تحليل إقتصادي

الذكاء الاصطناعي وسياقه التاريخي

بلال خالد الحفناوي

ارتبط الذكاء منذ الأزل بعقل الانسان، حيث ميّز الله سبحانه وتعالى البشر عن باقي المخلوقات بالذكاء الذي يمنحهم القدرة على التطوّر والتفكير والإبداع، وهناك عددٌ متنوّع من أشكال الذكاء المميزة التي يمتلكها كلُّ فرد بدرجات متفاوتة وطرق مختلفة ترتبط بطريقة فهم الإنسان للمعطيات المختلفة، وإدراكه لماهيّة الأشياء من حوله، وقدرته على إتقان عدد من المهارات المتنوّعة.
ومع تطوّر العلوم والتقدّم بالتقنية، اتجه الإنسان نحو الآلة للاستفادة منها في مساعدته على إنجاز المهام على نحو أكثر إتقاناً وسرعةً ومرونة، وصارت التحسينات تجري على الآلات باستمرار بحيث لم تعد تقتصر على إتمام الأعمال على نحو روتيني، بل صارت تكتسب صفة الذكاء على نحو يحاول أن يحاكي القدرات الذهنية الفريدة عند الإنسان، وهو ما اصطلح العلماء والمختصون على تسميته بالذكاء الاصطناعي Artificial intelligence الذي يسمى اختصاراً (AI) ويعرّف بوصفه فرعاً من فروع علوم الحاسوب يسعى إلى تكرار أو محاكاة الذكاء البشري في آلة ما، بحيث يمكن لهذه الآلة أداء المهمات التي كانت تتطلّب استخدام أحد أنماط الذكاء البشري لإنجازها.
وتتضمن أنظمة الذكاء الاصطناعي بعض الوظائف القابلة للبرمجة مثل التخطيط والتعلّم والتفكير وحل المشكلات واتخاذ القرارات ببعض المجالات. ويتم تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي بواسطة خوارزميات باستخدام تقنيات مثل التعلم الآلي والتعلم العميق، حيث تعمل خوارزميات التعلّم الآلي على تغذية بيانات الكومبيوتر لأنظمة الذكاء الاصطناعي وذلك باستخدام تقنيات إحصائية لتمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من التعلم الآلي. ويتم تحسين أداء أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل تدريجي دون الحاجة إلى البرمجة للقيام بذلك.
قام أول عمل جوهري في مجال الذكاء الاصطناعي على يد عالم المنطق ورائد الكومبيوتر البريطاني آلان تورينج وذلك في منتصف القرن العشرين حين أجرى ما سمّي بـ «اختبارتورينج» وهو طريقة للتحقيق في الذكاء الاصطناعي لتحديد ما إذا كان الكمبيوتر قادرًا على التفكير كإنسان أم لا. كما ناقش تورينج كيف يمكن لأجهزة الحاسوب التعلم من التجربة وكذلك حل المشكلات الجديدة من خلال استخدام المبادئ التوجيهية وهي عملية تعرف الآن باسم حل المشكلات التجريبية (heuristic problem solving). ويعدّ تورينج، إضافة إلى كلّ من مارفن مينسكي، ولايسن نيويل، وهربرت سايمون، وجون مكارثي الآباءَ المؤسسين للذكاء الصناعي.
أما صياغةُ مصطلح « الذكاء الصناعي» على هذا النحو فكانت في عام 1955 حين تقدمت مجموعة من العلماء بطلب إقامة مؤتمر إلى إدارة كليّة دارتموث في الولايات المتحدة الأميركية، حيث جاء في الطلب المقّدم للإدارة ما نصّه:» نقترح أن يقوم عشرة أشخاص بدراسة الذكاء الاصطناعي لمدة شهرين صيف العام 1956 في كلية دارتموث بهانوفر، نيوهامبشير» وكانت تلك هي المرة الأولى التي يُستخدم فيها مصطلح الذكاء الاصطناعي على نحو مباشر، وشكّل ذلك المؤتمر الانطلاقة الحقيقية لأبحاث الذكاء الصناعي المتخصصة، وقاد العلماء الذين شاركوا فيه الأبحاثَ في هذا المجال خلال السنوات التالية.
وفيما تتسارعُ الأبحاث والدراسات التي تجري في نطاق الذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن، فإنّ العلماء بالمجمل يقفون موقفين رئيسيين من التطوّرات التي تحصل في هذا المجال، حيث يتم على إثر ذلك تداول وجهتي نظر متباينتين الأولى تصدرُ عن موقف تشاؤمي يستند إلى الخوف من المستقبل الذي قد تتجاوز به حدودُ الذكاء الاصطناعي قدرة البشر على السيطرة على الآلات الذكية، ما يجعلُ الروبوتات القاتلة فائقة الذكاء تسيطر على العالم، إما بالقضاء على الجنس البشري أو استعباد البشرية جمعاء، كما هو موضح في العديد من روايات الخيال العلمي.
أما وجهة النظر الثانية فتتنبأ بمستقبل أكثر تفاؤلاً، بحيث يعمل البشر والروبوتات معًا، ويستخدم البشر الذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز تجربة حياتهم، حيث إن أدوات الذكاء الاصطناعي لها بالفعل تأثير كبير على الطريقة التي ندير بها أعمالنا في جميع أنحاء العالم، وإكمال المهام بسرعة وكفاءة لم يكونا من قبل متاحين للبشر. ومع ذلك، فإن العواطف البشرية والإبداع أشياء خاصة وفريدة بشكل لا يصدق، ومن الصعب للغاية أو من المستحيل اكتساب الآلة لتلك العواطف كونها تفتقد لجوهر الإنسان وهو الروح، لذلك فان من الافضل مستقبلا وجود نظام يعمل فيه البشر والروبوتات معًا لتحقيق الغاية المنشودة.
*متخصص بقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
43 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock