أفكار ومواقف

الذي يبتسم للحياة

 


لم أكن أسأل عن صحتك، لأني موقن تماما، أنك بخير، وجيد، وأن رام الله التي تعلقت بك، كانت تبعث لنا برسائلك غير المشفرة كل يوم، وكنت تهمس: أنا في غاية الامتنان للحياة، لأنها تملؤني بها.


ومن شرفتك، كنت أطل عليك، أقرؤك، أبتسم لأنك تحيل الكلمات الى وطن صغير، نستطيع ان نجلس على مصاطبه وقتا أطول، وأن نضحك، وان نتذوق طعم المرارة فيه، من دون ألم، وأن نبكي كالبشر العاديين، نازعين عن اكتافنا ريش الملائكة، وأن نعود إلى أصواتنا المبحوحة وهي تصهل في براري التيه، لنردد معا بيت شعر، وأحيانا، كنا نسترخي في سخرياتك المشغولة بمهارة قناص بارع في التصويب.


كنت تخفي ما أنت فيه من ألم عنا، كأنك تحتمي بيقظة الساخر، ساحرا، ومليئا بالمودة والسهوب الندية، والصداقات التي لا تنتهي لمجرد نقاش أو خلاف في الرأي، أو اعتراض على لحظة تخالفها تماما.


“يا ذيب”: الكلمات نائمة، وأنت شجر معلق في حضنها، مسكون بذهابك الشقي إلى عمر طويل من الترحال، والشهقات الحارقة، وستظل هكذا، معلقا بين السماء والطارق. 


كان عليك ان تنتظر قليلا، لأنني كنت اريد أن أودعك، وكما مازحتك ذات مساء، فإني أعد مراثي لاصدقائي الاحياء، وحين ينتقلون الى ضوضائهم الجديدة، أعلنها، ليقرأونها بعد تحليقهم.


ولانك تضحك، وتبتسم دائما، ولا تخل بمواقيت محبتك للآخرين، فقد استعنت بحدوسي، التي قالت لي إنك ستبقى بيننا لوقت طويل، وربما ظننت، أنك لن تغيب، وأن مرثيتك لن تكون جاهزة قريبا كما طلبت.


كنت أصغي لك، وانت تنثال بأحاديثك عن الضفة، وتعيد علينا بعض التفاصيل التي لم تصل في الرسائل والمكاتيب التي دائما تتأخر، فتمنح الوقت فرصة لأن يعلن عن لقاء جديد، أثناء زياراتك المتصلة إلى عمان، وإربد، لنكمل بقية الحديث.


وحين تغيب طويلا، اتفقد هاتفك، أرن عليك، ظانا أنك في رام الله، فيأتيني صوتك: كنت سأتصل بك، اليوم وصلت، وذات صباح، قلت له: دائما أنت تصل، وموجود في عمان، أين رام الله، فيضحك: الطريق ليست طويلة بينها وبين عمان، الطريق بينهما أقرب من البطين الأيسر للأيمن.


ثم، ألا تريد أن نلتقي، ويعدد أسماء من هو على موعد معهم، وكأن الوقت كان يركض معه، ويفسح له أن يلتقي بكل هؤلاء.   


.. وفي غفلة من لحظة باهتة، كانت السماء قاتمة، على غير عادتها، رن هاتفي: عايد عمرو، قلت: ما به : صمت الهاتف، وأنا صمت وضجيج الكلمات صمت. كأن ريحا خفيفة، تمر، تضرب الغياب في هذه اللحظة، لتخبرني أن شهيدا آخر من المبتسمين للحياة، يتركنا للكآبة. 


[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock