صحافة عبرية

الذهب المغطى بالقمامة

هآرتس

إريك ديامنت

آفي غباي حطم أرقام الخضوع عندما أعاد تدوير مقولة بنيامين نتنياهو التحريضية، “اليسار نسي ماذا يعني أن نكون يهودا”. وبهذا ضمن مكانة لحزب العمل كفرقة غناء فاشلة في إسرائيل.
في الحقيقة، صحيح أن اليسار ابتعد عن اليهودية، لكنه لم ينس سبب ذلك، وكذلك ليس من الواضح تماما من الذي ابتعد عن الآخر. جدتي المتوفية، التي فقدت في الكارثة والديها وابنتها الطفلة وثمانية من اخوتها التسعة، اعتادت القول إنها ليست هي التي تركت الله، لكن الله هو الذي تخلى عنها. هذه هي نقطة الانطلاق لكثير من العلمانيين الذين جاءوا من أوروبا. من الافضل أن يعترف أي نقاش حول محاولة تقريب سكان إسرائيل من اليهودية، بشرخ الثقة العميق الذي مر به ملايين اليهود في الكارثة.
لقد مرت 70 سنة على الكارثة والخالق لم يقدم أي تفسيرات، لكن إذا تجاهلنا الماضي ونظرنا إلى اليهودية كما هي الآن، فليس هناك مناص من القول إن اليهودية المؤسساتية في دولة إسرائيل بمختلف زعمائها وعاداتها وارتباطها المرضي بأجهزة الحكم، هي دين بدائي، عنصري، شوفيني وشرير.
بدائي لأن الطقس الاول الذي يمر به الولد اليهودي يتضمن قطع جزء من جسمه في اليوم الثامن من عمره.
وبدائي لأنه بعد مئات السنين على الثورة الفكرية التي وضعت الانسان في المركز، ورأت في البحث كوسيلة اساسية لتحسين وضعه، فان اليهودي مأمور بالخضوع للخالق والتقاليد والقوانين التي كتبت على يد مجهول باسم الله قبل ثلاثة آلاف سنة.
وبدائي لأن اليهودية الارثوذكسية ترفض كل ذكاء روحاني مصدره في ديانة اخرى، أو حتى في يهودية غير ارثوذكسية. الحاخام عوفاديا يوسف الذي اعتبر في حينه منارة كبيرة، لم يعرف أي شيء تقريبا عن العالم خارج ساحته، وكان يسقط في مرات كثيرة ضحية لاحتكار نشطاء محتالين في حزبه.
وعنصري لأن العنصري فقط هو الذي يستطيع الادعاء بأنه ابن الشعب المختار، التعالي على الشعوب الاخرى واحتلال أرضهم وطردهم وتفجير اطفالهم، والسماح لنفسه بأخذ نسائهم – كل ذلك بزعم أنهم أقل قدرا.
وشوفيني لأنه ماذا سنسمي مجتمع تقوم فيه النساء بإعالة الرجال، والمرأة فيه هي ملك لزوجها، والتي من واجبها أن تحمل له وتلد له اطفال بلا تقييد، ولا تستطيع الانفصال عنه دون موافقة رجل آخر؟ مجتمع يحظر على المرأة فيه أن تمشي بملابس مريحة لها حتى لا تثير نزوات الرجال؟ مجتمع فيه 100 في المئة من الممثلين في البرلمان هم من الرجال؟.
وشرير لأن من يدعو لطرد لاجئين من دولة إسرائيل لأنهم غير يهود، هو شرير. وهو لا يدرك المعاناة التي يتسبب بها الطرد، وكذلك هذه المعاناة لا تعنيه. الحاخام الذي يقول إن المثليين هم مرضى هو شرير. فهو لم يحاول في أي يوم أن يضع نفسه في مكان صديقه، وأيضا هذا لا يهمه.
وشرير لأنه تحول من اطار روحي إلى فأس للحفر به، إلى أداة يستخدمها الانتهازيون مثل غباي لمناطحة مجموعات كاملة من السكان ولطرد سيئي الحظ إلى مستقبل مجهول في دول متخلفة. كثير من الألم والمعاناة يحدث بسبب اليهودية وباسمها، وشخص اخلاقي لا يمكنه تجاهل ذلك.
اليهودية هي من المشاريع الثقافية والروحية المؤثرة في تاريخ الانسانية. اجيال من الحكمة والرحمة تتجسد فيها. والآن أيضا يوجد فيها اشخاص مثاليين. ولكن الذهب الذي يوجد في هذه العربة مغطى بكثير من القمامة، لهذا فان اليسار يبتعد عنها.
نحن لم ننس أن نكون يهود – زعماء اليهودية المؤسساتية في إسرائيل في جيلنا، هم الذين نسوا أن يكونوا بشر. اليهودية السائدة في إسرائيل أجبرتنا على الاختيار بين الاخلاقي والرحمة وبين يهوديتنا، بين مكانتنا كمواطنين في العالم المتنور وبين أن نكون رعايا لأرثوذكسية عنصرية، منغلقة وظلامية. وعندها قمنا بالاختيار.
بدون أن يكون لنا خيار تنازلنا عن تقليد قديم، وبدأنا بملء عربتنا من جديد تدريجيا ببضاعة افضل. ليس الخضوع هو الذي يرسم طريقنا الروحية، بل الاختيار، وقوتنا ليست بالقمع بل بالحرية.
لقد استبدلنا احتقار الاغيار بحب الاستطلاع والرغبة في التعلم منهم. التعالي استبدلناه بالمساواة، والكراهية والتحريض استبدلناها بالانفتاح وحب الانسان.
ليس بارادتنا، بل بانعدام البديل، تنازلنا عن الدين. حسب رأينا، ورقة التين اليهودية أصغر من أن تغطي الظلم الذي وقع باسمها، لكن هذه الورقة ربما تكون كافية لغباي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock