أفكار ومواقف

الرجل الذي يعطل أميركا..!

علاء الدين أبو زينة

تسوق الولايات المتحدة على أنها الدولة الأكثر التزاما بالمُثل الديمقراطية وتمثيل الشعب في الحكومة ورعاية مصالح المواطنين.

لكن هذه الدولة، في الحقيقة، تعرض مثالا متفوقا للتفاوت المحلي في الثروة والامتيازات، والقدرة على تقويض الديمقراطيات وحركات التحرر في العالم.

بل إن تطورا حديثا يُظهر كيف أن رجلا واحدا يمكن أن يعطل مشروعا وطنيا كاملا، يُعتبر إلى جانب خطة تطوير البنية التحتية، بمثابة التوقيع للإدارة التي يرأسها جو بايدن: مشروع قانون «إعادة البناء بشكل أفضل».

وتم تقديم هذا التشريع باعتباره العملية الإصلاحية الأكثر طموحا للسياسة الاجتماعية الأميركية منذ «الصفقة الجديدة» التي قدمها فرانكلين ديلانو روزفلت في الثلاثينيات، و»المجتمع العظيم» الذي قدمه ليندون جونسون في الستينيات.

ترمي هذه الخطة إلى معالجة مشاكل اجتماعية، وتبلغ قيمتها 1750 مليار دولار على الأقل، وتنص على توفير تعليم مجاني للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث وأربع سنوات، وتوفير بنى مختلفة لرعاية الأطفال بكلفة لا تتجاوز 7 في المائة من دخل الأسر.

وتشمل استثمارات للتعامل مع الظواهر المناخية المتطرفة مثل حرائق الغابات والجفاف والأعاصير. وتقترح تمديد الإعفاءات الضريبية على التأمين الصحي للأميركيين الأكثر حرماناً.

وسيتم تعزيز القدرة على الحصول على مسكن، بما في ذلك في المناطق الريفية، من خلال بناء أكثر من مليون منزل للإيجار والمساعدة على دفع الإيجار والقروض العقارية، من بين إصلاحات أخرى.

مع ذلك، واجهت هذه الخطة خطر سقوطها في مجلس الشيوخ الأميركي بسبب سيناتور واحد: جو مانشين، رجل الأعمال والنائب الديمقراطي عن ولاية «ويست فيرجينيا» الصغيرة ذات الميول الجمهورية.

وحسب صحيفة «غلوب أند ميل» الكندية، فإن «حزب بايدن الديمقراطي يتمتع بأغلبية ضئيلة في مجلس النواب، لكن مجلس الشيوخ منقسم بنسبة 50 إلى 50.

ولتمرير برنامج «إعادة البناء بشكل أفضل»، لا يستطيع الديمقراطيون أن يخسروا حتى صوتًا واحدًا. وكانوا عاكفين منذ أشهر على صياغة مشروع القانون وتشذيبه، في محاولة لتأمين مصادقة السيد مانشين».

بذلك، يستطيع مانشين وحده، إذا لم يصوّت لصالح الخطة في مجلس الشيوخ، أن يعطل المشروع الذي يعِد بأن يغير أميركا وحياة الكثير من الأميركيين.

وسوف يحبط أيضا خطة حزبه نفسه الذي يقود البلد الآن. وشكل موقف هذا الرجل الواحد الأزمة السياسية الأبرز حتى الآن في رئاسة بايدن.

تُمكن مقاربة هذه الحالة من زوايا مختلفة. من ناحية، تُظهر هذه الحالة قوة ممثلي الشعب الأميركي.

وفي الحقيقة، ليس مانشين، بغض النظر عن وجاهة موقفه أو عدمها، ممثلا «طرطورا» تُملى عليه المواقف ويكون تصويته مضمونا سلفا للجهة القوية المتحكمة في الأمور كما يحدث في دول العالم الثالث.

وبالتأكيد لن يتم تجريد مانشين من عضوية المجلس، ولن يُضرب خلال الجلسات، ولن يتم الضغط عليه بمكالمات أو تهديدات. وهو في المقابل لا يستقوي بعزوة عائلية ولا بالحزب نفسه الذي يتعارض معه بموقفه.

ومن ناحية أخرى، تطرح هذه القضية السؤال الكبير عن عدالة الديمقراطية التمثيلية نفسها، حتى في ما توصف بأنها ديمقراطيات راسخة.

هناك، لا تكفي أغلبية في مجلس النواب ونصف مجلس الشيوخ إذا قرر مشرع واحد أن يفرض رأيه ويعطل مشروعا بحجم بلد مثل الولايات المتحدة.

وحسب وعود مشروع «البناء بشكل أفضل» المعلنة، فإنه سيخدم الأغلبية من العائلات الفقيرة وكبار السن والأطفال ويوفر لهم رعاية طبية وتعليمية ووظائف وإعفاءات ودعماً ماليا تمس الحاجة إليه.

وبهذا المواصفات، يمكن أن افتراض أن هذا المشروع لو طُرح في استفتاء شعبي، فإنه سينجح على أساس اتساع قاعدة المستفيدين المفترضين منه.

ومع ذلك، يمكن أن يوقف النظام الديمقراطي التمثيلي نفسه مشروعاً يريده الشعب بسبب موقف رجل واحد.

إذا كان هذا حال النظام التمثيلي والديمقراطية في أميركا، الذي يمكن أن يعطل نفسه، فإنه يمكن تصور حال «الديمقراطية» وأشكال «التمثيل» التي تُباع على الناس في العالم الثالث.

وبقدر ما هو النظام الديمقراطي المثالي في حاجة إلى مراجعة، فإن النظُم التمثيلية في الدول التي تزعم الاتجاه إلى الديمقراطية كوصفة للتقدم وحل الأزمات وتحسين أحوال الشعوب، تحتاج إلى نسف وإعادة بناء آليات تمثيل الشعب بحسن نية وبلا خداع مكشوف للذات.

المقال السابق للكاتب

سوء تمثيل تاريخي للفلسطينيين..!

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock