ستيفان والت من جامعة هارفارد يمثل هذا الاتجاه ويضيف بأن هناك انتقالا لمصدر القوة من الغرب إلى الشرق.
لم يفصّل ستيفان والت ما كان يعنيه بانتقال مصدر القوة من الغرب إلى الشرق، فموازين القوى ما زالت لصالح الغرب ولا يمكن لجائحة كورونا أن تلهي الدول عن اللعبة الجيوسياسية أو عن التنافس بين الدول على الريادة والنفوذ. لكن علينا أن نعترف أن الغرب فقد في الآونة الأخيرة – وعلى الأخص بعد صعود الرئيس دونالد ترامب – الكثير من جاذبيته. ولعل جائحة كورونا دفنت وللأبد مقولات فرانسيس فوكوياما في كتابه عن نهاية التاريخ الذي ربما أصبح نهاية فوكوياما. فالنموذج الليبرالي الديمقراطي الذي بشر به فوكوياما بوصفه آخر ما يمكن أن يتوصل إليه البشر والذي انتصر مع نهاية الحرب الباردة يتلقى صفعة قوية هذه الأيام بعد أن تمكنت الصين من تقديم نموذج مختلف – ليس ديمقراطيا ولا ليبراليا – في التعامل مع الأزمات. فنجاح الصين في احتواء الفيروس أعطى قوة دفع للقوى غير الديمقراطية في العالم التي باتت ترى بأن الدولة ينبغي أن تكون قوية وحاسمة وربما غاشمة في بعض الأحيان.
وشجع انتصار النموذج الغربي في الحرب الباردة إلى إطلاق العنان لقوى العولمة، وباتت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة ترى بأن العولمة تسمح لها بترتيب شروط التجارة الدولية بشكل يضمن الحفاظ على التنمية المستدامة لهذه الدول بوتيرة أعلى من غيرها بكثير. وباتت دول العالم الثالث تخشى من قوى العولمة ليس باعتبارها تهديدا أيديولوجيا بل لكونها تعبر عن مجموعة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي ستضعفها على كافة المستويات. لكن الصين ودول البريكس استفادت كثيرا من العولمة واستثمرتها كفرصة لتطوير اقتصادياتها ودخلت على خط التنافس التكنولوجي مع الغرب بعد أن كان حكرا على الدول الغربية لقرون.
منذ بداية عهد ترامب وهو يتحدث عن أميركا أولا، وهذا أعطى القوى الوطنية والمناهضة للعولمة والصقور المعادين للصين الفرصة للبروز والتأثير، بمعنى أن أميركا تتراجع عن العولمة بعد أن أصبحت معدلات النمو الاقتصادي في الصين مقلقة لأميركا نفسها. والمفارقة أن الدولة غير الديمقراطية وغير الليبرالية (الصين) هي من تريد الحفاظ على العولمة وليس أميركا! وإذا ما أرادت أميركا الإبقاء على موقعها الريادي العالمي فعليها أن تخوض صراعا صفريا مع الصين على المستوى الاقتصادي والسياسي. وطبعا هذا الصراع سيكون مكلفا للولايات المتحدة لكنه سيضمن لها التفوق في نهاية المطاف. لكن إن كانت الولايات المتحدة تسعى إلى الازدهار فإن عليها الإبقاء على التعاون والاعتمادية المتبادلة مع الصين.
بكلمة، من المبكر الحكم على اتجاه السياسة الدولية بعد القضاء على فيروس كورونا، لكن هناك ما يشير إلى صعود الدولة مرة أخرى وهذا سينعكس على علاقة الدولة بالمجتمع وقد يفضي إلى درجة من التراجع عن العولمة. في نهاية الأمر الدول الكبرى هي من سيقدم النموذج الأكثر نجاعة وهي من سيحدد اتجاه العلاقات الدولية وليس الدول المتوسطة أو الصغيرة التي ستبقى دوما في الطرف المتلقي. الخوف كل الخوف أن يفضي هذا الوباء إلى أن يسيل لعاب المستبدين في منطقتنا لإحكام قبضتهم على الشعوب والتراجع عن الانفراج النسبي الذي طرأ في السنوات الأخيرة بذريعة الحفاظ على الأمن وأن الأمن مقدم على الحريات.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock