أفكار ومواقف

الرأي والدستور.. رمزان!

كل إنسان في هذا البلد، تعود منذ نعومة أظافره، على أن يحتفظ بأشياء، مهما كانت بسيطة، فقط لأنها من شخص يكن له الحب والاحترام والتقدير، فلا يكاد يخلو بيت أردني، من قطعة من هذا القبيل، حتى لو كانت عبارة عن كرسي مصنوع من “الخيش”.
وعند سؤال الأردني، عن مدى اهتمامه بتلك القطعة والاحتفاظ بها، رغم مرور عقود عديدة عليها، وقد يكون ثمنها قليلا.. ستكون الإجابة بأنها من “رائحة” أب أو أم أو جد أو جدة.. إجابة بسيطة جدًا، لكنها عميقة، لها معان عظيمة، تدل على التمسك بالاحتفاظ بإرث، بالنسبة له “رمز”، وإن كانت بنظر آخرين أقل من عادية، أو يعتبرها البعض “جهلا”، أو تشبثا بأشياء أكل الدهر عليها وشرب!.
تلك كلمات، اخترتها، لتكون مدخلًا لتسليط الضوء على قضيتي صحيفتي الرأي والدستور، التي نحبهما ونعتز بهما، واللتين تواجهان أزمة مالية خانقة، تُهدد بقائهما.
مصير مجهول، صفته السواد الحالك، ينتظر الزملاء العاملين في تلك الصحيفتين، الذين أفنوا أفضل أيام أعمارهم بين أروقتهما، يستنشقون رائحة الورق والحبر، رغم ما فيهما من آثار سلبية على صحتهم.. فالصحيفة كانت بالنسبة لهم بالمرتبة الثانية، مقدمين تقدم وازدهار صحيفتهما، حتى لو كان على حساب صحتهم، والبُعد عن أسرهم.
لوثة في تفكيره ودماغه، كل من لا يُريد أن يرى، رغم كل الوضوح، بأن هناك طريقة ممنهجة لتدمير الصحف الورقية، بطريقة أو أخرى، وبالتالي قذف زملاء لنا وعاملين وموظفين، وأسرهم، إلى قارعة الطريق، واصطفافهم إلى جانب العاطلين عن العمل، وما أكثرهم في بلدي، مع ما يترتب على ذلك من إمكانية زج الكثير منهم في السجون، جراء مطالبات مالية وديون ستتراكم عليهم، إما بسبب أقساط بنكية أو بدل إيجار شقة، تراكم وسيتراكم عليهم لأشهر.
وقصير نظر، من يظن بأن كل ذلك، تم منذ فترة وجيزة فقط، وإنما مُخطط له منذ أعوام، كانت الحكومات المتعاقبة السبب الرئيس في ذلك.. تلك الحكومات التي لم تُقيم وزنًا، للصحافة والعاملين فيها، وخصوصًا الصحفيين.
سأكرر كلامًا، قيل مئات المرات، لقد كانت الصحافة دومًا، تؤدي رسالتها، بكل قوة، في الدفاع عن الوطن والمواطن، وكشف الحقائق وقضايا الفساد، ناهيك عن القضايا الاجتماعية والإنسانية، وقبل كل ذلك كانت تُدافع عن قرارات وإجراءات حكومية، بعضها كان فيه جورًا على المواطن.
حاقد وحاسد، من لم ينظر إلى صحيفة الرأي، التي تأسست في العام 1971، بأنها رمز في هذا الوطن، كيف لا؟، ومؤسسها هو رئيس الوزراء الأسبق الشهيد وصفي التل.. وعندما يُذكر وصفي، فأتوقع أن كل الكلمات تعجز عن إعطائه حقه، فهو رمز وأسس رمز.
وحاقد وحاسد، أيضًا، من يُظن بأن صحيفة الدستور، التي تأسست العام 1967، ليست رمزًا، كيف لا؟، وقد كانت وستبقى امتدادا لإرث أردني عربي قومي إسلامي، مرتبط ارتباطا وثيقا بالقدس المحتلة، فقد تأسست هناك بالأرض المغتصبة من قبل الصهاينة، نتيجة اندماج صحيفتي “فلسطين” و”المنار”، اللتين كانتا تصدران في فلسطين المحتلة.
إذا كانت قطعة أثاث، نحتفظ بها، لا بل نُجلها ونُقدسها، فقط لأنها من أحد آبائنا، وتُذكرنا بهم، فلماذا لا يتم المحافظة على مؤسسات وطنية، تُعتبر أهم الأشياء التي نمتلكها، وأحد الشهود الرئيسة على دولتنا، فهي على الأقل تُذكرنا برجال كانوا صادقين في حب الوطن والانتماء له والإخلاص إليه.
مسيرة طويلة لهاتين الصحيفتين، ساهمتا بإثراء الحياة السياسية والثقافية والفكرية، تستحقان فعلا، كما باقي الصحف، دعما ماليا حكوميا، بلا شروط.. ففي مثل هذه الحالات لا يجب النظر بمقياس ربح وخسارة.
بقي نقطة يجب أن أتطرق إليها، من باب الأمانة الموضوعية.. فللأسف، هناك تراجع للإعلام والصحافة، وما تطرحه بعضها من مواضيع لا تهم الكثير من أبناء الشعب الأردني، وكذلك عدم مواكبتها للتطور التكنولوجي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock