تحليل إقتصادي

الديون والضرائب في منطقة اليورو

دانييل جروس*
لندن- إن الأزمة الحالية في منطقة اليورو معروفة في مختلف أنحاء العالم بوصف “أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو”. ولكن الأزمة في واقع الأمر أزمة ديون خارجية وليست أزمة ديون سيادية.
وتتجلى أهمية الديون الخارجية في حالة البرتغال: فرغم التشابه الكبير بين نسب الدين العام والعجز في البرتغال ومثيلاتها في فرنسا، فإن علاوة المخاطرة على دينها العام كانت في تزايد مستمر، إلى أن اضطرت إلى اللجوء إلى صندوق الإنقاذ الأوروبي. وهذا يعني أن المشكلة الرئيسية التي تواجه البرتغال ليست السياسة المالية، بل ارتفاع الديون (الخارجية) المستحقة على قطاعها الخاص -بنوكه ومؤسساته.
وتتضح الأهمية المحدودة للدين العام وحده في إيطاليا وبلجيكا أيضا. ذلك أن نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين أعلى كثيراً من النسبة في البرتغال، ولكن كلاهما يدفع علاوة مخاطرة أصغر كثيراً. والسبب الرئيسي وراء ذلك هو أن الديون الخارجية المستحقة على البلدين ضئيلة للغاية (بل إن بلجيكا لديها في واقع الأمر فائض في الحساب الجاري). ورغم أن نسبة الدين لدى بلجيكا أعلى من المتوسط في منطقة اليورو (عند مستوى 100% من الناتج المحلي الإجمالي تقريبا)، فإن الدولة ما تزال تدفع علاوة مخاطرة أقل من مائة نقطة أساسية -مع أنها من دون حكومة منذ أكثر من عام.
ولكن لماذا تركز الأسواق على الدين الخارجي؟ من الأسباب بطبيعة الحال أن الديون الخاصة في أوقات الأزمات تميل إلى التحول إلى ديون عامة. وعلى هذا، فإن الأسواق المالية تنظر إلى المديونية الإجمالية للدولة. ولكن من المهم أن نعرف لمن تستحق هذه الديون.
والنقطة الرئيسية هنا هي أن بلدان منطقة اليورو تحتفظ بسلطاتها الضريبية الكاملة، وهو ما يسفر عن نتيجة طبيعية بسيطة بالنسبة لدولة ذات ديون عامة مرتفعة ولكن من دون ديون خارجية: إذ يحتفظ سكانها بديونها العامة، وبوسع الحكومة دوماً أن تسدد أقساط الدين بالاستعانة بشكل ما من أشكال الضريبة الشاملة (ولنقل ضريبة الثروة).
على سبيل المثال، تستطيع حكومة أي دولة كهذه أن تستن ببساطة قانونا يفرض على كل حامل لسندات الحكومة بدفع ضريبة تعادل 50% من القيمة الاسمية للسندات. وبهذا تتقلص قيمة الدين العام إلى النصف، على النحو نفسه الذي قد نشهده إذا أمرت الحكومة البنك المركزي بمضاعفة المعروض من النقود، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفة الأسعار.
وقد تختلف طبيعة الضريبة المطلوبة لسداد الديون العامة إذا احتفظت البنوك بالديون العامة، وذلك لأن الحكومة في هذه الحالة سوف تضطر إلى فرض ضريبة على أصحاب الودائع المصرفية. ولكن النقطة الرئيسية تظل قائمة: فما دامت الحكومة محتفظة بسلطتها الضريبية الكاملة، فسوف يكون بوسعها دوماً أن تسدد ديونها الداخلية، حتى في غياب القدرة على طباعة النقود. ولكن هذه ليست الحال إذا كان الدين مستحقاً لأجانب، وذلك لأن الحكومة لا تستطيع أن تفرض ضرائب عليهم.
ومن ثم، فإن الديون الخارجية هي التي تشكل المشكلة الأساسية بالنسبة لدولة ذات سيادة تعاني من قضايا خاصة بالقدرة على سداد ديونها. (وتشكل الولايات المتحدة الاستثناء لهذه القاعدة، فهي تتمتع بما أسماه شارل ديجول “الامتياز الباهظ” المتمثل في تقويم ديونها الخارجية بعملتها المحلية).
وتزداد الأمور تعقيداً إذا امتلك مقيمون أجانب قسماً كبيراً من الديون العامة لأي دولة، وامتلك سكانها في الوقت نفسه أصولاً خارجية ضخمة. وفي هذه الحالة، فإن الحكومة تواجه الإغراء المتمثل في التخلف عن سداد ديونها الخارجية، في حين يظل بوسع مواطنيها أن يتمتعوا بعائدات أصولهم الخارجية. وكلما ازدادت صعوبة قيام الحكومة بفرض ضريبة على الأصول الخارجية المملوكة لسكانها، زادت حدة هذا الإغراء. ولكن حتى في هذه الحالة، لا بد أن تكون الحكومة قادرة على سداد أقساط الديون إذا تمكنت على نحو ما من حث مواطنيها على بيع أصولهم الخارجية وشراء السندات الحكومية المحلية بدلاً منها.
ولقد تجلت أهمية هذه النقطة في العام 2001 في الأرجنتين، التي لم يكن صافي دينها الخارجي كبيرا. إذ كان القطاع الخاص يمتلك أصولاً خارجية ضخمة، في حين كانت الحكومة تحتفظ بالقدر نفسه من الديون الخارجية. ورغم ذلك أفلست الأرجنتين؛ لأن أثرياءها أخرجوا أصولهم خفية من البلاد، وبالتالي بعيداً عن منال الحكومة، في حين رفض فقراء الأرجنتين سداد الضرائب المطلوبة لتلبية مطالبات الدائنين الأجانب.
ومن ناحية أخرى، عندما لا تحتفظ الأسر بالأصول الأجنبية لدى دولة ما، بل تحتفظ بها مؤسسات مثل صناديق التقاعد، فإن هذا يعني إمكانية تحديدها وإخضاعها للضريبة. وهذه هي الحال في أوروبا غالبا.
ويشير هذا التحليل إلى أن إجراء “الاختلال المفرط في توازن الحساب الجاري” الذي من المفترض أن يتم العمل به في إطار الإصلاح الجاري للحوكمة في منطقة اليورو يسير في الاتجاه الصحيح. ولكنه يعني أيضاً أن التركيز الضيق الأفق من جانب الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي على التكيف المالي في المحيط الخارجي للاتحاد الأوروبي مضلل إلى حد كبير.
وفي اليونان، يُعَد التكيف المالي قضية أساسية بطبيعية الحال. ولكن بالنسبة للبرتغال، فإن المشكلة الرئيسية تتلخص في استمرار العجز الخارجي في القطاع الخاص. وتختلف حالة أيرلندا مرة أخرى، وذلك لأن ديونها الخارجية ضئيلة للغاية ومن المتوقع في القريب العاجل أن يصبح لديها فائض في الحساب الجاري. وآنئذ، لن تصبح حكومتها في احتياج إلى التمويل الخارجي، شريطة أن تتمكن من تعبئة مدخرات مواطنيها. وكما يتبين لنا من تجربة لاتفيا، فإن علاوة المخاطرة من الممكن أن تهبط بسرعة إذا حدث ذلك.
نستطيع أن نقول باختصار إن التكيف المالي ضروري ولكنه غير كاف للإفلات من أزمة الديون. ولا يقل أهمية عن التكيف المالي لتعزيز المدخرات المحلية، وتشجيع المواطنين على شراء سندات حكومتهم بدلاً من الاحتفاظ بأموالهم في الخارج.

*مدير مركز دراسات السياسة الأوروبية.
*خاص بـ”الغد” بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت 2011.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock