ترجمات

الرجل الذي يريد إغلاق مضيق هرمز

ألان فراشون – (لوموند) 2012/01/13

ترجمة: مدني قصري

يتربّع بلا حراك فوق منصة ارتفعت عن ضيوفه ثلاثة أمتار، بوجهِه الوضّاء، وعمامته السوداء، ولحيته البيضاء. ومن ورائه صورةٌ لآية الله الخميني، وإلى يمينه علَم جمهورية إيران الإسلامية. أُخذت الصورة في يوم 9 كانون الثاني (يناير). وهي مراسمُ ثابتة لا تتغير، عندما يستقبل ضيوفه في بيت المرشد، “بيت الرحباني”، في طهران: إنه “آية الله علي خامنئي” (73 عاما)، الذي يحتفظ دائما بمسافة بينه وبين ضيوفه.
ولذلك سببان. فالرجل الذي يضطلع منذ عشرين عاما بوظيفة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، يعيش اليوم في رعب المؤامرة. وهو يحرص أيضا على أن يُبيّن أنه، بصفته قائدا للسلطة الثيوقراطية الشيعية على رأس هذا البلد الذي يزيد عدد سكانه على 70 مليون نسمة، هو ممثل الله على هذه الأرض. إنه ليس رجلا ككل الرجال: فهو يملك كل السلطات، لا سيما سلطة الحياة والموت على كل مواطنيه. وهو قائد الجيوش. وتخضع الحكومة المدنية لأوامره. وهو أيضا السيد الحقيقي للسلاح النووي الإيراني.
وقبل أيام، جدد تهديدات طهران ضد الشيطان الأكبر (الولايات المتحدة الأميركية) و”الشياطين الصغيرة” (الأوروبيين). إن إيران سوف تُغلق مضيق هرمز عند معبر الخليج العربي (الفارسي)، في حال أصدر الغربيون قرارا بفرض عقوبات على البترول الإيراني. وهو مشهد جديد من بين مشاهد كثيرة في مسلسل القبضة الحديدية المهيمنة منذ سنوات. فمن ناحية، يتهم المجتمع الدولي؛ وعلى رأسه الولايات المتحدة والأوروبيون، الجمهوريةَ الإسلامية، بخرق التزاماتها بتطويرها للبرنامج النووي العسكري، ومن ناحية ثانية، تُقسم إيران بكل الأيمان بأنها لم تفعل، وبأنها لا تقوم إلا بتخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية ليس إلا.
في طهران، رجل واحد لا غير، يملك سلطة توجيه الأمر للقوات الإيرانية بأن تغلق مضيق هرمز؛ هذا الممر الذي طوله بضعة كيلومترات، والذي يعبر منه من 10 % إلى 15 % من الإنتاج البترولي العالمي. فهكذا يملك رجل واحد لا غير، القدرة على أن يرفع إلى أكثر من 200 دولار سعر البرميل الخام، ويملك نظريا، القدرة على أن يفرض ثقله على مستوى النمو العالمي.
فهذا الرجل هو المرشد، الذي قدّمت عنه الكاتبة الإيرانية فاريبا حاتشوترودي، وصفا دقيقا في كتاب خطير ومثير “علي خامنئي أو دموع الإله”. لكنْ علينا ألا ننخدع؛ فرئيس جمهورية إيران الإسلامية، محمود أحمدي نجاد، يصنع عن طيب خاطر، عناوين الصحف، من خلال الاستفزازات، والتصريحات المدوية. فهو يملك السلطة والحلفاء. لكن السلطة الحقيقية تقع بين يدي علي خامنئي.
ما أغرب قدَر هذا المُلا الأنيق، المولود في أسرة متواضعة، وصار واحدا من المقربين الأوفياء لروح الله، الخميني آية الله، الذي قلب الملكية الإيرانية العام 1978. قامةٌ ممشوقة، وهيئة مُهذبة، وثوب على المقاس، لا أحد يشهد له بنجاح خاص، لا بصفته معارضا، ولا بصفته حاكما في السلطة. لكنه يملك ميزة لا شك فيها، ألا هو حضوره الدائم، وفي الوقت المناسب.
صار في العام 1981 أوّل عضو في سلك رجال الدين الشيعي، يمارس رئاسة الجمهورية الجديدة. وعند وفاة الخميني فرَض نفسه عنوةً، حتى يتقلد خلافة المرشد. لا يزيد عمره على 51 عاما. سياسي بارع، لكن رجل دين لا أحد يضاهيه رداءة. كان لا بد من منحه، وبأسرع ما يمكن، أعلى رتبة في سلّم القيادة الدينية الشيعية. لكي يستطيع الارتقاء إلى عرش المرشد الديني في البلاد.
حول هذا الرجل حصلت الكاتبة والمعارضة فاريبا حاتشوترودي، على شهادات كثيرة من محيط المقربين من خامنئي، ومن أسرته، ومن رجل سابق في المخابرات، اللاجئ اليوم في الخارج. فهي تقدّم بورتريها مثيرا جدا: خامنئي رجل معقد. ففي شخصه يلتقي هاوي الشعر، والآداب، والموسيقى، والسينما، وهو الذي، بصوته المنخفض، وهدوئه ونعومته، يحرك فريقا على درجة عالية من التنظيم والانضباط.
لكنّ هذا البورتريه يخفي وراءه بورتريها آخر. إنه بورتريه “الطاغية المعبود”، هكذا تقول فاريبا حاتشوترودي، عن هذا المُلا الذي تربّى على كراهية الغرب، والذي ما انفك يدبر ويحيك الكثير من المؤامرات والاعتقالات والإعدامات المتكررة، حتى يقي الجمهورية الإسلامية من كل “انحراف غربي”.
ففي ولايته لعب حراس الثورة، الذراع المسلح للجيش، والميليشيات المدنية، الدورَ المهيمن في جهاز الدولة، وفي اقتصاد البلاد أيضا.
فهو الذي كان يقود العدالة، وهو الذي أسس نظام التعذيب المنهجي لآلاف المعارضين الذين يعيشون اليوم في السجون. فقبل الحديث عن إيران، يتعيّن على كل مراقب جاد أن يقرأ تقارير منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان. إنّ وحشية العقاب الذي يمارَس على المعتقلين الإيرانيين موصوف بدقة في هذه التقارير. إنهم الرجال والنساء الذين يقبعون في حالة يرثى لها في سجون الإمام. إنه الاغتصاب المنهجي للمعتقلين السياسيين، والضرب، والإعدامات السرية: إنها البربرية بوجه ثيوقراطي!
لقد قيّد خامنئي كل تطبيع مع الولايات المتحدة الأميركية. وفرض لاءاتٍ صارمةً أمام عروض الحوار من باراك أوباما. وتلك إشارة ضعف بالتأكيد. تماما كما أضعف المرشدُ الجمهورية الإسلامية عندما احتفظ بمحمود أحمدي نجاد، في حزيران (يونيو) 2009، على رأس الدولة، ليسرق بذلك السلطة من معسكر الإصلاحي الذي فاز في الانتخابات الرئاسية. لأنه، بتورطه في هذه المعركة، خرج من دوره كحَكم. وقد أساء بذلك إلى ما كان يشكل قوة النظام وأصالته، المتمثلتين في تلك الطريقة البارعة التي تجعل مختلف مراكز السلطة تتعايش فيما بينها، والتي كانت تبشر بإمكانية تقدّم الثورة نحو مزيد من الديمقراطية. لقد ظلت الجمهورية الإسلامية على مدى فترة طويلة من الزمن تلقى الاهتمام والرعاية من خبراء غربيين، باسم تعقّد إيران. لكن إيران تحولت مع علي خامنئي أكثر فأكثر إلى دكتاتورية مُعسكرة، وإلى نظامٍ شرق أوسطي فظ، وفاسد، مثل أنظمة أخرى عديدة.
لم يعد مستقبل إيران مضمونا إلا بفعالية جهاز قمعي عملاق، ومراقبة بوليسية قوية. فهي هشة اقتصاديا، إن لم تكن على حافة الهاوية. وهي تزداد ضعفا سياسيا كلما ازداد خامنئي وأحمدي نجاد ضراوة. وهي اليوم معزولة دبلوماسيا، وقد صارت تهديداتها حول مضيق هرمز، بلا مصداقية. إنه خامنئي، أو نقطة ضعف الدولة الإسلامية!

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
L’homme qui veut fermer Ormuz

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock