أفكار ومواقف

الرد الإيراني “زوبعة في فنجان”

لم يكن الرد الايراني على مقتل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني أكثر من «زوبعة في فنجان»، وبعدها تراجعت فجأة التهديدات بالانتقام وبرد ساحق، وطغت على المشهد حالة من التهدئة، حتى وان بقيت بعض الاصوات عالية وتغرد خارج السرب، وكأن الرد الايراني كان ضرورة فقط لحفظ ماء الوجه.
هل انتهت الازمة التي كانت ستشعل المنطقة وتهدد بالخراب والدمار، وهل توقفت طبول الحرب التي قرعت، أم ان الايرانيين يريدون ان يخوضوا حرب استنزاف طويلة المدى ضد المصالح الاميركية، واستهداف القاعدتين العسكريتين في العراق اول الخطوات؟
إيران ليست قلقة من عامل الوقت، والجغرافيا تعمل لصالحها، فمنذ سقوط نظام الرئيس الأسبق صدام حسين تمدد النفوذ الطائفي لطهران في العراق، فأصبحت القيادة الايرانية وخاصة الحرس الثوري يصول ويجول وصاحب اليد الطولى في بغداد، إما مباشرة عبر سليماني او من خلال أذرعه السياسية ومليشياته في العراق.
منذ انتفاضة العراق التي بدأت في اكتوبر الماضي والشعارات التي تهدر بها الجماهير في ساحة التحرير تندد بالفساد، وحكم الطوائف، وتطالب باستعادة القرار السيادي العراقي وابعاد السيطرة الايرانية، وحتى الآن ما تزال جماهير الشباب المنتفض مصرة على مطالبها.
السؤال المطروح بقوة الآن؛ هل ساهم مقتل سليماني بتعزيز الاحتجاجات وتقويتها، ام أضعفها وحرف البوصلة عنها، وساهم في توحيد القوى الطائفية الموالية لإيران في العراق بعد ان استشعرت الخطر والتهديد الوجودي لها؟
الانطباعات والمؤشرات الاولى تظهر توحدا للقوى الطائفية، والزعيم الديني والسياسي مقتدى الصدر الذي كان يؤيد المحتجين علنا ربما يصلح نموذجا لتحولات المشهد العراقي، والدعوة لمظاهرات مليونية في ساحة التحرير كذلك من قوى ومليشيات محسوبة على طهران قد يشير إلى البدء بخطوات خطيرة وحاسمة لوأد الانتفاضة المدنية في العراق.
العراق أكثر خاصرة رخوة يمكن ان تتحرك منها إيران لمشاكسة البيت الابيض، وقرار البرلمان العراقي بالطلب من القوات الاجنبية مغادرة أراضيه رسالة مزعجة لواشنطن في سياق «حروب الوكالة» التي يمكن ان تمتد إلى لبنان وسورية واليمن، وحتى دول الخليج.
فرص الحرب الشاملة بعد الضربة الايرانية الباهتة تقلصت، وتراجعت، وهو ما فتح الباب لأسئلة على النقيض أبرزها؛ هل يقود مقتل سليماني إلى اضعاف التيار المتشدد في طهران وتقوية نفوذ التيار المعتدل، ومن ثم تمهد هذه الازمة إلى تسوية والعودة لطاولة المفاوضات بين واشنطن وطهران؟
واشنطن لا تريد حربا اقليمية وهي تعلن ذلك جهارا، ومقتل سليماني ورقة يستثمرها الرئيس ترامب في الانتخابات المقبلة التي بدأ التحضير لها، وإيران في المقابل لا تريد حربا وقيادتها تقول ذلك، وهي تعرف ان الميزان العسكري ليس لصالحها بتاتا، ومرهقة ومستنزفة اقتصاديا، ولهذا لن تدخل بمخاطرة تفقدها تأثيرها ونفوذها، وربما تقوض دولتها.
لا يعرف حتى الآن ان كانت ادارة الرئيس ترامب قد انتهت من استخدام «الفزاعة الايرانية» لابتزاز دول الخليج، وحرف الانظار عن جوهر الصراع في المنطقة لتصبح طهران العدو الرئيسي والاول بدلا من اسرائيل؟
مهما كانت سنياريوهات المستقبل والعلاقة بين واشنطن وطهران فإن الموجع ان من يدفع الثمن هو العالم العربي بدم ابنائه وثرواته.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock