;
أخبار عربية ودولية

الربيع العربي والسلام في “كازينو العولمة”

الدكتورعبدالحي زلوم*

عمان – عن انقلابات موديل القرن الواحد والعشرين كتب إيان ترينور في صحيفة الغارديان اللندنية في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2004: “إن عملية هندسة الديمقراطية (الانقلابات) بواسطة صناديق الاقتراع واثارة الاضطرابات الشعبية قد تطور بطريقة علمية، بحيث إن الاساليب قد نضجت الى درجة أصبح السيطرة على نتائجها ممكناً. حل ذلك محل
انقلابات.
الحركات التي ترعاها الولايات المتحدة أو التي تُجيرّها لمصلحتها كانت بداياتها الحديثة في “ربيع براغ” – ذلك الانفتاح لدولة تشكوسلوفاكيا الذي مثل خروجاً عن سياسات الاتحاد السوفيتي الاقتصادية والسياسية – وتوالت تسمية الحركات الشعبية العفوية أو الموجهة بأسماء الفصول أو إعطائها لوناً من ألوان “قوس قزح”.
كان هناك “ثورة الارز” اللبنانية – اعطيت هذا الاسم من قبل وكيلة وزارة الخارجية الاميركية للشؤون العالمية بولا دوبريانسكي – في مؤتمر صحفي، وذلك لايجاد رابط بينها وبين “الثورة الوردية” أميركية الصنع في جورجيا، أو اختها “الثورة البرتقالية” والتي أطلقت على الثورة في أوكرانيا، أو “الثورة البنفسجية” والتي أطلق اسمها جورج دبليوبوش على احتلاله للعراق سنة 2003.
تقوم الوكالات الاستخبارية الغربية مستعينة بالاقمار الصناعية وبتدريب فئة قليلة من مواطني الدول تحت ستار التدريب على الديمقراطية، ويتم استخدامهم في توجيه الجماهير الغاضبة لحظة بلحظة وبواسطة الهواتف النقالة ومعرفة مواقعهم بواسطة “حي بي أس” وتوجيههم من موقع إلى آخر.
النخب تحكم نيابة عن الغرب
خلّف الاستعمار وراءه نُخباً من أهالي مستعمراته تم إرضاعُهم بحليبه وثقافته ومن ثم تم برمجتهم، وتهيئتهم لتحكم هذه النخب نيابة عن الغرب، يساعدهم في ذلك محافل ومؤسسات سرية أو شبه سرية رعاها وبناها المستعمر إبان حكمه المباشر، وهكذا انفصلت هذه النخبة عن شعوبها وتوسّعت الهوة بينها وبين شعوبها يوماً بعد يوم، وأزمة بعد أزمة حتى عرّتها الأيام حتى من ورقة توت تستر بها عورتها!
تعاني الدول العربية من شيء أكبر وأقسى من الفقر أو الشمولية، فلقد أصبحت أنظمة مزيفة بأعين شعوبها ينظرون لها كأنهم غرباء عنها، وانزلقت البلاد في ديون داخلية وخارجية وهمشت الصناعة الانتاجية والزراعة، وقسم المجتمع الى فئة قليلة تمتلك المليارات واغلبية مسحوقة تكاد تسد رمقها والحصول على قوت يومها. بالإضافة إلى ذلك، فقد ارهقت الاقتصادات بانماط استهلاكية وانشئت المشاريع الوطنية بقروض ما لبث أن تم بيعها للمستثمرين الاجانب بأبخس الاسعار. واصبح الاقتصاد رهينة “لفرمانات” تأتي من صندوق النقد الدولي والمؤسسات الاخرى التي تهيمن عليها الولايات المتحدة.
اصدق وصف لحالة العالم العربي هو مثل صيني يشبه الاوضاع السيئة التي نعيشها “كسمكة كبيرة أُخرجت لتوها من الماء تتحرك بعنف علها تستطيع استعادة مكانها ومحيطها. وفي هذه الحالة لا تسأل السمكة إلى أين تذهب بها حركتها التالية لأنها تشعر فقط أن وضعها الحالي لا يمكن احتماله، وهو أصلاً غير قابل للاستمرار”. هذه هي حال الشعوب العربية هذه الأيام والتي سُميت بأيام الربيع العربي.
انتفاضات لا ثورات
وضع القائد الشيوعي فلاديمير لينين ثلاثة شروط لانجاح أي ثورة: حزب سياسي منظم ومتين، وقيادة قوية الشكيمة والعزيمة، وبرنامج واضح. ولو قبلنا بهذه النظرية فلم يتوفر لأي من الانتفاضة المصرية، ولا التونسية من قبلها تلك العناصر. لم يكن للانتفاضة اهداف واضحة حيث إن الأهداف كان يصوغها الشارع ساعة بساعة وبطريقة عفوية، كما لم يكن لها قيادة محددة باعتراف الجميع، ولم يكن يقودها تنظيم أو حزب مُحدد في
بداياتها.
هذه الهبّة الشعبية العارمة أطاحت برأس النظام ولكنها أبقت على النظام برموزه ومؤسساته. بقيت هياكل الأجهزة الأمنية كما كانت، عدا إفراغها من أي مستندات قد تدين رموزها. سلطة القضاء بكاملها من النائب العام إلى كافة المراكز القيادية فيه بقيت كما كانت عليه. التعاون الامني والاستراتيجي بين هذه البلدان والولايات المتحدة وإسرائيل بقي كما كان عليه، بل وافضل مما كان عليه. كان الهدف من انحرافات انتفاضات الشعوب العربية هو ارضاء الجماهير بالتضحية بصديق أو حليف مع ابقاء الحال كما هو عليه.
ليس للأباطرة أصدقاء ولا صداقات: مات ماركوس في منفاه، وضاقت الأرض بما رحبت لقبرٍ يوارى فيه جثمان شاه إيران. جندت الولايات المتحدة ألوف المتطوعين البسطاء ليجاهدوا معها ضد الكفار السوفييت في أفغانستان. وبعد أن قـُضي الأمر، أين أصبح هؤلاء؟ منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر في غوانتانامو! ثم أين هو سوهارتو؟ وأما مانويل نورييغا فلقد بدأ حياته مخبراً ثم عميلاً من الدرجة الممتازة لوكالة المخابرات المركزية الأميركية حيث أوصلته إلى حكم جمهورية بنما. ثم أصبح السجين رقم 41586 في أحد سجون ميامي الفيدرالية بولاية فلوريدا. لعلنا نستطيع ان نصف بالاحداث في العالم العربي لتاريخه بأنها كانت فوضى غير خلاقه.
تفتيت العالم العربي
في العام 1982 نشرت مجلة “كيفونيم” التي تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية، وثيقة بعنوان “استراتيجية إسرائيلية للثمانينيات”. ولقد نشرت الوثيقة باللغة العبرية، وتم ترجمتها الى اللغة العربية، وقدمها الدكتور عصمت سيف الدولة كأحد مستندات دفاعه عن المتهمين في قضية تنظيم ثورة مصر العام 1988.
نص مختصر للوثيقة الصهيونية (ناقل الكفر ليس بكافر)
أولا: نظرة عامة على العالم العربي والاسلامي
إن العالم العربي الاسلامي هو بمثابة برج من الورق أقامه الاجانب (فرنسا وبريطانيا في العشرينيات)، دون أن توضع في الحسبان رغبات وتطلعات سكان هذا العالم.
لقد قسم هذا العالم إلى 19 دولة كلها تتكون من خليط من الأقليات والطوائف المختلفة، والتي تعادي كل منها الأخرى وعليه فان كل دولة عربية اسلامية معرضة اليوم لخطر التفتت العرقي والاجتماعي في الداخل إلى حد الحرب الداخلية كما هو الحال في بعض هذه الدول.
وإذا ما اضفنا إلى ذلك الوضع الاقتصادي يتبين لنا كيف أن المنطقة كلها، في الواقع، بناء مصطنع كبرج الورق، لا يمكنه التصدي للمشاكل الخطيرة التي تواجهه.
في هذا العالم الضخم والمشتت، توجد جماعات قليلة من واسعي الثراء وجماهير غفيرة من الفقراء.
إن هذه الصورة قائمة وعاصفة جداً للوضع من حول إسرائيل، وتشكل بالنسبة لإسرائيل تحديات ومشاكل واخطار، ولكنها تشكل أيضا فرصا عظيمة.
ثانيا: مصر
في مصر توجد أغلبية سنية مسلمة مقابل أقلية كبيرة من المسيحيين الذين يشكلون الأغلبية في مصر العلياً، ما يقارب 8 ملايين نسمة. وكان السادات قد اعرب في خطابه في أيار (مايو) من العام 1980 عن خشيته من أن تطالب هذه الأقلية بقيام دولتها الخاصة أي دولة لبنانية مسيحية جديدة في مصر. إن تفتيت مصر إلى اقاليم جغرافية منفصلة هو هدف إسرائيل السياسي على جبهتها الغربية.
ثالثا: ليبيا
إن القذافي يشن حروبه المدمرة ضد العرب انفسهم انطلاقاً من دولة تكاد تخلو من وجود سكان يمكن أن يشكلوا قومية قوية وذات نفوذ. ومن هنا جاءت محاولاته لعقد اتفاقيات باتحاد مع دولة حقيقية كما حدث في الماضي مع مصر.
رابعا: السودان
وأما السودان أكثر دول العالم العربي الاسلامي تفككا فانها تتكون من أربع مجموعات سكانية كل منها غريبة عن الأخرى، فمن أقلية عربية مسلمة سنية تسيطر على أغلبية غير عربية افريقية إلى وثنيين إلى مسيحيين.
خامسا: لبنان
أما لبنان فانها مقسمة ومنهارة اقتصاديا لافتقارها إلى سلطة موحدة، بل خمس سلطات.
العراق
أفضل وصف لحالة العراق هو ما قاله مواطن عراقي بسيط جواباً لاحد الصحفيين الاميركان عندما سأله عن بركات تحرير العراق من صدام حسين حيث قال: “لدينا أكبر الانهار وليست لدينا مياه صالحة للشرب، ونعوم فوق أكبر حقول النفط في العالم وليس لدينا وقود ونحن نستورد البنزين”. كما تم تفكيك العراق إلى كونفدرالية وتقزيم جيشه إلى اعمال بوليسية بالداخل ودمرت بنيته العلمية
والصناعية.
أما عن سورية
فحدث ولا حرج. انخفض الناتج المحلي بـ90 % وانخفضت العملة إلى 75 % وهبط انتاج النفط من 400000 برميل / اليوم إلى 20000، أي هبط بنسبة 95 %، واصبحت البطالة تزيد على 50 %، وانخفض انتاج القمح
بـ90 % حيث اصبحت البلاد مستوردة بدلاً من مصدرة للقمح، وتم تدمير البنية التحتية بما يزيد على 15 مليار دولار حتى يتهيأ لك عند رؤية الخراب وكأنك في الحرب العالمية الثانية، وهكذا اصبح البلد – الذي لم يدخله صندوق البنك الدولي والخالي من الديون – مدمراً بأموال نفطية وأيدي عربية وبأيدي 116 ألفا من الجهاديين أو التكفيريين – سمهم كما تشاء – وتكلفة ما يزيد على 7 مليارات من بترودولار الاشقاء الألداء. وتم تحطيم مقدرة الجيش السوري والبنية التحتية والاقتصاد.
حدود إسرائيل
في يونيو 1963 وبعد توليه رئاسة الحكومة مباشرة، سارع ليفي إشكول لطرح قضية توسيع حدود إسرائيل على بساط البحث مع رئيس أركان الجيش زفي توور ونائبه إسحق رابين. وقتها قال الجنرال توور لرئيس الحكومة بأن الحدود المثالية لإسرائيل ستكون نهر الأردن شرقاً ونهر الليطاني شمالاً وقناة السويس كحد فاصل مع مصر. بعدها بأسابيع قليلة عرضت القيادة العسكرية على رئيس الوزراء خطة حملت اسم: السوط، لاحتلال الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية. وفي خطة ثانية حملت اسم: “بناي أور”، تحدث القادة العسكريون بالتفصيل عن إعادة رسم الحدود الجديدة مع كل من مصر وسورية، وصولاً لخلق حدود آمنة جديدة. كما طلب إيشكول من الجيش إعداد خطة خاصة باحتلال جبل المكبر وربطه بالقدس الغربية، باعتبار أن السيطرة على جبل المكبر مفتاح السيطرة على كامل الضفة الغربية.
الاستعداد للحرب
في تشرين الثاني (نوفمبر) 1966 – أي قبل سبعة أشهر فقط من اندلاع الحرب – شكلت الحكومة الإسرائيلية مجموعتي عمل للمراجعة السياسية والاستراتيجية. أوكلت المجموعة الأولى مهمة دراسة العلاقة مع الأردن، بينما تولت الثانية مهمة تقييم الوضع على الجبهة الجنوبية مع مصر، وشارك في اللجنتين ممثلون عن: الموساد واستخبارات الجيش ووزارة الخارجية. استكملت اللجنتان عملهما في كانون الثاني (يناير) 1967 ورفعتا التقارير إلى الحكومة حيث حظيت بموافقة إيشكول ورابين.
تحديد مستقبل
الضفة قبل احتلالها
من جانبه اعترف حاييم هيرتزغ بأنه استعد للمهمة التي تنتظره كحاكم عسكري قادم للضفة الغربية قبل  3 سنوات من احتلالها، بما في ذلك الحرص على قراءة الصحف الأردنية يومياً ومتابعة تطورات الأحداث في المنطقة. بل إن الجيش كان قد أعد سلفاً كتيبات إرشادية تم توزيعها على الحكام العسكريين المرشحين لإدارة المناطق المحتلة مستقبلاً، تتضمن الهياكل التنظيمية للحكومة العسكرية وإرشادات لكيفية إدارة السكان المدنيين تحت الاحتلال… وعليه فإن الحكومة العسكرية بدأت العمل حتى قبل انتهاء القتال.
ولتحييد المخاطر التي تمثلها الضفة الغربية فإن على إسرائيل، وكما يقول غازيت، يجب العمل على إقامة دولة فلسطينية مستقلة ولكن تعتمد على الجيش الإسرائيلي فيما يتعلق بالدفاع والأمن الداخلي، يضاف لذلك الإشراف على السياسة الخارجية للدولة الفتية. ومن جانبها عرضت كلية الدفاع الوطني دراستها الخاصة بهذا الشأن انتهى معدوها إلى نتيجة مؤداها بأن الاحتلال سيكون مُجدياً لإسرائيل من الناحية الاقتصادية.
قبل اندلاع حرب حزيران (يونيو) 67 بوقت قصير وبعد انتخابه رئيساً لبلدية القدس، ألغى تيدي كوليك خططاً أعدها سلفه لنقل مكاتب البلدية من مواقعها القريبة من الخط الفاصل بين القدس الشرقية والغربية، وقال على إثرها بأن القدس ستتوحد قريباً لتصبح المكاتب في قلب المدينة!!
خطط الحرب ضد سورية
كان المخططون العسكريون الإسرائيليون قد أعدوا عدداً من الخطط لمهاجمة سورية هي:
• العملية “AX”، وتنص على الزحف على دمشق واحتلالها.
• العملية “Tongs”، وتدور حول احتلال مرتفعات الجولان وصولاً إلى شرق القنيطرة.
• العملية “Concoction”، وهي خطة تكتفي بالاستيلاء على منطقة بانياس.

نظرية الاستراتيجي الجيوسياسي البريطاني مككيندر بان من يستحوذ على النفوذ في (يوارسيا) سيكون له اليد العليا في الهيمنة على العالم. وعالمنا العربي هو قلب يوراسيا وهو قلب ساحة المعارك لنظام عالمي عربي واسلامي جديد، وستكون الغلبة في النهاية لقانون العواقب غير المحسوبة، و ليس كل ما يتمنى الغرب
يدركه.
يذكر أن د. زلوم، ومنذ العام 1996، بدأ بدراسات موثقة تتطرق إلى هموم عالمنا العربي والإسلامي انتهت إلى كتب كان أولها كتاب “نذر العولمة” والذي نشر بالإنجليزية أيضاً وثانيا كتاب “إمبراطوية الشر الجديدة” ونشر بالإنجليزية أيضاً في كندا والولايات المتحدة وترجم ونشر بالألمانية أيضاً، وثالث كتبه هو كتاب “حرب البترول الصليبية” والذي نشر بالعربية، أما كتابه الأخير فهو بالإنكليزية باسم Oil Crusades, America Through Arab Eyes.

*ملاحظة: الوثائق الواردة هنا جاءت من كتاب عبدالحي زلوم، الربيع العربي: ثورة أم فوضى غير خلاقة وكتاب أميركا-إسرائيل الكبرى.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock