تحليل إقتصادي

الديون..مدخل الأزمات الاقتصادية

محمد البشير*

عمان – شكلت المديونية قاسماً مشتركاً أعظم في الازمات المالية التي مرت بها البشرية، سواء كانت ذات علاقة بتعثر المشاريع او سقوط الدول، وفي كل ازمة من هذه الازمات كان الجميع يتحدث عن ضرورة اخذ العبر ومراعاة أسباب هذه الازمات واتخاذ القرارات والاجراءات المناسبة كمدخل للتشريعات التي يجب ان تستند عليها علاقات الانتاج والاستهلاك في مجتمع ما بعد الازمة، الا ان الحقيقة كانت غير ذلك.
إذ بعد مرور بضع سنوات من التعافي، يعود أصحاب رأس المال أو الطامحين للانتساب الى طبقة رأس المال في العبث مرة اخرى بالتشريعات على وجه الخصوص من حيث التعديل أو التحديث، بعد استهدافه من هذه التشريعات عبر تجاوزها أو الاعتداء عليها أو تطويعها ليكون تطبيقها مقتصراً على العامة من المواطنين، خاصة بعد تحالف المال والسلطة، المستثنى من تطبيق القانون وبالتحديد ما يتعلق منها بحقوق الخزينة، أو بالتغول على النفقات كمشتريات الحكومة سواء كان ذلك ذا علاقة بالاثاث، السيارات، عقارات أو كان متعلقاً بالعطاءات الحكومية على مختلف اشكالها، طرق، مدارس، مستشفيات وعيادات طبية وغيرها الكثير، حيث ضخم هذا السلوك من النفقات الجارية على حساب النفقات الرأسمالية من جهة والى الاعتماد على الضرائب والديون لتغطية هذه الاعتداءات، الفساد او النفقات من جهة اخرى مما أدى الى تكرار الازمة بعد الازمة.
ضمن السياق اعلاه نجد ان المديونية كانت سبباً رئيسياً لحدوث اهم الازمات التي مرت بالعالم الرأسمالي والتي انعكست على دول العالم المختلفة، ودفع الناس الفقراء ومتوسطي الدخل ثمناً لها.

  1. ازمة الائتمان (1772م) والتي كان سببها الرئيسي الديون الكبيرة على المالك الأكبر للبنك البريطاني (الكساندر فورديس)الذي عجز عن تسديد التزاماته للبنك والدائنين على حدٍ سواء، حيث اضطر للهروب من بريطانيا الى فرنسا وبعد ان شاع خبر تعثره وهروبه، فقد هرع أصحاب الودائع الى البنوك في بريطانيا، هولندا، فرنسا، وكثير من بنوك أوروبا مطالبين بودائعهم، وبما ان الكثير من هذه الودائع سبق ان منحت، كتسهيلات للمستثمرين والافراد، فقد عجزت البنوك من الاستجابة لطلب اصحاب هذه الودائع مما ادى الى ازمة مالية كبرى انتقلت إلى أميركا، التي يرى بعض المراقبين السياسيين، ان هذه الازمة كانت سبباً لحدوث تظاهرات (حفل شاي بوسطن) التي أدت الى استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا.
  2. ازمة الكساد العظيم (1929-1939) التي كان أحد اسبابها الرئيسية مديونية الأفراد والمنشآت بعد ان شجعت حكومة الولايات المتحدة الافراد والشركات على الاستثمار في البورصة، حيث كان الازدهار الاقتصادي بعد ان وضعت الحرب العالمية الأولى اوزارها، حيث اقبلت الشركات والافراد على القروض وانتعشت تجارة الاسهم من خلال البورصات وخاصة بورصة نيويورك وصدرت تعليمات التداول التي سمحت للمتعاملين بايداع (10 %) من قيمة أي محفظة استثمارية هدفها تداول الأسهم والسندات او المعادن على ان تغطي البنوك الفرق البالغ (90 %) من قيمة المحفظة، تشجيعاً للتداول بالاسهم والسندات والمتاجرة في المعادن والسلع الاخرى حيث تضاعفت قيمة الاسهم الى مبالغ تزيد باضعاف عن قيمتها الحقيقية.
    يعود الاقبال على التداول بالاسهم والسندات والمعادن بسبب ان عوائد الاستثمار في الاسهم كان أكبر باضعاف عن الاستثمار في أي نشاط آخر خاصة في الصناعة والزراعة.
    عرض حملة الاسهم في الأسواق المالية ما يملكون للبيع لتسديد الاقساط المستحقة عليهم للبنوك،فلم يجدوا من يشتري المعروض من هذه الاسهم، وبعد ايام معدودة على عرض الاسهم ادى ذلك الى انهيار شامل لاسهم البنوك والمنشآت المالية والصناديق والوسطاء مما أدى إلى إغلاق الشركات لابوابها، وبما ان رؤوس الأموال كانت عابرة للقارات فقد تأثرت أسواق أوروبا بهذه الازمة وانتقلت اعراضها الى أسواقها من حيث الركود وارتفاع نسبة البطالة.
    ثبت للناخبين في أوروبا ان حكومات ما بعد الحرب العالمية الاولى لم يحسنوا في ادارتهم لاقتصاد البلدان المنتصرة او المهزومة في الحرب، حيث ساهم ذلك في نجاح الحزب النازي في المانيا والفاشي في ايطاليا … الخ حيث أدت تطورات واحداث هذه الازمة حسب الكثير من المراقبين السياسيين ادت لاشتعال الحرب العالمية الثانية.
    3.الازمة الآسيوية 1997 التي بدأت في السوق المالي لتايلند تلا ذلك شمول الأزمة أسواق تايوان، اندونيسيا، هونغ كونغ، ماليزيا وسنغافورة، حيث شهدت أسواق هذه الدول تدفقاً كبيراً لرؤوس الأموال الغربية، مستثمرين في انشطة متعددة منها ما تعلق بمشروعات انتاجية، بالإضافة إلى انشاءمحافظ للتداول في الأسواق المالية في هذه البلدان، ونظراً لارتفاع أسعار الاسهم في هذه الأسواق تجلياً لعولمة المتاجرة بالاسهم ووصول أسعار الأسهم، السندات وعقود المعادن بما في ذلك النفط الى قيم غير مسبوقة.
    في هذا الوقت قررت تايلند فك ارتباط عملتها بالدولار الأميركي، هنا حدث الاضطراب وتوقف الطلب على شراء الأسهم المعروضة للبيع في هذه الأسواق، فاستحقت الاقساط على الشركات والافراد للبنوك الدائنة على وجه الخصوص، وفي غياب مشترين جدد، فقد ادى هذا الوضع إلى هبوط حاد باسعار الاسهم، رافقه تخفيض هائل للسيولة لدى البنوك مما ادى الى ازمة مالية سببها الرئيس تضخم الديون التي تراكمت على المنشآت والمتعاملين على حدٍ سواء بعد ان اصبحت كثير من الشركات الانتاجية تمتلك كثيرا من المحافظ الاستثمارية في الأسواق المالية بسبب العوائد الكبيرة للمتاجرة بالاسهم، قياساً بعوائد الاستثمار في المشاريع الانتاجية، صناعة، زراعة أو خدمات.
  3. الازمة المالية 2007-2008 التي سميت بالفقاعة العقارية حيث نشط سوق العقار ورافق ذلك اقبال على البطاقات الائتمانية، حيث بلغت اجمالي القروض الممنوحة للافراد والمنشآت ارقاماً غير مسبوقة قاربت مبلغ (200) ترليون دولار، جُلها في قروض عقارية منحت للافراد على وجه الخصوص لمدد تراوحت ما بين (20-30) عاماً، تخلل ذلك ان نشط الوسطاء العقاريين الذين تضاعفت دخولهم بعد نجاحهم في استقطاب عملاء اكثر لمنحهم القروض مقابل عمولات مجزية ادى ذلك الى مبالغة كبيرة في تقييم العقارات المقدمة كضمانات للقروض الممنوحة من البنوك والشركات العقارية بالاضافة الى شيوع سياسة الرهن العقاري درجة ثانية، ثالثة.
    بسبب حجم المعاملات العقارية فقد لجأت ادارات البنوك والشركات الى تجميع معاملات القروض واعادة بيعها الى صناديق استثمارية، تحوط، ضمان اجتماعي داخل أميركا وأوروبا وبعض دول العالم الرأسمالي حيث سميت تلك العملية بالتوريق وعندما عجز المدينون عن تسديد اقساطهم بعد استحقاق اقساط القروض لجأت الجهات المقرضة للتنفيذ على العقارات فوجدت البنوك الدائنة ان القيمة السوقية لهذه الضمانات (العقارات) لا تتجاوز نسبة (20 %) من قيمة الرهون، حيث حصلت الكارثة ووقعت الازمة والتي كانت بوابة للازمة التي نعيش والتي كان من ابرز تجلياتها تراجع نسبة النمو وارتفاع نسبة البطالة وافلاس مئات البنوك وآلاف الشركات في أميركا، أوروبا وصمودها في الصين وروسيا وغيرها، التي كانت لديها ضوابط بمنح القروض والاستثمارات في الأسواق المالية أكثر حذراً من أميركا وأوروبا، مما حال دون تأثرها بشكل مباشر من هذه الازمة.
    بعد سنوات قليلة كانت تداعيات هذه الازمة مدخلاً لحروب بالوكالة شنتها أميركا وشقيقاتها على وطننا العربي الكبير لتشغيل مصانع الاسلحة، الاغذية وغيرها من مستلزمات هذه الحروب والهدف كان انعاش اقتصادات أميركا والغرب لرفع نسبة النمو وتخفيض نسبة البطالة واستغلال موارد وطننا.
  4. كورونا 2020 الذي تحدى الحكومات الكبيرة (العظيمة) او الصغيرة وادخلها في خندق واحد بعد اغلاق مصانعها، منشآتها الخدمية سواء كانت حكومية او مهنية وحدودها الجغرافية حيث توقفت عجلة النقل براً، بحراً وجواً، فاضطربت التجارة وصوب الناس انظارهم نحو البنوك الدائنة الوحيدة للحكومات، المنشآت والافراد على حدٍ سواء حيث ارتفعت هذه المديونية للحكومات على وجه الخصوص بمبالغ غير مسبوقة وصلت الى (180) ترليون دولار وبمبلغ قريب منها مديونية القطاع الخاص واكثر، حيث تشرِد العاملين وارتفعت معدلات البطالة في بلد يعتبر الاكبر اقتصاداً في العالم بعد ان فقد ما يقارب الثلاثين مليون شخص وظائفهم واصبح العالم مهدد بالبؤس والجوع أكثر من أي وقت آخر.
    انها المديونية التي يمكن أن تكون اولاً ودائماً مفتاحاً للازدهار عندما تدار من اداة سياسية وطنية قادرة على توظيفها(المديونية) في انتاج اصول قادرة على تلبية حاجة الخزينة من الاموال لانفاقها على الخدمات خاصة في التعليم، الصحة والنقل يسبقها تشريعات ضريبية عادلة في توزيع الثروة عبر نظام ضريبي يقلص من فجوة الدخول بين الافراد والمنشآت ويخلق اماناً حقيقياً وثقة عميقة ما بين الفرد والمجتمع عبر الدولة العادلة التي يصبح فيها العدل اساس المُلك، المسكن، الملبس، الغذاء والتعليم كحق للجميع، لا يتنازع حوله الحاكم والمحكوم.
  • باحث اقتصادي

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock