ترجمات

الدين وفكرة صامويل هنتنغتون عن “صراع الحضارات”: مقاربة نقدية

الجزء الأول

أولا، يجب أن يُلاحَظ بوضوح أن صامويل هنتنغتون Samuel P. Huntington نفسه لم يزعم أنه خبير في الإسلام والدراسات الإسلامية.

ثانيا، لم تتوقف فكرته أو نظريته عن الصراعات الحضارية بعد الحرب الباردة على الدين في حد ذاته، لكن الحضارات، بالنسبة له، كانت قائمة في الواقع على القيم الدينية والثقافة المذهبية.

على سبيل المثال، أخذت الحضارة الكونفوشيوسية اسمها، كما يرى هنتنغتون، من التجربة الأخلاقية والسياسية الصينية القديمة تاريخيا، ولكن ليس من الدين في حد ذاته.

ومع ذلك، أقحم اختياره لمصطلح “إسلامي” صياغته لفكرة صراع الحضارات بشكل حتمي في خضم الخطاب والنقاش الدينيّين.

وهكذا، كانت الاستخدامات الدينية والانتقادات لفكرته عن صراع الحضارات موازية، لكنها نادرا ما تكون متداخلة مع الانتقادات التي يوجهها إليها علماء السياسة.


كان أحد أكثر التفسيرات معاداة للإسلام لنظرية صراع الحضارات عند هنتنغتون مرتبطا بادعائه أن الإسلام الآن -وكان دائما- دينا شريرا، معاديا للمسيحية واليهودية، وتمييزيا تجاه أتباع هاتين العقيدتين، ومُسيئا لحقوق الإنسان والنساء، ووحشيا في تشريعه القانوني.

ومع ذلك، عكس هذا النهج عقلية غالبية المؤمنين بالمسيحية واليهودية، وكذلك عقلية العديد من الأشخاص العلمانيين.

ومن المؤكد أن تفاصيل لائحة الاتهام هذه مستمدة إلى حد ما من الجدل المناهض للإسلام في العصور القديمة العظيمة.

ومع ذلك، نظرا لأن الوعي الشعبي بالإسلام كدين كان نادرا قبل 11 أيلول (سبتمبر)، فإن الكثير من التفاصيل المستخدمة لتخصيص لائحة الاتهام جاءت من العناوين الإخبارية الرئيسية الحالية حول العمليات الاستشهادية، وجرائم الشرف، ومقاومة الاستيعاب الثقافي بين الشتات والمجتمعات المسلمة، وحد السلطات الإسلامية من حريات المرأة، إلخ.

ومع ذلك، فإن التأملات العميقة، والأمثلة المضادة، والمناقشات حول أوجه القصور في الثقافة الغربية القائمة على المسيحية لم تكن لها أهمية تذكر في هذا الخطاب. في الأساس، كان من المسلم به أن فكرة صدام الحضارات لخصت بشكل خاص العلاقات بين الإسلام والغرب.


رأى العديد من القادة والأكاديميين والمشتغلين في المجال العام من اليهود والمسلمين والمسيحيين خطرا أمنيا في فكرة صامويل هنتنغتون عن صراع الحضارات، خاصة في صياغتها اللغوية نفسها، وبالتالي عملوا على تثبيط استخدامها أو محاولة ترويج صيغة بديلة.

وتم عقد العديد من المؤتمرات أو الاجتماعات العالمية التي نُظِّمت في الغالب بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، حيث تم شجب نظرية صراع الحضارات.

وكانت هناك أيضا منظمات تم إنشاؤها لغرض محدد، هو الرعاية المالية لمثل هذه الاجتماعات وما شابهها من أجل الترويج لفكرة الانسجام العالمي بين الأديان المختلفة (على سبيل المثال، المعهد الملكي للدراسات الدينية في عمان، الأردن).


ظهر مصطلح “حوار” بدلا من “صدام” أو “صراع” من اقتراح الرئيس الإيراني الأسبق، محمد خاتمي، بأن تجعل منظمة الأمم المتحدة العام 2001 عاما للحوار الحضاري.

وقد أشارت تصريحات خاتمي حول هذا الموضوع صراحة إلى تفضيله السياسي لعبارة “حوار الحضارات” بدلا من عبارة هنتنغتون “صراع الحضارات”.

واتخذت الأمم المتحدة في العام 2005 الخطوة التالية من خلال إطلاق مبادرة برئاسة رئيسي الوزراء الأسباني والتركي لتأسيس “تحالف الحضارات”.

ويقوم بعض المفكرين بتقييم نظرية هنتنغتون عن صدام الحضارات في إطار “اللاهوت السياسي”.

ما هو اللاهوت السياسي؟


اللاهوت السياسي political theology هو اهتمام مسيحي باستكشاف تداعيات اللاهوت على الحياة السياسية والفكر.

وللمصطلح نفسه، تاريخيا، قصة مضطربة، على سبيل المثال من خلال ربطه بقيام كارل شميت Carl Schmitt باختراع هتلر وظهور القومية الألمانية بشكل عام. ومع ذلك، يرتبط هذا المصطلح اليوم عادة بعمل يوهان بابتيست ميتز Johann Baptist Metz ودوروثي سول Dorothie Sölle.

وقد صيغ مصطلح “اللاهوت السياسي” في تضاد مع ما يتطلبه الأمر ليكون التركيز التقليدي للاهوت على القداسة الفردية والشخصية.

وبشكل أساسي، يسمح اللاهوت السياسي بدعم نظام افتراضي وسياسي من الأحزاب السياسية. وكان جيه. بي. ميتز يرى نزع الخصخصة من اللاهوت باعتباره المهمة الأساسية الحاسمة للدين السياسي.

في الواقع، أصبحت الأورثوبراكسيةOrthopraxy “العمل القويم” علامة على الانضباط الحقيقي أكثر من الأرثوذكسية التقليدية “الإيمان القويم” (تعني doxa في اللاتينية الإيمان).

وهكذا، تكون الروابط مع لاهوت التحرير liberation theology واضحة لأن لاهوت التحرير يهتم بالدرجة الأولى بدور اللاهوت في الانتقال من التجريد إلى الممارسة والعمل الملموس. ويمكن فهم الانحراف بالغ السلبية في اللاهوت السياسي على أنه أصولية دينية.


ما هي الأصولية الدينية؟

الأصولية الدينية، من منظور واسع، هي وصف لأولئك الذين يعودون إلى ما يعتقدون أنه الحقائق والممارسات الأساسية لدين معين.

لذلك، يمكن تطبيق الأصولية الدينية، كتعريف، على أي دين معيّن. ويمكن أن يكون أحد الأمثلة إحياء الإسلام المحافظ الذي عادة ما يفهم، من منظور الخبراء المسيحيين في الدراسات الإسلامية على الأقل، على أنه الأصولية الإسلامية.

وفي المسيحية، هناك أولئك الذين يدافعون عن الإنجيل باعتباره كتابا مقدسا ضد أي اتهامات بأنه يحتوي على أي نوع من الخطأ. وحتى نكون أكثر دقة، تشير الأصولية المسيحية الكاثوليكية الرومانية إلى رؤية المسيحيين البروتستانت المعارضين للمضامين التاريخية واللاهوتية للدراسات النقدية للكتاب المقدس.

ومع ذلك، لغرض تجنب الانطباعات السلبية عن انغلاق العقل، يفضل المسيحيون في التقليد الأصولي القديم أن يُسمّوا “الإنجيليون المحافظون” Conservative Evangelists.


وهناك المصطلح العربي “السلفية”، الذي يستخدمه المسلمون في الحالات التي يشير فيها إلى أولئك الذين يؤكدون الحقيقة الحرفية للقرآن وصلاحية تطبيق وصاياه الشرعية والطقوسية على الناس المعاصرين.


الأصولية هي شكل حديث من أشكال الدين المسيَّس الذي يحاول من خلاله من يُسمون ـ”المؤمنون الحقيقيون” مقاومة تهميش (في الواقع، علمنة) الدين في مجتمعاتهم.

ويحدد جميع الأصوليين ويعارضون وكلاء التهميش (في الواقع، العلمانيين) ويسعون في نفس الوقت إلى إعادة هيكلة العلاقات والمؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وفقا لإطار المعايير المذهبية والتعاليم الدينية التقليدية المحافظة التي يفهمونها على أنها “صحيحة”.


ومع ذلك، فإن “المؤمنين الحقيقيين” (بينما يُسمّون أنفسهم على هذا النحو) يتخذون مناهج وأساليب مختلفة في السعي لتحقيق أهدافهم المشتركة (بغض النظر عما إذا كانت دينية و/أو سياسية).


1 – البعض منهم يواجهون العلمانيين بشكل أساسي على الجبهتين الثقافية والاجتماعية من خلال إنشاء المدارس وإطلاق الصحف والمجلات الشعبية أو الأكاديمية، وتأسيس الأكاديميات العلمية والمستشفيات وما إلى ذلك، بغرض خدمة الناس الذين هم في أمس الحاجة إلى مثل هذه الخدمات وأشباهها لإقناعهم بتبني الدين.


2 – ومع ذلك، تناضل أنواع أخرى من الأصوليين الدينيين من خلال دخول الحياة السياسية عن طريق إنشاء أحزاب أو حركات سياسية، وبالتالي خوض الانتخابات السياسية.


3 – ثمة شكل أكثر ليونة من المؤسسات السياسية هو المنظمات غير الحكومية التي يتم إنشاؤها بدلا من الأحزاب السياسية الكلاسيكية. ويسعى كل هؤلاء الأصوليين، بلا شك، إلى السلطة من خلال أدوات راسخة وتقليدية على أمل تغيير المجتمع ليتوافق مع طريقتهم الأيديولوجية الخاصة.


4 – مع ذلك، ثمة نوع آخر من الأصوليين الذين ينبذون سبل حكم القانون والسياسة التقليدية ويصبحون متشددين يخوضون “جهادا مقدسا” دينيا لغرض الإطاحة بالنظام والتنظيم السياسيَّين الراسخين في بلدان معينة، أو لارتكاب أعمال إرهابية عنيفة تهدف إلى ترهيب العدو وإجباره على تقديم تنازلات لصالحهم.


مع ذلك، في الآونة الأخيرة، جمعت الحركات الأصولية ببساطة هذه الأدوار المختلفة في ملف تعريفي عام واحد. وقد أصبح ذلك واضحا تماما فيما يتعلق بقضية 11 أيلول (سبتمبر) (2001) مع الهجمات المعقدة وواسعة النطاق التي نفذها أصوليون إسلاميون تابعون لمجموعة “القاعدة” ضد مركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك والبنتاغون في واشنطن العاصمة.

ويجب ملاحظة أن الجماعات الأصولية أصبحت بالفعل لاعبا في صراع عالمي على الموارد وتقرير المصير السياسي والحكم العالمي. وهناك تلك الحركات الأصولية، وخاصة من الطائفة الإسلامية، التي تبنت استراتيجية ثلاثية تقوم على مزيج من 1) النشاط الثقافي والاجتماعي؛ 2) الدعوة السياسية والسياسة الحزبية؛ و3) العمليات العسكرية الخالصة الموجهة عادة ضد “الإمبريالية الغربية والقيم الثقافية الغربية الفاسدة”.


يجب ملاحظة أنه على الرغم من أن الأصولية من حيث المبدأ تعارض الحداثة باعتبار أنها تدمر التقاليد، فإن الأصوليين يستخدمون، مع ذلك، طرقا وأدوات وتقنيات معاصرة لنشر تعاليمهم ومعتقداتهم. إنهم يستخدمون التلفاز كوسيلة لنشر عقائدهم، أو الإنترنت، أو رسائل البريد الإلكتروني، أو المنصات الاجتماعية المختلفة (تويتر، فيسبوك، إنستغرام وما شابه)، أو أن لديهم مواقع إلكترونية خاصة بهم لعرض وجهات نظرهم.

تعريف الأصولية الدينية

ومع ذلك، يجب أن يكون واضحا أن استخدام مصطلح “أصولي” لوصف كل من يتبع واحدة على الأقل من استراتيجيات النضال المذكورة أعلاه يمكن أن يكون في كثير من الحالات مضللا في حالة عدم أخذ اعتبارات أخرى في الحُسبان.

وأحد الأمثلة الجيدة يمكن أن يكون حالة بعض القادة الدينيين المعاصرين الذين لديهم سلطة سياسية ويركزون على تعزيز العودة إلى الممارسات الدينية وأنماط الحياة من قبل المسلمين أو اليهود أو المسيحيين الذين ضلوا الطريق.

ويعتقد العديد من المتخصصين أنه سيكون من الأدق تسمية مثل هذه الأنواع من القادة أو الزعماء الدينيين –غير السياسيين في الواقع- بأنهم “إحيائيون” بدلا من “أصوليين”، وأن ننظر إلى حركاتهم على أنها تعبيرات عن إحيائية مذهبية.

وبعبارات أخرى، من الصحيح أنه ليس كل شخص يأخذ دينه على محمل الجد ويمارسه بحماس وينظم حياته/حياتها ومهنته حوله هو شخص أصولي.


على النقيض من ذلك، يرغب الأصوليون في تغيير سلوك غير المؤمنين، وكذلك سلوك المؤمنين “الخاطئين”.

ولهذا الغرض، يكافح الأصوليون من أجل تغيير الهياكل القانونية والاجتماعية للنظام والمجتمع التي تعرقل مهمتهم المتمثلة في معارضة الكفار والملحدين وتحويل غير المؤمنين إلى اعتناق الدين.

ومع ذلك، ثمة على الطرف الآخر عدد كبير جدا من الإرهابيين الحقيقيين والمحاربين الدينيين (كما يروجون أنهم كذلك) الذين ليسوا مدفوعين في الواقع بحساسيات دينية صرفة بقدر ما هم مرتزقة كلاسيكيون أو أيديولوجيون علمانيون يستغلون الحماسة الدينية لتحقيق بعض من أغراضهم غير الدينية.


إن ما هو صحيح تماما هو أن الأصوليين الحقيقيين هم في نفس الوقت دينيون وسياسيون.

وهم يتقاسمون الرأي القائل بأن الظروف العامة داخل المجتمع تتطلب منه/ منها التصرف سياسيا، بما في ذلك في كثير من الحالات استخدام أشكال النشاط العنيفة لغرض وحيد هو أداء واجباته/ واجباتها الدينية.

وربما يكون المثال الأكثر شهرة على ذلك هو حالة أسامة بن لادن -زعيم تنظيم شبكة القاعدة الأصولية السنية، الذي أصدر فتاوى (أحكام دينية في الشريعة الإسلامية) دعا فيها جميع المسلمين في جميع أنحاء العالم إلى محاربة الولايات المتحدة الأميركية، مجادلا بأن روح الإسلام (أسسه وقواعده) أصبحت في خطر.

وكان أحد الأسباب المحورية للهجمات الإرهابية اللاحقة التي شنها تنظيم القاعدة في العديد من البلدان هو أن يُظهر للمسلمين الآخرين أن معركة عالمية ضد الكفار جارية بالفعل، وأنها أصبحت مسبقا في طور الانتصار.


نشأت الأصولية الدينية المعاصرة إلى حد كبير كرد فعل على العولمة و/ أو التغريب Westernization، حيث تقوض السمات (الغربية) للتحديث تدريجيا العناصر التقليدية للحياة الاجتماعية والتقاليد المجتمعية (التي تستند عادة إلى المعايير الدينية).

وقد نشأت الأصولية الدينية للدفاع عن النظام الاجتماعي والمعتقدات التقليدية والعلاقات القائمة عليها. ويصر الأصوليون، في الواقع، على الإجابات القائمة على الإيمان والإحالات إلى الحقيقة الطقوسية.

وبعبارة أخرى، الأصولية هي تقليد يجب حمايته والدفاع عنه بطريقة تقليدية (محافظة) خالصة. وثمة حقيقة أخرى هي أن للأصولية في الممارسة العملية صلة بكيفية الدفاع عن المعتقدات وتبريرها أكثر من ارتباطها بمحتوى المعتقدات نفسها.


ثمة فهم قياسي للأصولية الدينية هو أن تكون نمطا دينيا سياسيا عابرا للثقافات للفكر والسلوك أكثر من كونها معادلا لمجموعة معينة من المعتقدات أو الطقوس أو الممارسات الدينية.

ومع ذلك، في هذه الحالة، أصبح من الواضح تماما أنه يمكن العثور على الأصوليين في أي دين ضمن إطار تاريخي، والذي له كتب مقدسة وتعاليم أساسية.

إنهم مدافعون عن تقاليد وعادات دينية تعود إلى قرون مضت بدلا من أن يكونوا مروجين لدين جديد أو عبادة تتركز حول زعيم يتمتع بشخصية كاريزمية.

وعلى الرغم من أن الأصوليين يدافعون عن معتقدات تقليدية ويعتمدون على الموارد الرمزية والتنظيمية لدينهم القديم، فإنهم ليسوا مجرد مؤمنين محافظين أو متعصبين.

وبعبارات أخرى، ليس من الضروري أن يكون المرء أصوليا إذا كان مسيحيا محافظا أو يهوديا أرثوذكسيا أو مسلما متدينا.

إن الأصوليين هم بالأحرى محافظون متشددون أو أرثوذكسيون يرون العالم ساحة معركة بين الخير المطلق والشر المطلق. وبالتالي، فإن الأصوليين هم أشخاص روحانيون، ومحاربون جسديون من وقت لآخر، والذين يعارضون غير المؤمنين و/ أو المشككين و/ أو الذين ينازعونهم داخل مجتمعهم الديني الخاص.


يمكن تعريف الأصولية من المنظور الأكثر عمومية على أنها أسلوب تفكير وتعليم يتم فيه تمييز مبادئ معينة على أنها الحقائق الأساسية التي تتمتع بسلطة مطلقة وغير قابلة للتحدي.

وغالبا ما ترتبط بالتزام شرس، وأحيانا مفرط التعصب.

وعلى المستوى الزمني، تم استخدام مصطلح الأصولية لأول مرة في المناظرات مع البروتستانتية الأميركية في أوائل القرن العشرين عندما نشر البروتستانت الإنجيليون العديد من الأعمال بين العامين 1910 و1915 تحت عنوان “الأصوليون”.

وكان الغرض النهائي من هذه الأعمال هو دعم عصمة الكتاب المقدس، أو حقيقته الحرفية، في مواجهة التفسيرات الحديثة للمسيحية. ومع ذلك، فإن مصطلح الأصولية مثير للجدل للغاية لأنه يرتبط في مفهومه الشائع بعدم المرونة، والدوغماتية، والسلطوية.

ولذلك، عادة ما يرفض أولئك الذين يوصفون بالأصوليين هذا المصطلح باعتباره تبسيطيا أو مهينا. وبدلا من ذلك، يفضلون يوصفوا بمصطلحات بديلة مثل التقليديين، والمحافظين، والإنجيليين، والإحيائيين، وما إلى ذلك.


تتميز الأصولية الدينية برفضها التمييز بين الدين والسياسة. ومع ذلك، تظل حرفية الكتاب المقدس سمة مشتركة لجميع الأصوليين الدينيين –إيمان بالحقيقة الحرفية للنصوص المقدسة، والتي تتمتع بسلطة لا ريب فيها باعتبارها كلمة الله الموحى بها.

وبالتالي، فإن حرفية النص المقدس هي أساس كل أنواع الأصولية الدينية. ومصطلح “الأصولية” نفسه مشتق من المصطلح اللاتيني fundamentum، “الأساس” أو “القاعدة”.

والفكرة الأساسية للأصولية الدينية هي أنه لا يمكن استخدام الدين في المجال الخاص فقط، بل يجب دمجه في سياسات التعبئة الشعبية والتجديد الاجتماعي بما يتماشى مع المبادئ الدينية، كنقيض للانسحاب من المجتمع العلماني الفاسد ونحو تحقيق نقاء الحياة المجتمعية القائمة على الإيمان.

أما بالنسبة للأصوليين الدينيين، فإن السياسة هي الدين، ما يعني أن المبادئ الدينية لا ينبغي أن تقتصر على الحياة الشخصية/ الخاصة، بل يُنظر إليها على أنها المبادئ المنظمة للحياة العامة.

ومع ذلك، فإن الأصولية تنشأ عادة في المجتمعات شديدة الإشكالية، لا سيما تلك التي تعاني من أزمة حقيقية أو متصورة للهوية الجماعية (المجتمع المتخيل).

وثمة ثلاثة عوامل حديثة، على وجه الخصوص، عززت التأثير الأصولي على الدين: العلمنة، والعولمة، وما بعد الكولنيالية.

في واقع الأمر، يمتاز العدد الأكبر من قادة الأصوليين الدينيين بأنهم متعلمون جيدا وليسوا أشخاصا يبدون متخلفين.

ويمكن أن يكون هؤلاء أطباء، وممرضين، ومهندسين، ومعلمين، وحتى رجال أعمال، أو أمهات/ آباء جامعيين يستخدمون أو يخترعون أدوات التكنولوجيا، والاتصالات الجماهيرية، والعلوم المعاصرة.

ومع ذلك، يشعر القادة الأصوليون المسيحيون (المحافظون) بقوة بأن المجتمعات الغربية ارتكبت خطأ فادحا عندما استبدلت الله والدين والقانون الإلهي بأسباب إنسانية ومبادئ سياسية علمانية كأساس للنظام القانوني والاجتماعي.

ومن حيث المبدأ، بالنسبة لجميع الأصوليين الدينيين، تشكل الأخلاقية والنظام الأخلاقي القائم على المبادئ الراسخة دينيا المظلة الوحيدة المقبولة لخلق -والحفاظ على- الصالح الاجتماعي والازدهار المشترك، وتقييم السلوك البشري، وإدارة المجتمع.

ومن وجهة نظر الأصوليين المسلمين، قام بفرض الأفكار والمؤسسات الليبرالية الغربية إمبرياليو أوروبا الغربية الذين استعمروا مجتمعاتهم وسيطروا عليها، وحولوا العديد من المسلمين المحليين إلى أسلوب حياتهم الغربي وقيمهم الاجتماعية “الملحدة”.


جذبت الأصولية الدينية انتباه القوى الغربية لأول مرة في العام 1979 عندما تحولت ملَكية مطلقة مؤيدة لأميركا في إيران إلى شبه ثيوقراطية شيعية مسلمة، مع وجود أحد آيات الله كزعيم ديني وسياسي أعلى لإيران والمسلمين الشيعة.

وبالنسبة للإيرانيين، فإن رجال الدين الشيعة المسلمين، الذين كانوا طوال الوقت زعماءهم الروحيين، سيكونون الآن قادتهم السياسيين أيضا.

وقد دفع صعود الأصولية الإسلامية الواقعي الأميركي، صمويل ب. هنتنغتون، إلى التحذير من احتمال حدوث صراع حضارات قادم على المستوى العالمي بين عالمين: إسلامي وغربي.

ومع ذلك، ثمة حقيقتان يجدر ذكرهما هنا: 1) تمثل الأصولية الإسلامية وأشكالها المختلفة تفسيرا مسيّسا للقرآن، والذي رفضه معظم أهل هذا الإيمان. 2) قتل الأصوليون من المسلمين أكثر ممن قتلوا من أي دين أو ثقافة أخرى. (يُتبع)

*Vladislav B. SOTIROVIC: أستاذ في جامعة العلوم الإنسانية الأوروبية، ليتوانيا. مجالاته الأكاديمية الرئيسية في التدريس والبحث هي السياسة العالمية، والعلاقات الدولية، والدراسات الأوروبية البلقانية، واللغة الصربية وفقه اللغة، والعولمة، وإدارة الجودة، والتواصل بين الثقافات، والتسويق، والدراسات الأوروبية، والديمقراطية، والنظم السياسية، والأسواق الناشئة.


*نشر هذا المقال تحت عنوان: Religion And Politics (II). Religion and S. P. Huntington’s idea of “Clash of Civilizations”: A critical approach

فلاديسلاف ب. سوتيروفيتش* – (أورينتال ريفيو) 12/5/2021
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock