أفكار ومواقف

الدين والحرية

تعني الحرية في تطبيقها السياسي والعام الفصل بين ما هو مشترك للجميع وبين ما يتعلق بالحرية الفردية والمحيط الخاص، ويستهدف مثل هذا التقاسم الإجراء العادل في حق التشريع، ويستثني من ذلك النشاط الفكري الذي لا تطاله أية رقابة، والقناعات الفردية المكتسبة من حرية المعتقد، وكذلك أخلاقية الحياة المستقلة في حدود الحق العام الذي يضمن تعايش الحريات كلها.
والدين هو منظومة من الأفكار والمعتقدات مستمدة من نصوص نزلت من السماء على نبي أو أكثر لتفسير وفهم الكون والحياة والموت وما بعد الموت وتنشئ قواعد للسلوك والعلاقة مع الخالق وبين الناس، وفي ذلك تنشأ تطبيقات عامة وفي الحياة مستمدة من الدين.
كيف يمكن فهم الدين وتطبيقه في نظام سياسي قائم على فلسفة الحرية؟
الحرية والمساواة تعني أن أية قناعة روحية يجب ألا تتمتع بميزات مادية أو رمزية يسبب وجودها تمييزًا واضحًا. والمجتمع الحر هو المجتمع السياسي الذي يستطيع الجميع فيه أن يعترفوا ببعضهم بعضًا، والذي يبقى الخيار الروحي فيه شأنا خاصا، ويمكن أن يأخذ هذا الشأن الخاص بعدين: فرديا شخصيا، وجماعيا، وفي هذه الحالة فإن الجماعة التي تشكلت بحريتها لا تستطيع الادعاء بأنها تتحدث باسم المجتمع كله، ولا تحتل المحيط العام.
هكذا فإن فلسفة الحياة والمنظومة السياسية تقوم على سيادة الإرادة التي هي أساس قواعد الحياة المشتركة وقواعد الضمير والعقل الذي ينيره على حد سواء، يقول جون لوك: الحرية الكاملة هي التحرك ضمن القوانين الطبيعية وإمكانية اتخاذ القرارات الشخصية والقرارات بشأن الملكية الخاصة دون قيود، كما يريد الإنسان ودون أن يطلب هذا الإنسان الحق من أحد، ودون التبعية لإرادات الغير أيضا.
والحرية تعني أن الإنسان قادر وحده على معرفة ما يصلح وما لا يصلح في تنظيم حياته وشؤونه؛ ما يعني بالضرورة أن الناس متساوون ومؤهلون للحكم، وأنه لا حق لأحد لفهم العالم المشهود كما هو. وبما أن الإنسان لا يعرف الحقيقة المطلقة أو الصواب على نحو يقيني، أو أن ما يراه صوابًا قد يخضع للتغيير والمراجعة، فإن الأفكار والتطبيقات والتشريعات المنظمة يجب أن تظل خاضعة للمراجعة، كما يجب أن تظل الأفكار المتعددة تملك الحرية في التعبير عن نفسها، وأن تقدم نفسها بحرية حتى تظل اختيارات الناس حرة وأقرب إلى الصواب الممكن، وفي ذلك يجب أن يظل الدين محايدًا في إدارة وتنظيم الدولة والمؤسسات التعليمية؛ لأجل الحفاظ على الحريات والتعددية الدينية، والتعليم الحر والعقلاني والفكر النقدي، ولضمان حياد الدولة تجاه الاتجاهات والمذاهب الدينية تقتضي المساواة بين المواطنين عدم التمييز الإيجابي أو السلبي تجاه أحد من المواطنين بسبب معتقده الديني أو موقفه من الدين.
لقد أظهر الاشتباك مع التطرف الديني أن المواجهة هي عمليات اجتماعية واقتصادية معقدة، ففي المواجهة مع العنف والكراهية تبين أنها مواجهة مع الحالة الاجتماعية والثقافية الناشئة عن التوظيف السياسي للدين، وفي ذلك اتسعت المواجهة لتشمل المنظومة السائدة في الخطاب الديني والممتدة في المدارس والمساجد والجامعات والمؤسسات والأسواق كما الجمعيات والمجتمعات، لنجد أنفسنا في مواجهة شبكة معقدة من المصالح والطبقات والمؤسسات التي يهددها زوال العنف والتطرف. هكذا صارت المواجهة تفكيكاً لحالة اقتصادية واجتماعية راسخة ونافذة.
والحال أن وضعية الإغراق الديني التي انتجتها السياسات الدينية المحافظة أنشأت حضوراً واسعاً وعميقاً للمفاهيم والأفكار والتطبيقات الدينية في الحياة والتشريعات والمؤسسات والأسواق، لكن ضعف هذه الحالة في قوتها وهيمنتها، فالمفاهيم والحالات تتسع حتى تتطابق مع الاختفاء. وتسود وتنتصر لدرجة التطابق مع الانحسار. ذلك أنه عندما يتسع مفهوم يصير حاضراً في الفهم والتطبيق والتشريع والحياة لا يعود مميزاً أو واضحاً بسبب حضوره الطاغي والشامل فيتحول إلى غير مرئي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock