ترجمات

الدين والسياسة (3): العلمانية والعلمنة

يعارض الأصوليون الدينيون في جميع أنحاء العالم الأفكار والحركات الاجتماعية التي تحمل قيماً علمانية. وسواء كانوا يهودًا أو مسيحيين أو مسلمين، فإن الأصوليين مناهضون للتعددية لأنهم يؤمنون بتفوق الدين الحقيقي الواحد (ولكن فقط من طائفتهم الخاصة).

وبالتالي، فإن الأصوليين الدينيين يرفضون أي فكرة عن وجوب أن توفر الدولة حماية متساوية بموجب القانون لجميع الأديان أو المناهج الفلسفية.

ويميل الأصوليون الدينيون (أو المحافظون المسيحيون) كذلك إلى أن يكونوا مناهضين للنسوية لأنهم يعتقدون أن حركات تحرير المرأة من النظام الأبوي تنتهك بشكل مباشر إرادة الإله (يهوه، الله) الذي خلق الذكور والإناث لأدوار مختلفة.

وفي مجتمع يحكمه النظام الإلهي، يجب أن تخضع النساء للرجل (على سبيل المثال، هذا مكتوب بوضوح على الحائط في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية لمدينة كريتينجا في ليتوانيا بالقرب من بحر البلطيق).* *
يعارض جميع الأصوليين أيّ فكرة و/ أو حركة اجتماعية تحمل قيمًا علمانية وتروج للعلمانية والعلمنة. ويشير هذان المصطلحان إلى تراجع و/ أو تهميش الدين في الحياة العامة.

وأصبحت علمنة المجتمع أفضل فكرة للتمايز الهيكلي. في الغرب، يعود الفصل بين المؤسسات الدينية والسياسية إلى العصور القديمة المتأخرة على الأقل. والحقيقة التاريخية هي أن الدين (المسيحية في هذه الحالة) الذي نجح في ترسيخ نفسه لم يكن أصلياً بالنسبة لمضيفه السياسي، (روما)، وكان يحافظ على إدامة الشعور نفسه بأن الدولة والكنيسة، كقوتين اجتماعيتين أساسيتين، هما في كثير من الحالات متنافستين، وبذلك، في تعارُض مع بعضها بعضا.


العلمنة، بالمعنى الدقيق للكلمة، هي فصل دولة، أو أي هيئة أخرى، عن المؤسسات الدينية. تاريخياً، سيطرت في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية منذ القرن السابع عشر الآراء العلمانية، التي سعت بنجاح إلى فصل الدين (الكنيسة) عن السياسة والحياة العامة على أساس أن وجود الدولة وعملها لا يبررهما اللاهوت، وإنما بالأحرى التفكير البشري العقلاني.

ومن حيث المبدأ، أصبحت العلمنة، كفكرة وعملية process، حاصلاً للتوترات بين العلم والدين والانقسامات بين أشكال المسيحية (الغربية).

وبالنسبة للعلمانيين، أصبح من الضروري للغاية وضع الدين والكنيسة خارج دائرة الحقيقة والدحض، وتبرير سلطة الدولة من دون اللجوء إلى الافتراضات اللاهوتية المتنازع عليها. وبالتالي، في المجتمعات المسيحية العلمانية (وليس في المجتمعات الإسلامية)، تطورت فكرة وممارسة أن الخلافات والمشاكل السياسية يجب أن تحل على أسس علمانية وليس على أسس دينية.


مما لا شك فيه أن العلمنة أسهمت في إحداث تراجع في الدين التقليدي وإضعاف للأخلاقية الراسخة.

ومن هذا المنظور، فإن الأصولية الدينية تمثل احتجاجًا أخلاقيًا ضد الانحطاط والنفاق.

وبعبارة أخرى، تضطلع الأصولية الدينية بالمهمة المحورية المتمثلة في استعادة النظام “الصحيح” وإعادة تأسيس الروابط بين العالم البشري والعالم الإلهي، وبالتالي، يمكن فهم الأصولية الدينية على أنها ترياق للنسبية الأخلاقية.

وفي العديد من المجتمعات في آسيا وأفريقيا، أصبحت الأصولية الدينية جذابة لأنها تعرِض، في إطار مناهضة العلمانية، إمكانية وجود هوية سياسية غير غربية -وحتى معادية للغرب.

ويجب أن يكون واضحًا أن الأصولية الدينية ليست مجرد مسألة إيمان فقط، وإنما تنطوي على بعد سياسي معقد يحتاج إلى فهمه أيضًا.


في المجتمع المُعلمَن، من المقبول على نطاق واسع المبدأ الأساسي القائل إن الدين والسياسة يجب أن يكونا مستقلين عن بعضهما بعضا بغض النظر عن الحقيقة العمَلية المتمثلة في كون الدين (الكنيسة) ما يزال يمارس تأثيراً قوياً على السياسة اليومية بطرق عدة ومن خلال مختلف الصيغ.

ومع ذلك، نشأت المشاكل مع تشكيل الهويات الوطنية التي تأسست بشكل أساسي على الدين وتأسيس الأحزاب السياسية على الأساس نفسه (الأحزاب الديمقراطية المسيحية، وحزب الشعب الكاثوليكي في هولندا، وحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ألمانيا، إلخ).

ومن المعروف أن هناك، في العديد من الحالات في جميع أنحاء العالم، شكلا معينا من المعتقدات الدينية، الذي يكون قويًا -إن لم يكن مرتبطًا بشكل حاسم بالهوية القومية الجماعية (الكاثوليكية الرومانية في حالات البولنديين أو الكروات أو الأيرلنديين؛ أو المسيحية الأرثوذكسية في حالات الأرمن أو الصرب أو الجورجيين).


وكانت حالة الولايات المتحدة، من بين جميع الدول التي كانت المسيحية فيها هي دين غالبية السكان، فريدة من نوعها بكونها علمانية منذ بداية استقلالها في نهاية القرن الثامن عشر بفضل “التعديل الأول” للدستور.

وهناك، تتعايش المؤسسات العلمانية للدولة مع وجود معدلات ارتياد للكنيسة والإيمان الديني أعلى من أي ديمقراطية ليبرالية غربية أخرى.

وفي حالة فرنسا، أصبحت فكرة العلمنة حركة سياسية قوية منذ الثورة الفرنسية 1789-1794، وبالتالي، أصبحت الدولة الفرنسية علمانية (بما في ذلك نظام التعليم) لمعظم الوقت منذ العام 1789 فصاعداً.

ومع ذلك، في بعض الدول الغربية، ما تزال عملية العلمنة غير مكتملة بعد كما هو الحال في المملكة المتحدة.

في إنجلترا، ثمة “كنيسة إنجلترا الأنجليكانية” التي يجلس بعض أساقفتها في مجلس اللوردات (المجلس الأعلى في البرلمان)، وحيث الملكة رئيسة لكنيسة إنجلترا، لكنها في الوقت نفسه رئيسة للكنيسة الرومانية الكاثوليكية في إسكتلندا التي تختلف في معتقداتها وتنظيمها عن كنيسة إنجلترا.

ومع ذلك، يؤكد تشريع بريطاني حديث على أن التعليم الحكومي يجب أن يتضمن محتوى دينياً يجب أن يكون “مسيحيًا بشكل واسع”، وإنما ليس إسلامياً أو هندوسيًا، على سبيل المثال.


ومع ذلك، أصبحت سياسة العلمنة عنيفة للغاية في عدد من البلدان الإسلامية بعد الحرب العالمية الثانية، كما حدث في حالة إيران لدى الإطاحة بالشاه الموالي لأميركا في العام 1979، أو انهيار الحكومة الجزائرية في العام 1994، أو ظهور كل من شبكتي القاعدة و”داعش” الإرهابيتين.

وتشكل كل هذه الحالات أمثلة واضحة على احتجاج الأصوليين الإسلاميين على سياسات العلمنة.

ومع ذلك، فإن صعود الأصولية الدينية هو بالتأكيد مؤشر قوي على أن سياسة العلمنة لم تنتصر في العديد من المجتمعات في العالم الحديث والمعاصر.

الإنسانية العلمانية

الإنسانية العلمانية Secular humanism هي نوع من الفلسفة التي تدافع عن القيم الإنسانية بدلاً من القيم الدينية. وقد ظهرت في المجتمعات الغربية خلال الثمانينيات كمفهوم تبناه اليمين الجديد في نقده للمجتمع المعاصر، وحظي بقبول شعبي لدى المحافظين من خلفيات طائفية مختلفة.

وبالإنسانية العلمانية، يقصد المحافظون اعتقاد بعض الناس يعتقدون بأن البشر هم الذين يجب أن يقوموا بتحديد الأسئلة النهائية للوجود الإنساني من دون الرجوع إلى إله. ويعني مصطلح “علماني” العالم الزمني المؤقتفي مقابل عالم روحي خالد، بينما يعني مصطلح “الإنسانية” نظامًا فكريًا يهتم بالبشر، على عكس مصالح المقدس (الإله).


من وجهة نظر الإنسانيين العلمانيين، كما يؤكد المحافظون، من المتوقع أن يتغير النظام الأخلاقي للحياة البشرية بمرور الوقت من أجل تلبية الاحتياجات، والمصالح، والمعرفة الجديدة.

ومع ذلك، فإن ما يثير سخط جميع المحافظين الدينيين أو الأصوليين هو أن وجهة نظر الإنسانية العلمانية هذه تنكر وجود المطلقات الخالدة غير المتغيرة، والمعايير الأخلاقية التي يرونها على أنها معطاة من الله وواضحة في الكتاب المقدس -أو حتى في القانون الطبيعي.


وبالتالي، فإن كل هذه المعايير الأخلاقية الإلهية تشكل المرشد الحقيقي الوحيد لحياة الإنسان من أجل الحصول على الخلاص بعد الموت الجسدي.

وعلاوة على ذلك، يزعم المسيحيون المحافظون (الأصوليون) أن الإنسانيين العلمانيين، بجعلهم البشر بدلاً من الله مقياسًا للأخلاق والمعنى، يتجاهلون ببساطة الميول الشريرة في الجنس البشري، التي تتطلب أن تخضع الإنسانية لمعايير لا تكون من صنعها هي.


ربما تعززت شعبية الإنسانية العلمانية بين نشطاء حقوق الإنسان الجدد عندما أشارت إليها “المحكمة الأميركية العليا” على أنها “دين” في العام 1961.

وبالنسبة للمحافظين المسيحيين، يتم استخدام هذا البيان كحجة مفادها أن إزالة المعتقدات الدينية التقليدية من الحياة العامة تقوم على افتراض أن البشر أنفسهم يجب أن يحددوا الأسس النهائية للواقع والأخلاق، وبالتالي، فإنها ترقى إلى تأسيس دين، بما يتعارض مع “التعديل الأول” لدستور الولايات المتحدة. والإنسانية العلمانية (الدين السائد في الولايات المتحدة الأميركية المعاصرة)، مترسخة في الطبقة المتوسطة المتعلمة الصغيرة، وإنما المؤثرة، وفي وسائل الإعلام وطبقة الموظفين الحكوميين.

ويشعر خصومهم بأنها تقف ضد حريتهم في الدين والتعبير. ولهذا السبب، ناضلوا ضد الإنسانية العلمانية ومن أجل العودة إلى المعتقدات الدينية والأخلاق لتكون الأساس للإدارة العامة.

الأصولية الدينية في مقابل القيم العلمانية

يتم استخدام مصطلح الأصولية في العديد من السياقات المختلفة لغرض وصف الالتزام الصارم بمجموعة من المبادئ أو المعتقدات. وبشكل أكثر تحديدًا، تصف الأصولية الدينية النهج الذي تتبعه الجماعات الدينية التي تدعو إلى التفسير الحرفي للنصوص المقدسة الأساسية.

ويعتقد الأصوليون الدينيون أن المذاهب التي تنبثق من مثل هذه القراءات يجب أن تطبق على جميع جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ومع ذلك، يعتقد الأصوليون الدينيون أن هناك نظرة واحدة عن العالم، تخصهم وحدهم، هي الممكنة، وأنها هي الصحيحة. وبعبارات أخرى، لا مجال بالنسبة لجميع الأصوليين الدينيين للغموض أو تعدد التأويلات.


يعارض الأصوليون الدينيون في جميع أنحاء العالم الأفكار والحركات الاجتماعية التي تحمل قيماً علمانية. وسواء كانوا يهودًا أو مسيحيين أو مسلمين، فإن الأصوليين مناهضون للتعددية لأنهم يؤمنون بتفوق الدين الحقيقي الواحد (ولكن فقط من طائفتهم الخاصة).

وبالتالي، فإن الأصوليين الدينيين يرفضون أي فكرة عن وجوب أن توفر الدولة حماية متساوية بموجب القانون لجميع الأديان أو المناهج الفلسفية.

ويميل الأصوليون الدينيون (أو المحافظون المسيحيون) كذلك إلى أن يكونوا مناهضين للنسوية لأنهم يعتقدون أن حركات تحرير المرأة من النظام الأبوي تنتهك بشكل مباشر إرادة الله (يهوه، الله) الذي خلق الذكور والإناث لأدوار مختلفة.

وفي مجتمع يحكمه النظام الإلهي، يجب أن تخضع النساء للرجل (على سبيل المثال، هذا مكتوب بوضوح على الحائط في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية لمدينة كريتينجا في ليتوانيا بالقرب من بحر البلطيق).


لا يشترك الأصوليون من الطوائف المسيحية أو الإسلامية أو اليهودية في المعتقدات المحددة نفسها، لكنهم يتقاسمون جميعًا طريقة مشتركة في التفكير حول معتقداتهم الخاصة. ويمكننا هنا أن نميز سمات عدة للأصوليين الدينيين ووجهات نظرهم:

الأصوليون الدينيون انتقائيون. إنهم تقليديون بشكل انتقائي، ويختارون كتباً مقدسة معينة أو بعض النصوص التعليمية اللاهوتية من الماضي.

إنهم يصرون على أن جميع المؤمنين الحقيقيين يجب أن يناضلوا حتى الموت من أجل حماية قواعد دينهم هذه.

إن نمط تفكير الأصوليين الدينيين مستند إلى الأحكام المطلقة، لأنهم يدعون أن الحقيقة التي يعلنونها مكتملة، متسمة بالكمال، وغير قابلة للتعديل ولا في حاجة إلى الإصلاح.

الحقيقة التي ينشرونها خالية من أي خطأ.

إنهم ثنائيون لأنهم يروجون فكرة أنهم أبناء النور (الحقيقة) وأن جميع الآخرين هم أبناء الظلام (الخطيئة).

يعتقد الأصوليون الدينيون أنهم يعيشون في زمن خاص من التاريخ، عادة الأيام الأخيرة، حيث يعمل الله بطريقة جديدة بين المؤمنين الحقيقيين.

كل الأصوليين الدينيين يعارضون القيم العلمانية وسياسة فصل الدين عن الدولة.

يدعي الأصوليون بأنهم يفون فقط بالالتزامات المقدسة، على سبيل المثال، الإخلاص للأرثوذكسية (المعتقد الديني الصحيح) أو الممارسة الدينية الصحيحة (أورثوبراكسيس).


توجد الأصولية الدينية في جميع الديانات التوحيدية الثلاث الكبرى: اليهودية والمسيحية والإسلام. وبغض النظر عن الطائفة التي ينتمون إليها، فإن الأصوليين دائماً ما يتفوق عليهم في العدد المحافظون، والمعتدلون، أو الليبراليون، الذين يمارسون الدين من دون تطوير عداء تجاه “الكفار”.

وفي نطاق الحركات الأصولية الدينية، هناك ممارسة شائعة هي أن الوصول إلى المعاني الدقيقة للكتب المقدسة مقصور، في الواقع، على دائرة صغيرة من المؤوِّلين المتميزين، مثل الكهنة أو رجال الدين أو بعض القادة الدينيين الآخرين.

وبذلك، تعطي هذه الممارسة هؤلاء القادة الدينيين مستوى عاليًا من السلطة في كل من الأمور الدينية والحياة العلمانية على حد سواء.

ونتيجة لذلك، أصبح قادة الحركات الأصولية الدينية شخصيات سياسية قوية داخل مظلة حركات المعارضة، وفي بعض الحالات رؤساء دول، كما حدث في إيران بعد العام 1979.


اليوم، تميز الأصولية الدينية (الحكم وفقًا للعقيدة الدينية) بعض الحركات المسيحية في الولايات المتحدة، واليهودية الأرثوذكسية في إسرائيل، والقومية الهندوسية في الهند.

ويطلب جميع الأصوليين الدينيين من الحكومة أن تعكس قراءة حرفية لكلمة الله المقدسة كما تظهر في النصوص المقدسة.

وفي واقع الأمر، تمتع الأصوليون الهندوس لبعض الوقت بنفوذ كبير في العديد من الولايات الهندية، وكانوا حاسمين في تدمير مسجد قديم في أيوديا في ولاية أوتار براديش في العام 1992، وما تلاه من أعمال عنف اجتاحت بومباي.

وأصبح الحزب القومي الهندوسي، بهاراتيا جاناتا، الحزب السياسي الرائد في حكومة ائتلافية في نيودلهي بعد الانتخابات التي أجريت في ربيع العام 1996.

للمزيد إقرأ:

الدين والسياسة (1)

الدين وفكرة صامويل هنتنغتون عن “صراع الحضارات”: مقاربة نقدية

الدين والسياسة (3): العلمانية والعلمنة

الدين والسياسة (4): الأصولية اليهودية والأصولية المسيحية

الدين والسياسة (5): الأصولية المسيحية (2) والأصولية الإسلامية

الدين والسياسة (6): “الإخوان المسلمين” وأبناؤها الفكريون

ولاء المواطن وهويته الدينية

تثير الأصولية الدينية في بعض الحالات واحداً من الأسئلة الحاسمة: أسئلة الولاء والهوية. على سبيل المثال، يمكن توضيح صراع الولاء جيداً في حالة تفجيرات لندن في العام 2005 التي قتلت 52 من مستخدمي وسائل النقل العام، لكن الإرهابيين كانوا جميعًا مواطنين بريطانيين.

وكان الأصوليون المسيحيون التابعون لـ”جيش الرب للمقاومة” يقاتلون لفترة طويلة بشن حملات مسلحة وحشية من جنوب السودان بهدف إنشاء دولة ثيوقراطية قائمة على “الوصايا العشر” في أوغندا.

وإضافة إلى ذلك، لعبت الجماعات الأصولية الدينية اليهودية والهندوسية دورًا مهمًا في النزاعات الإقليمية الإسرائيلية-العربية والهندية-الباكستانية.


في التاريخ، من المعروف كيف يمكن للمشاعر الدينية والهوية الوطنية أن تتنازعا من أجل الأسبقية. قبل معاهدة السلام في ويستفاليا في العام 1648، كان الملوك الأوروبيون يتنافسون مع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية للحصول على الدعم الشعبي.

ومن أجل تحقيق استقلال الدولة، كان عليهم التخلص من المطالبات البابوية بحكمهم، وكسب ولاء رجال الدين الوطنيين، وأخيرًا الاستيلاء على موارد الكنيسة في مناطقهم.

وكان هذا ما فعله، على سبيل المثال، ملك إنجلترا هنري الثامن (1491-1547) في العام 1530.

ومع ذلك، كانت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية بدورها تقدم للملوك، من أجل ضمان ولائهم، الشرعية السياسية من خلال منحهم ألقاب المُلك مثل “الملوك الكاثوليك” أو”الأكثر كاثوليكية” أو “الأكثر مسيحية”.


وأصبح الوضع معقدًا في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، عندما أصبحت قضية التنصيب المثيرة للجدل حادة في أوروبا الغربية -التي تدور حول ما إذا كان الملوك العلمانيون، وخاصة “الإمبراطور الروماني المقدس”، لديهم الحق في تنصيب الأساقفة من دون موافقة الفاتيكان.

وبلغ هذا الصراع ذروته في محاكمة السلطة بين البابا غريغوري السابع والإمبراطور الألماني هنري الرابع، عندما عين الإمبراطور أسقف ميلانو بغض النظر عن الحظر البابوي. ونتيجة لذلك، البابا الإمبراطور كنسياً، حتى أُجبر في العام 1077 على القدوم إلى كانوسا ليعلن قبوله بالسيادة البابوية.

ومع ذلك، استمر الصراع بين الدولة والكنسية في أوروبا الغربية لقرون عدة من خلال إدراج الإصلاح البروتستانتي، والإصلاح المضاد للكاثوليكية الرومانية، وحرب الثلاثين عامًا 1618-1648.


مثل الأصوليين الإسلاميين الذين ناضلوا لتأسيس ثيوقراطيات إسلامية (دول يحكمها زعماء دينيون)، أسس الأصوليون البروتستانت في القرن السادس عشر العديد من الثيوقراطيات في أوروبا الغربية.

وكحقيقة تاريخية، جلب “الإصلاح الأوروبي” أشكالا عدة من الأصولية المسيحية مع الجهود المبذولة لإقامة حكم ثيوقراطي، وكذلك صورة الشهداء الراغبين التي أصبحت سمة مشتركة اليوم في الحركات والجماعات والمنظمات الإسلامية الأصولية المعاصرة.

بل إن الأكثر أهمية من ذلك هو أن “إصلاح أوروبا الغربية” تميز بالإرهاب ومكافحة الإرهاب، والحرب غير المقيدة بالاتفاقيات القانونية، والتبشير عبر-الوطني بالمبادئ الأصولية. وبالتالي، فإن الأنظمة الثيوقراطية التاريخية سبقت بقرون الثيوقراطيات المعاصرة مثل، على سبيل المثال، الحالة الإيرانية في ظل آيات الله الشيعة. (يُتبَع)

*Vladislav B. SOTIROVIC: أستاذ في جامعة العلوم الإنسانية الأوروبية، ليتوانيا. مجالاته الأكاديمية الرئيسية في التدريس والبحث هي السياسة العالمية، والعلاقات الدولية، والدراسات الأوروبية البلقانية، واللغة الصربية وفقه اللغة، والعولمة، وإدارة الجودة، والتواصل بين الثقافات، والتسويق، والدراسات الأوروبية، والديمقراطية، والنظم السياسية، والأسواق الناشئة.


*نشر هذا المقال تحت عنوان: Religion And Politics (III): Secularism & secularization

فلاديسلاف ب. سوتيروفيتش* – (أورينتال ريفيو) 5/6/2021
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock