فكر وأديان

الدين.. بين نخبويته وعموميته (2)

نارت قاخون

أتابع ما تقدّم في المقال السابق، بحديث عن مجموعة من “المفاهيم والمحاججات” تأسّس عليها مفهوم “نخبويّة المعارف الدينيّة”، وخطاب “احتكار فهم الدين” في فئة “علمائه ورجاله”.
من ذلك، الاحتجاج بطبيعة المعارف الدينيّة التي نشأت في التجربة المسلمة؛ فهي علوم متشعّبة دقيقة مفصّلة. فإذا قلتَ: هذا ما آلت إليه هذه المعارف بالتطوّر في الخبرة المسلمة، لا في الأصل؛ أجابوك: وهل تريد القفز عن كلّ هذا التطوّر والعودة إلى الوراء؟ هل تريدنا أن نقصي هذا الإرث العظيم، فنجعله وراءنا ظهريّاً؟ ألست بذلك تدعو إلى إفقار الخبرة الدينيّة من هذه التطوّرات المتراكمة جيلاً بعد جيل؟ أليس في هذه الدعوة “سلفيّةٌ متطرّفة”؟
ما أدعو إليه ليس تجاوز الخبرة الدينيّة المتراكمة عبر العصور، بل هو تجاوز “الخبرة النخبويّة” من هذه التجربة، لصالح “الخبرة الشعبيّة العموميّة”. فانسجاماً مع وجهة نظري في كون المعارف الدينيّة معارف عموميّة، فأنا أدعو إلى الاتصال بالخبرة العموميّة في التجربة الدينيّة؛ فننتقل من “عالم الفقهاء الافتراضيّ”، إلى عالم الدين الواقعيّ. ولو نظر أي ناظر إلى ما أسّسه الفقهاء في “كتبهم”، ثمّ قارنه بما كانت عليه الخبرة العموميّة الشعبيّة، لوجد مفارقات كبيرة، تبدأ من مفهوم “الدولة”، وصولاً إلى أكثر العبادات التصاقاً بالفرد، كالدعاء مثلاً. فما معنى أن تروج بين الناس أدعية “مؤلّفة من فقهاء”، يحفظها الناس أو يقرأونها من كتب؟ أليس الدعاء لحظة أنس بالله، واتصال فرديّ خاص في جوف الليل، وفي أكثر الأماكن خصوصيّة؟
ولكنّني، في الوقت نفسه، لا أدعو إلى الانصياع للخبرة العموميّة الشعبيّة من دون محاكمة تنطلق من الواقع ومتطلباته. مع أنّني ألحظ أنّ التوتر في الخبرة العموميّة الشعبيّة ينتجُ أكثر ما ينتج، حين تتدخّل الخبرة النخويّة الفقهيّة فيها، فتحرفها عن واقعيّتها واستجاباتها لطبائع المجتمع البيئية والثقافيّة، إلى الطبائع الفقهيّة التنظيريّة. ولنا في قضية “اللباس” مثل ظاهر.
فاللباس، للرجل والمرأة، قضية مجتمعيّة اجتماعيّة في أصلها وتطوّراتها، تحكمه طبائع المجتمع بإيجابيّاته وسلبيّاته. لكنه حين تحوّل إلى قضية “دينيّة”، أصبح مظهراً من مظاهر القلق المجتمعيّ، وسبباً من أسباب الخلاف والشقاق، ومظهراً من مظاهر التشظّي المجتمعيّ. فالنساء والرجال في السياق التاريخيّ المتجسّد واقعاً، كانوا يلبسون وفق طبائع مجتمعاتهم؛ فيسترون أو يكشفون. ولم تكن الاختلافات في اللباس إلا اختلافات مجتمعيّة، لكنها تحوّلت بالخطاب الفقهيّ إلى اختلافات “دينيّة”، فأمست هذه القضية -أي “لباس المرأة” و”لباس الرجل” عند “فئة من الدعاة”- الموضوع الأثير للخطاب “الدعويّ” التوجيهيّ التحكّمي.
يؤسّس الخطاب الدينيّ النخبويّ مشروعيّته بافتراض أنّ جيل الصحابة، وهم أول من تلقى الوحي، كانوا على قدر الكفاية التامة بهذه المعارف الضروريّة بتلقائيّة فهمهم. فهم وإن لم يعلموا مصطلحات أصول الفقه والتفسير، إلا أنّهم مدركون لمضامينها، يُعملونها في فهمهم للنّص الدينيّ. فهي تشبه “النحو العربيّ”؛ فالعرب الأوائل يتقنونه ممارسة من دون الحاجة إلى مفاهيمه ومصطلحاته.
وهذا من وجهة نظري يقوم على مغالطة لا تدعمها الأدلة التاريخيّة، ولا فرضيات الاتساق في النّظر إلى الخبرة الإنسانيّة. وهو، من وجهة نظري أيضاً، “إسقاط معرفيّ”؛ فافتراض أنّ “جميع الصحابة” كانوا على قدر الوفاء بالشروط المعرفيّة التي وضعها الفقهاء لفهم خطاب النّص الدينيّ، متعذّر نظراً وواقعاً، ولا يُمكن القبول به إلا بافتراض أنّ الصحابة جميعاً كانوا نخبة معرفيّة، وهذا غير صحيح. فإذا كان الصحابة –مع تجاوز الخلاف في تعريفهم- نخبة، فمن الممكن أن يكونوا نخبة “إيمانيّة”، أيّ يتميّزون بالفضل والتصديق والبذل، لكنه لا يستلزم النخبويّة المعرفيّة، بل إنّ الوقائع تشهد أنّ جمهرة الصحابة وسعهم من الدين بعض أصول وآيات، فلماذا لا يسع النّاس بعدهم ما وسع الصحابة؟
ثم لو قرأنا “الأخبار” متجاوزين مشكلة “موثوقيّتها” الآن، فسنقع على أخبار تنبئ عن عدم معرفة بعض الصحابة بكثير ممّا يفترض الفقهاء ضرورته لفهم أحكام الدين، بل إنّنا نجدهم لا يجهدون أنفسهم بما يقول لنا الفقهاء إنّه ضروريّ لفهم الخطاب الدينيّ. فيكفي أن نتصوّر الشروط العلميّة والمنهجيّة التي يشترطها الفقهاء لمعرفة مضامين الخطاب الدينيّ، ثمّ نرى ما يستلزم ذلك واقعيّاً، لنرى أنّ الصحابة لو فعلوا ما اشترطه “الفقهاء” لما استطاعوا إنجاز شيء ممّا أنجزوه، ولكان هذا الجهد المفترض مستهلكاً أوقاتهم كلّها، وقدراتهم جميعها.
ولعلّ قائلاً يقول هنا: الصحابة أيضاً يتفاوتون؛ فمنهم الفقهاء، ومنهم مَن دون ذلك. فأقول: لا أنكر تفاوت الصحابة فهماً وفقهاً، ولا أنكره في كلّ زمان ومكان، لكن الأمر هو: أثر هذا التفاوت في الخطاب الدينيّ التكليفيّ. فإن كان هذا الأثر واجب المراعاة حين يكون الخطاب الدينيّ في الشأن العام، فهو ليس كذلك –من وجهة نظري- حين يكون في الشأن الفرديّ؛ فالفقه في هذا المستوى فرديٌّ، أي يُمكن القول إنّ “المذاهب الدينيّة في الشأن الفرديّ” هي بعدد أتباع الدين، وما كان من تحوّل لهذه الاتساعيّة وانحسار لها، إلا لسطوة “الدور العموميّ” للخطاب الدينيّ في التجربة المسلمة. ولهذا حديث آخر.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock