ترجمات

الدين والسياسة (4): الأصولية اليهودية والأصولية المسيحية

في تاريخ اليهودية الحديثة، ثمة حركتان مسيحانيتان messianic لهما أنماط أصولية من الفكر اللاهوتي والممارسة السياسية: الصهاينة المتدينون واليهود المتشددون. (1)

وتُعرف المجموعة الأولى باسم غوش إيمونيم (كتلة المؤمنين)، وأفرادها موجودون بشكل أساسي في إسرائيل. والمجموعة الثانية هي في الغالب الحسيدية، والمعروفة باسم الحريديم (الذين يرتجفون أمام الله)، الذين يعيشون في مجتمعات في إسرائيل وأوروبا وأميركا الشمالية (كندا والولايات المتحدة الأميركية).

ويجب ملاحظة أن الحركتين معًا تشكلان، في الواقع، أقلية داخل الأقلية، مع الأخذ في الاعتبار العدد الإجمالي للسكان اليهود في جميع أنحاء العالم (حوالي 15 مليونًا).


من حيث المبدأ، يُعرف اليهود الأرثوذكس المتطرفون بأسماء مختلفة. وأحد أنواعهم هم اليهود الحسيدية أو الحريديم. وهذا المصطلح الأخير مأخوذ من إشعياء، وبالتالي، يصف اليهود الذين يخشون الله ويتقيدون بالوصايا الدينية.

وهم يحاولون التقيد بجميع الوصايا الـ613 (ميتزفوت) ويعتقدون أن الانزلاق الطقسي يقلل من القيمة الروحية لليهود، لكنَّ الأسوأ من ذلك هو أنه يؤخر مجيء المسيح ويوم الفداء. والحقيقة هي أنه على الرغم من أن الحريديم الإسرائيليين يعيشون في “أرض الميعاد”، فإنهم يفسرون موقفهم في إسرائيل كما لو أنهم ما يزالون يعيشون في المنفى.

وتشير التقديرات إلى أن السكان اليهود الأرثوذكس المتطرفين في إسرائيل يشكلون حوالي 4 إلى 10 في المائة من إجمالي السكان الذين يزيد عددهم قليلاً على 6 ملايين.


يركز الأصوليون اليهود في نضالهم بشكل ضيق على مجيء المسيح المنتظر بفارغ الصبر -الملك الذي أرسله الله الذي سيجلب العدالة إلى الأرض ويدمر أعداء اليهود، بمن فيهم أولئك اليهود الذين ليسوا مؤمنين حقيقيين.

ومع ذلك، تتخذ هاتان المجموعتان اليهوديتان الأصوليتان مواقف مختلفة فيما يتعلق بالعالم المعاصر، وخاصة فيما يتعلق بتأسيس دولة إسرائيل الصهيونية في العام 1948.

ويعتقد الصهاينة المتدينون أن الله ألهم اليهود العلمانيين (تيودور هرتزل، 1860-1904) لتأسيس حركة سياسية مع المهمة النهائية المتمثلة في إعادة اليهود إلى صهيون (اسم الوطن اليهودي القديم في فلسطين).

وبغض النظر عن حقيقة أن حركة هرتزل الصهيونية لم تكن متدينة بشكل واضح، فإن أعضاء “غوش إيمونيم” يعتقدون بقوة بأن جميع القادة السياسيين الصهاينة كانوا وما يزالون وكلاء للمسيح.

وكدليل على مثل هذه الخطة الإلهية، يأخذ الصهاينة المتدينون في الاعتبار إعلان تأسيس إسرائيل في أيار (مايو) 1948 على الرغم من كل الصعاب التي أعقبها انتصار مذهل لإسرائيل الصهيونية على جيرانها العرب المعادين خلال حرب الأيام الستة القصيرة في العام 1967، عندما احتلت قطاع غزة، وشبه جزيرة سيناء، ومرتفعات الجولان، والضفة الغربية لنهر الأردن.

ويشير الصهاينة المتدينون إلى تلك الأراضي بأسمائها التوراتية، “يهودا والسامرة”.


من أجل تحقيق المخطط الإلهي، مارس الصهاينة المتدينون في العام 1967 ضغوطًا سياسية هائلة على الحكومة الإسرائيلية لضم الأراضي المحتلة حديثاً، التي اعتبروها جزءًا مما تُسمى “أرض إسرائيل الكاملة” التي وعد بها الإله اليهودي، يهوه، شعبه اليهودي في “سفر التكوين”.

ومع ذلك، نشأت المشكلة الجيوسياسية بينما يطالب الفلسطينيون المحليون (المسلمون)، الذين هُجِّروا (طردوا) خلال إنشاء دولة إسرائيل الصهيونية المعاصرة في العام 1948 بالأراضي نفسها باعتبار أنها موطنهم التاريخي.

ونتيجة لذلك، أدت المطالبات اليهودية العربية المتنافسة بالأراضي نفسها التي احتلتها إسرائيل في العام 1967 إلى اندلاع الحرب الإسرائيلية العربية الجديدة في العام 1973، تلتها مواجهات عنيفة طفيفة وهجمات إرهابية خطيرة عدة بين المستوطنين اليهود الجدد في الضفة الغربية والمسلحين العرب المسلمين.


مثل جميع الأصوليين في كل أنحاء العالم، يرفض الصهاينة المتدينون اليهود أي فكرة عن التعددية الدينية، ويقسمون العالم إلى قطبين هما عالم الخير وعالم الشر.

وهم يعتقدون أن جميع اليهود لديهم “شرارة مقدسة” ويستعيدون بشكل انتقائي أكثر التعاليم المفيدة سياسيًا التي كانت لدى اليهود الأرثوذكس من الماضي (بمن فيهم فيلنا غاون -إيليا بن سليمان زلمان، 1720-1797) وما ألفه.(2)

وفي الواقع، اختار الصهاينة المتدينون أحد الالتزامات الأخلاقية اليهودية البالغ عددها 613، “استيطان الأرض”، وجعلوه الأكثر أهمية على الإطلاق.


يشكل اليهود الحسيدية، أو الحريديم، ثاني مجموعات الأصوليين اليهود. وقد عاد الكثير منهم إلى إسرائيل في القرن العشرين لكنهم لم يشاركوا في المشروع الصهيوني لأسباب مختلفة.

وعلاوة على ذلك، ينتقد اليهود الحريديون الصهيونية باعتبار أنها محاولة غير حكيمة من اليهود غير الملتزمين الذين يسعون في الواقع إلى أخذ كلمة الله بأيديهم.

وبالنسبة لليهود الحسيديين، لم يكن يهوة، وإنما الغرور الإنساني هو الذي ألهم تيودور هرتزل والرواد الآخرين في الحركة الصهيونية الحديثة.

وبالنسبة لغالبية اليهود الحسيديين، كان قيام الحركة الصهيونية العلمانية بإنشاء دولة إسرائيل، في الأساس، عملاً من أعمال التمرد ضد الله. ومن وجهة نظرهم، تدخَّل الصهاينة في العالم الإلهي من خلال التعجيل بعودة الله.

كما يؤمنون بأن إجبار المسيح على العودة بعمل بشري سيجلب عليهم غضب الله. وبشكل مختلف عن الصهاينة المتدينين الذين يرتدون الجينز أو قمصان العمل أو غيرها من الملابس المعاصرة (الغربية/ الأميركية)، يرتدي اليهود الحسيديون المعاطف السوداء الطويلة واللباس الذي كان يرتديه القرويون اليهود في بواكير أوروبا الشرقية الحديثة التي كانت موطنهم التقليدي لقرون عدة.


تصاعد التوترات

أسهمت العوامل الثقافية والسياسية والديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الإسرائيلي في زيادة التوترات بين القطاع الأرثوذكسي المتطرف وقطاع المجتمع الإسرائيلي العلماني.

صحيح، على سبيل المثال، أن الحريديم الحقيقيين مترددون ولا يمكن أن يكونوا راضين ببساطة عن كونهم سلبيين في تقليديتهم.

يجب أن يكونوا نشيطين في “صراعهم الثقافي” kulturkampf، وأن يجسدوا “الحقيقة” الدينية دائماً للأغلبية التي تغريها ملذات ومتع الثقافة المعاصرة، ويخضعون بذلك للهوى والرغبة.


يُعرف اليهود الأرثوذكس المتطرفون (الحسيديون، والليتوانيون، والبولنديون، والجاليكيون) بالتزامهم الصارم والمتشدد بمقتضيات القانون اليهودي، واليهودية الشعبية ذات الشخصية الكارزمية القائمة على الشعور، والتقوى، والروابط البشرية.

وتضم هذه المجموعة من اليهود الأرثوذكس المتطرفين الـ”ميسناغديم”، اليهود الليتوانيين الذين يعارضون تجاوزات الحسيدية ويحافظون على ارتباط صارم إلى أقصى حد بالشريعة اليهودية الحاخامية.

وبشكل أساسي، يعيش الحريديم كمنفيين أينما وجدوا، بما في ذلك إسرائيل التي هي وطنهم الديني والروحي. وهم يرفضون الانضمام إلى الجيش الإسرائيلي أو التفاعل اجتماعيًا مع الإسرائيليين الآخرين.

ومع ذلك، وعلى النقيض منهم، يخدم أعضاء الصهيونية الدينية (غوش إيمونيم) في الجيش الإسرائيلي.

ومن حيث المبدأ، يعتنق اليهود الحريديون الحداثة بطريقة انتقائية، وقد أنشأوا أحزابهم السياسية لغرض أساسي هو تسوية نزاعاتهم الداخلية.

وسعوا للاحتفاظ بامتيازاتهم في نظام دولة إسرائيل الصهيونية وتعزيز تمرير القوانين من أجل فرض الحفاظ على قدسية يوم السبت والأعراف اليهودية الأرثوذكسية الأخرى.


ومع ذلك، من حيث المبدأ، فإن الشيء الأكثر أهمية لجميع الأصوليين اليهود ليس الإيمان الصحيح في حد ذاته، ولكن بالأحرى تحقيق التقليد الديني المكتوب في الحياة العملية.

وهناك تعبير ألماني kulturreligion، يعبر بالضبط عن ضرورة تجسيد الأفكار الدينية الكتابية في الحياة اليومية. وبالتالي، فإن الأصولية اليهودية هي محاولة الأصوليين ممارسة دينهم بتقليد متصل غير منفصل، بدأ بموسى في جبل سيناء.

ويعتقد اليهود أنهم شعب الله المختار (والأعلى) -الله الذي ظهر أمام النبي موسى في جبل سيناء ليملي عليه عليه وصاياه العشر لشعبه (المختار).

وقد سميت هذه الوصايا العشر فيما بعد بـ”أسفار موسى الخمسة”، أو الكتاب المقدس القديم.


ظهرت الأرثوذكسية اليهودية المتطرفة في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر في أوروبا، كرد فعل على التغييرات والإصلاحات التي أخذت تجتاح المجتمعات اليهودية نتيجة عصر “التنوير”، ولمعارضتها.

ومع ذلك، استجابت المجتمعات اليهودية في أوروبا لاتجاهات التحديث هذه إما من خلال 1) استيعاب هذه التغييرات والتحديات عن طريق التثاقف والتفاعل مع التغييرات بينما يتم الحفاظ على قيم تقليدية معينة، أو من خلال 2) مقاومة التغيير بطرق مختلفة.

وقد اختار اليهود الحسيديون أسلوب المقاومة في محاولة لفصل أنفسهم عن الثقافة والناس والعالم الخارجي. وكان مؤسس الحركة الحسيدية هو إسرائيل بن اليعازر.

والسمة الأكثر تمييزًا للحركة الحسيدية هي أنها أدخلت عناصر روحية وكاريزمية في جهود الحفاظ على التقاليد الدينية اليهودية التي عارضها بشدة فيلنا غاون في نهاية القرن الثامن عشر.

وكان خصومهم، المسناغديم، يشددون على الارتباط بالنص المكتوب، وبالتالي يركزون ممارستهم الدينية على دراسة التلمود والتوراة.

وأسس قادتهم الروحيون سلطتهم على دراسة النصوص التوراتية، وإنما ليس على الإتيان بمعجزة أو على العمل الروحي.


تحولت حركة السفارديم الأرثوذكسية المتطرفة إلى قوة مؤثرة في القرن العشرين. وأدت الهجرة الجماعية لليهود السفارديم من أصل إسباني أو شمال أفريقي إلى إسرائيل وتعرضهم للتمييز السياسي والاجتماعي من قبل اليهود الأشكناز القادمين من وسط وشرق أوروبا، إلى دفع هذه المجموعة إلى تشكيل حركتها الدينية الخاصة. ولعل ما يجعلهم مختلفين عن الحركة المسناغدية هو أنه لا يمكن وصف السفارديم بأنهم أرثوذكس متطرفون بالكامل.

إن ما يحافظ على تماسك هذه الحركة في واقع الأمر هو مصلحة أعضائها المشتركة القائمة على خلفيتهم العرقية في مواجهة الهيمنة السياسية والاجتماعية للأشكناز في إسرائيل.


مع ذلك، يتشارك جميع الأصوليين اليهود في إسرائيل في موقفهم الثقافي المضاد للثقافة العلمانية في المجتمع الإسرائيلي.

وهم مرتبطون بشدة باليهودية المحافظة التقليدية، ولكن على وجه الخصوص بنوعها الذي يمارَس في أوروبا الشرقية. كما أنهم يرفضون فكرة حرية الفرد باعتبارها السمة الأساسية للعالم الليبرالي الحديث.

* * *

الأصولية المسيحية (1)

في أوروبا البروتستانتية، جاء الأصوليون الإصلاحيون البارزون من سويسرا: أولريش زوينغليUlrich Zwingli (1484-1531)، وجون كالفين John Calvin (1509-1564).

في زيورخ، طالب زوينغلي بوجوب أن يتأسس القانون والسياسة فقط على تأويل حرفي للكتاب المقدس، وجادل في الوقت نفسه، من حيث المبدأ، بأن الكتاب المقدس يمكن أن يكون له معنى واحد فقط وبأنه ليس متعدد المعاني.

وبالنسبة له، تتطلب القواعد الإنجيلية طاعة مطلقة. وعنى ذلك أن القوانين الأخرى لا يمكن أن تطالب بأي شيء. وأصبح جون كالفين الشخص الأكثر نفوذا بين جميع الإصلاحيين البروتستانت الذين دافعوا عن السلطات الدينية.

وكان يصر على أنه، بما أن الله هو صاحب السيادة، فإن جميع الأساقفة والحكام والقادة السياسيين الآخرين لا يمكنهم أن يطالبوا الناس بالطاعة.


وكان كالفين حاكماً لجنيف بحكم الأمر الواقع، وبذلك فرض آراءه الدينية التي دمج فيها الكنيسة بالسلطات المدنية، مؤكدًا في الوقت نفسه أن رجال الدين سوف يلعبون دورًا قياديًا في السياسة، ويستخدمون القانون لفرض أخلاق صارمة على مواطني جنيف.

وإضافة إلى ذلك، أثرت الكالفينية بشكل كبير على المستوطنين الأميركيين الأوائل من العام 1609 فصاعدًا. وعلى سبيل المثال، تم تكريس سلطة الله والسلطة العلمانية معًا في بليموت البيوريتانية وكنيستها التجمعية.


جاءت الأصولية المسيحية الحديثة، في الأساس، كرد فعل بريطاني وبروتستانتي أميركي من القرن التاسع عشر فصاعدًا على جميع أنواع القراءات الحداثية للكتاب المقدس التي كانت تتحدى الحقيقة الحرفية للأجزاء الخارقة للطبيعة والمنطوية على المعجزات من التاريخ المكتوبة في الكتاب المقدس باعتبارها جزءاً منه.

كما كان الأصوليون المسيحيون البروتستانت يحمون مكانة الكتاب المقدس باعتباره إعلانًا مباشرًا وغير قابل للتحدي لكلمة الله. ومع ذلك، فإن جميع الأصوليين المسيحيين يقاومون بشكل خاص تدريس العلوم التطورية الداروينية (النظرية) في المدارس العامة.

وهناك، على سبيل المثال، محاكمة “سكوبس مونكي” Scopes Monkey الشهيرة في تينيسي (الولايات المتحدة) في العام 1925، التي أدين فيها مدرِّس بموجب قانون الولاية الذي يحظر تدريس الداروينية.


مع ذلك، وعلى الرغم من فوز الأصوليين في هذه المحاكمة، فقد تم تصويرهم على أنهم ريفيون خُرق مؤمنون بالخرافات، وفقدوا مصداقيتهم على المستوى الوطني.

وبعد حملة ضد المرشح الرئاسي الروماني الكاثوليكي آل سميث في العام 1928، انسحب الأصوليون المسيحيون من التيار الثقافي والسياسي السائد في أميركا وأصبحوا يعيشون في نوع من الانفصالية الثقافية.


يعتقد الأصوليون المسيحيون أن الكتاب المقدس، بوضوح تام، هو دليل عملي للسياسة، والحكومة، والأعمال التجارية، والأسرة، وجميع شؤون البشرية. ويعد الأصوليون الكتاب المقدس معصومًا من الخطأ لأن محتوياته هي تعبير عن الحقيقة الإلهية.

ويؤمن الأصوليون المسيحيون بألوهية المسيح وإمكانية خلاص النفس من خلال قبول المسيح كمخلص شخصي. وهم ملتزمون بنشر رسالتهم وتحويل أولئك الذين لم يتبنوا المعتقدات نفسها بعد إلى اعتناق الدين.


كان كورتيس لي لوز Curtis Lee Laws، محرر صحيفة Baptist Watchman-Examiner، هو الذي بدأ في العام 1920 في استخدام مصطلح “أصولي” لغرض وصف المسيحيين الإنجيليين evangelical Christians في أميركا الشمالية الذين كانوا مستعدين لخوض معركة مستميتة للدفاع عن أساسيات الإيمان المسيحي.

ويجدر تذكر أن المسيحيين الإنجيليين هم بروتستانت يؤمنون بأن السلطة الوحيدة في الدين هي الكتاب المقدس، يليه الاقتناع بأن الوسيلة الوحيدة للخلاص هي تجربة تغيير الحياة التي صنعها الروح القدس من خلال الإيمان بيسوع المسيح.


منذ حوالي العام 1900، عندما ظهر الأصوليون الإنجيليون من الكنائس البروتستانتية، كانوا غاضبين لأن الأفكار والأساليب العلمانية الجديدة كانت تهدد بتشويه المعتقدات المسيحية التقليدية.

وكانت النظرية التي وضعها تشارلز داروين عن تطور الحياة عن طريق الطفرات العشوائية والانتقاء الطبيعي، في الواقع، تنكر عناية الله بخلق العالم والحفاظ عليه.

وكان رد فعل المسيحيين الإنجيليين الغاضبين من خلال إبراز معتقدات تقليدية معينة، مثل ولادة المسيح من أم عذراء، والتكفير عن خطايا البشر بالموت على الصليب،

والقيامة الجسدية، والمجيء الثاني المتوقع بالمجد. وقاموا بتحصين هذه المعتقدات بطريقة جديدة لوصف سلطة الكتاب المقدس.

وكان هذا، في الواقع، الأساس الخامس -العصمة الصارمة للكتاب المقدس التي أعطت ضمانات بأن كل شيء يتم تعليمه في الكتاب المقدس، بما في ذلك العلم، والتاريخ، والدين، هو صحيح تمامًا من دون أي قيد أو شرط.


يدعم الأصوليون المسيحيون في نضالهم ضد الداروينية، على وجه الخصوص، نظرية الخلق. وهي نظرة تقول بأن الكون وكل الأشياء الموجودة فيه من خلق الله مباشرة وليست نتيجة لعملية تطورية طويلة، على عكس نظرية التطور التي وضعها الإنجليزي تشارلز داروين.

ويأتي أصل إبراز نظرية الخلق المباشر من فترة ما بين الحربين في محاولات الأصوليين المسيحيين تمرير قوانين الدولة التي تحظر تدريس نظرية التطور في المدارس العامة.

وقد برزت نظرية الخلق بشكل أكثر تحديدًا في الستينيات عندما طلب أنصارها بوقت مساوٍ لتدريسها في المدارس. وهناك أيضًا “جمعية أبحاث الخلق” التي تدعم نشر الأبحاث في علوم الخلق.


مع ذلك، من الناحية العملية، كان الالتزام بعقيدة العصمة الصارمة يخدم غرض فصل المؤمن الحقيقي عن الإنجيلي المعتدل أو المحافظ فقط، والذي يُفترض أن الجاذبية المغرية للعلم الجديد المرموق قد جعلت قدرته على الحكم ضبابية.

وأُطلق على الأصوليين الإنجيليين لقب “الخارجون” come-outers عندما خرجوا من الطوائف الرئيسية وأنشأوا كنائسهم المستقلة لغرض العبادة بصرف النظر عن إخوتهم “المُفسَدين” الذين سقطوا في فقدان الأخلاقية.

ورداً على ذلك، أطلق الأصوليون المسيحيون حملة أخلاقية، حتى أنهم تحالفوا لبعض الوقت مع الروم الكاثوليك وغيرهم من البروتستانت لغرض سياسي هو شن حملة من أجل سن قوانين تحظر تصنيع و/ أو بيع المشروبات الكحولية في الولايات المتحدة. ومع ذلك، توج هذا الجهد بإقرار التعديل الثامن عشر الذي تم بموجبه تنفيذ الحظر في العام 1919. (يُتبع)

*Vladislav B. SOTIROVIC: أستاذ في جامعة العلوم الإنسانية الأوروبية، ليتوانيا. مجالاته الأكاديمية الرئيسية في التدريس والبحث هي السياسة العالمية، والعلاقات الدولية، والدراسات الأوروبية البلقانية، واللغة الصربية وفقه اللغة، والعولمة، وإدارة الجودة، والتواصل بين الثقافات، والتسويق، والدراسات الأوروبية، والديمقراطية، والنظم السياسية، والأسواق الناشئة.


*نشر هذا المقال تحت عنوان: Religion And Politics (IV): Jewish fundamentalism and Christian fundamentalism
هوامش:


(1) المسيحانية، هي الإيمان بالمسيح المنتظر والمنقذ والمخلص الذي سوف يأتي في آخر العالم ليخلص شعبه إسرائيل. وهذا الإيمان قائم في أوساط اليهود منذ عصور قديمة جداً، ولكنه قوي في فترات الشدة والاضطرابات التي تعرض لها اليهود في بلدان عدة من العالم، خاصة إبان الملاحقات الدينية والقومية والاجتماعية في فترات حكم اليونان وروما.

ويعتقد اليهود بوجود مسيحين؛ الأول هو المسيح بن داود والثاني هو المسيح بن يوسف، والثاني هو الذي سيسبق الأول ويبشر بقدومه إلى العالم لتهيئة الناس للخلاص. وكلما ازدادت ملاحقات اليهود تعمق الإيمان بالمسحيانية.

(2) إيليا بن شلومو زلمان كريمر، Elijah ben Shlomo Zalman Kremer المعروف باسم فيلنا غاوون أو فيلنا الإيليا، من مواليد دوقية ليتوانيا (23 نيسان (أبريل) 1720 – تشرين الأول (أكتوبر) 1797)، عالم تلمود وحاخام وقائد سابق لليهود الحاسيديم في القرون القليلة الماضية.

يشير المعنى المقصود من اسمه باللغة العبرية إلى “عبقري فيلينوس الورع”. كان واحدًا من الحكام الحاخامين الأكثر تأثيرًا في فترة العصور الوسطى.

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

فلاديسلاف ب. سوتيروفيتش* – (أورينتال ريفيو) 19/6/2021

كتب مناهضة لنظرية التطور للبيع في مكتبة في دايتون، تينيسي، خلال محاكمة سكوبس، 1925 – (المصدر)
الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock