;
تحليل إخباري

الرسالة الملكية خريطة طريق إستراتيجية لجهاز الأمن العام

د. عبدالله محمد القضاة

تشكل الرسالة التي وجهها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين القائد الأعلى للقوات المسلحة الأردنية إلى مدير الأمن العام الجديد اللواء عبيدالله المعايطة خريطة طريق إستراتيجية لرفع مستوى الكفاءة والمهنية والفعالية المؤسسية لهذا الجهاز الوطني الحيوي، لتعزيز الأمن والأمان والاستقرار بشكل مستدام وبما يلبي احتياجات وتطلعات المواطن الأردني والمقيمين والمستثمرين وزوار المملكة في مختلف الأزمنة والظروف.
على الرغم من كل التطورات والتحديث الذي أنجزته مديرية الأمن العام؛ تواجه الزيادة المستمرة في تحديات كبيرة تفوق طاقاتها وهي في سباق شديد بين إمكاناتها وطاقاتها ومقدرتها من جهة؛ وازدياد التحديات من جهة أخرى، وقد حددت الرسالة الملكية أهم هذه التحديات وهو: التحدي المؤسسي والهيكلي، حيث يقول جلالة الملك « الأولوية في هذه المرحلة هي تطوير التجربة العملية للدمج بما يضمن ممارسة كل إدارة لمهامها بأعلى درجات الحرفية والاختصاص والتميز، وتوفير متطلبات التأهيل الخاصة لكل منها، والبناء على خبراتها المتراكمة المتخصصة وفق أفضل المعايير العالمية، والاستمرار في تحديث منظومة الأمن العام بكل أبعادها»، والأمر يستدعي تبني إستراتيجية لبناء القدرات المؤسسية والبشرية، وهذا يضع مسؤولية على القيادة الجديدة للجهاز لتشكيل فريق مختص من داخل الجهاز وخارجه لمراجعة عملية الدمج بمنهجية موضوعية للوقوف على نقاط القوة وفرص التحسين والعمل على تطويرها وفق النهج التشاركي مع كافة المعنيين؛ ويصار بعد ذلك الى تبني خطة لتطوير وبناء قدرات الموارد البشرية وفقا للرؤية الجديدة بما يضمن تحسين فعالية الاستجابة على كامل الأراضي الأردنية؛ واعتماد مقاربة حديثة لإدارة عمليات حفظ الأمن والنظام في كافة الأزمنة والأمكنة.
الإستراتيجية الثانية التي تضمنتها الرسالة الملكية: تعزيز القدرة على مكافحة المخدرات، ومن مؤشرات نجاح هذه الإستراتيجية: تخفيض نسبة المواطنين المتضررين من تعاطي الكحول والمخدرات خاصة الفقراء منهم الذين يتعرضون للقيام بالجنح والجرائم والغوغائية بهدف الحصول على المال لتغذية إدمانهم؛ وكذلك؛ تخفيض نسبة الجنح والجرائم والغوغائية الناجمة عن تعاطي المخدرات؛ أو الإدمان على الكحول؛ وهذا يتطلب تطوير القدرات التخصصية في مجال تعقب آفة المخدرات ومكافحتها استباقيًا، وتعزيز التشاركية مع الأجهزة الأخرى « المخابرات العامة والاستخبارات العسكرية وغيرها من أجهزة التنشئة الاجتماعية لمكافحة هذا الخطر بكافة الوسائل الوقائية والعلاجية، ومن ثم اتخاذ أشد العقوبات لردع المروجين للمخدرات والمتاجرين بها ومن يهربونها؛ وتشديد وإحكام إجراءات الحدود لمنع دخول المخدرات إلى أرض الدولة. حيث يقول جلالة الملك في هذا « يتصدى بواسل المديرية لخطر المخدرات على مجتمعنا وبلدنا بكل شجاعة واقتدار، ويقدمون التضحيات في سبيل حماية مواطنينا، وإنني أوجهكم لمواصلة الجهود الحثيثة لمكافحة هذه الآفة دون هوادة ولتبقى على سلم أولويات الجهاز، لينال المتورطون في تجارتها وترويجها القصاص العادل، فضلا عن تكثيف جهود التوعية بمخاطرها بالتعاون مع مختلف مؤسسات الدولة» وهنا لا بد من إشراك الجامعات والمراكز البحثية ووسائل الإعلام في تنفيذ الإستراتيجية المنشودة.
أما الإستراتيجية الثالثة؛ فتتعلق « بتعزيز سيادة القانون» وهذه إستراتيجية وطنية؛ تنبثق منها خطة قطاعية للأمن، ومديرية الأمن العام مطلوب منها أن تسهم بفاعلية من خلال خطتها المؤسسية في ضمان تطبيق سيادة القانون على جميع المتعاملين دون تمييز أو محاباة، كما هو مطلوب من الجميع الامتثال لقوانين الدولة وتشريعاتها، وهذا هو أساس الدولة المدنية التي ننشدها، ومن مؤشرات نجاح المديرية في التطبيق، على سبيل المثال؛ لا الحصر، نسبة مطابقة الإجراءات التي تتخذها المديرية متوافقة مع القانون وبموجبه، نسبة العدالة في تطبيق ذات الإجراءات على الوقائع المتماثلة، وبالمناسبة فقد أحتلت المملكة المرتبة الثانية عربيا في مؤشر سيادة القانون، ونطمح دائما أن نكون في المرتبة الأولى، حيث يقول جلالة الملك في هذا السياق» إن سيادة القانون على جميع المواطنين دون تمييز أو محاباة، الناظم الأساسي لعمل الأمن العام، مثلما هي واجب جميع مؤسساتنا، وفاء لدستورنا العتيد وشعبنا العزيز، وتتحملون في هذا الميدان مسؤوليات جسام تتطلب منكم العمل على مواصلة صقل قدرات منتسبي المديرية وتكريس معايير الشفافية والكفاءة واحترام حقوق المواطنين وحرياتهم باعتبارهم شريكا أساسيا في منظومة الأمن الوطني» وهذه الإستراتيجية تتطلب أيضا رفع مستوى كفاءة كادر المديرية في التعامل مع التشريعات الناظمة للعمل وزيادة معرفتهم بالمؤشرات الدولية للنزاهة والشفافيه وسيادة القانون.
وامتدادا لهذه الإستراتيجية لابد للمديرية من تعزيز حماية حقوق الإنسان وتفعيل مبدأ المسائلة، وهذا يتطلب ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان عبر نشر قواعد احترام حقوق الإنسان على مستوى منتسبي الجهاز، ومأسسة شبكة العلاقات مع كافة الفئات المعنية بهذا المجال، ويتطلب الأمر تفعيل وحدة تنظيمية بالمديرية تعنى بحقوق الإنسان وتطوير نظام مؤسسي للشكاوى وسماع صوت المواطن والمستفيد لتعزيز مراقبة احترام حقوق الإنسان والحرّيات من خلال المساهمة في وضع معايير ضامنة لحسن سير عمل نظام العدالة الجنائية وتعزيز نظام التفتيش بما يصب في تفعيل مراقبة احترام حقوق الإنسان والتشديد على سياسة عدم التسامح إزاء التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان.
أما على صعيد مواجهة الجريمة، فتضمنت الرسالة الملكية ضرورة تطوير آليات التعامل ومواجهة الجريمة وفق أفضل الممارسات الدولية، وهذا يتطلب « المساهمة في تعزيز ثقافة الأمن السيبراني التي تدعم الاستخدام الآمن والصحيح للفضاء الإلكتروني، وحماية ومراقبة البنى التحتية الحيوية والمعلومات الوطنية والشبكة المعلوماتية للدولة»، ويتحقق ذلك من خلال المشاركة الفاعلة مع الجهات المعنية بالدولة لبلورة برنامج تنفيذي بمؤشرات محددة لكل جهة، وفي هذا الصدد يقول جلالة الملك» إن الجريمة بكل أشكالها تهديد دائم في سائر المجتمعات، وقد كانت المديرية العامة للأمن العام وستبقى مثالا في القدرة على مواجهتها، ومع التطور الحاصل في وسائل الجريمة وأساليبها، أصبح من الواجب أن نطور قدراتنا على التعامل معها حماية لأرواح المواطنين وممتلكاتهم. وهنا نؤكد، الحاجة الضرورية لتعزيز قدراتنا في حماية الاستثمارات والمستثمرين ومؤسساتنا الاقتصادية من أي محاولات اعتداء وتعطيل عجلة الإنتاج، كما نؤكد ضرورة العمل لتطوير قدراتنا في محاربة الابتزاز والاحتيال الإلكتروني اللذين بدأنا نشهد انتشارهما مؤخرا.
والتحدي الأهم الذي ركز عليه جلالة الملك؛ هو الأزمات المرورية وحوادث السير، حيث يقول في هذا الصدد» أصبحت الأزمات المرورية مشكلة تؤرق راحة المواطنين وقدرتهم على التنقل بيسر وسهولة، كما أن حوادث السير تحصد أرواح الأبرياء وتزرع الحزن في بيوت المواطنين، وهذا يتطلب تعاونا كاملا مع مختلف المؤسسات للوصول إلى استراتيجية مرورية شاملة تخفف من الاختناقات في شوارع مدننا وتحد من حوادث السير، فحياة الأردنيين هي أغلى ما نملك. والبداية تكون باحترام القوانين والأنظمة المرعية وتنفيذها بحزم وتطويرها بسرعة، وفق القنوات الدستورية ورفع كفاءة القائمين على تطبيق القانون. وهنا جاء حديث الملك واضحا ومباشرا، حيث أمر بإستراتيجية مرورية شاملة، ونجاح هذه الإستراتيجية يتطلب تفعيل الشراكة مع الجهات المعنية والمجتمع، وأن ينتقل دور إدارة السير من رد الفعل الى الفعل والمبادرة وطرح بدائل ابتكارية لمعالجة الأسباب الجذرية للاختناقات المرورية وحوادث السير التي فعلا أصبحت تؤرق راحة المواطنين، فالأساليب التقليدية لم تعد مقبولة، ولا بد من مؤشرات كمية لقياس درجة التقدم في تحقيق هذه الإستراتيجية.
نأمل من القيادة الجديدة لجهاز الأمن العام ترجمة رؤية الملك الى برنامج تنفيذي قابل للقياس ليلمس المواطن والمستثمر نتائجه على أرض الواقع خلال فترة زمنية قصيرة، لتبقى المديرية العامة للأمن العام بمرتباتها كافة محل اعتزاز وتقدير جلالة القائد الأعلى والأردنيين جميعا وضيوف دولتنا « مملكة السلام والأمان»، ونسأل المولى، عزوجل، أن يوفق الباشا الجديد وزملاؤه في خدمة الوطن والمواطن في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة.

*امين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا
خبير إستراتيجي وتطوير مؤسسي

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock