أفكار ومواقف

الرشوة الحلال

تشعر بصدمة كبيرة وانت تستمع إلى أحد المسؤولين يحدثك عن أن الفساد بات في كل مكان، وهو إذ يريد أن يقول لك إن الفساد بات منتشرا، ينكر عليك من جهة ثانية، اتهامك لكبار المسؤولين فقط بالفساد، مقدما الأدلة على ذلك.
الملفات كثيرة، ونريد أن نسمع من أصحاب القرار عن الملف الأول هنا، وعما يجري في معظم بلديات المملكة، وعن عدد الذين تم تعيينهم بشكل مخالف، وعدد الذين يداومون فعليا، خصوصا ان المعلومات تؤكد ان ظاهرة استلام الرواتب دون دوام باتت سائدة في بعض البلديات، واذا كان البعض يقبل ان يأخذ مالا حراما عبر استلام الراتب دون عمل او دوام، فإن هذا مجرد فساد صغير، لكنه بات منتشرا في مواقع كثيرة، وتتعامى عنه الحكومات بذريعة أنها لا تريد الدخول في مواجهات مع أحد.
الملف الثاني يرتبط بظاهرة الرشى في المؤسسات الخدمية وذات الصلة بالتقديرات المالية، التي يمكن رفعها او خفضها، وفقا للتقديرات، او معايير مختلفة، اذ تتسلل اليها ظاهرة الرشى، وهناك حكايات تروى يوميا، عن مؤسسات يعتاش بعض من فيها على الرشى، ولو دققنا في أحوال بعض من تقاعدوا من هذه المؤسسات، لوجدنا ان احوالهم المالية تتفوق بكثير على احوالهم خلال العمل، ومجموع أموالهم يتجاوز بكثير مجموع رواتبهم، بما يثبت ان هذه الأموال التي ظهرت فجأة لم تكن نتاج عملهم، او تقاعداتهم.
الفساد، ليس مجرد سرقة مباشرة من الخزينة، إذ إن الإسراف في الصلاحيات بطريقة جائرة وتسخيرها لمصلحة المسؤول، او لمشاريع غير مفهومة او مبالغ بها، او لتعيينات إضافية، نوع من أنواع الفساد، واذا فتحنا الملف الثالث، أي ملف الجامعات في الأردن التي تستغيث اليوم من المديونية بذرائع شتى، ودخلنا في تفاصيل كثيرة لما فهمنا لماذا تم انفاق مئات الملايين على مبان فخمة جدا ومكلفة وشراء سيارات واثاث فخم، لا تجده في اعرق جامعات العالم، ولماذا تم اغراق الجامعات بتعيينات فائضة عن الحاجة، وهذا الملف يثبت ان الصلاحيات المالية للجامعات، تم توظيفها بطريقة تثير التساؤلات، بما أدى مع عوامل طبيعية ثانية، إلى تدمير بنية هذه الجامعات، واغراقها بالديون، باستثناء جامعات محدودة.
كل هذا يعني ان المجتمع يتعامى عن الفساد الذي يفيده، ويصرخ فقط في وجه الفساد الذي يمس مصلحته او يضره، اذ ان اغلبنا اذا استفاد من تخفيض مالي، عبر رشوة، هنا او هناك، يسكت ولا يتذمر من الفساد، بل يعتبره حلا، لمشكلته، والامر ينطبق على الذي يستفيد من إحالة مشروع صغير عليه، او الذي يعين ابنه او ابنته بواسطة، وعلى الذي يدفع رشوة، لتمرير معاملة أو رخصة.
المثير هنا ان الكل يتوحد، وطنيا، عند اتهام أسماء معروفة، وعند اتهام الحكومات بالفساد، فيما ممارسات اغلب الافراد اليومية، يتعامى عنها الكل، كونها باتت شائعة، ويستفيد منها كثيرون، بحيث يتساوى الراشي والمرتشي، من جهة، مثلما يتساوى الفساد الإداري مع الفساد السياسي، فلا فرق بين الذي يعين في بلدية بثلاثمائة دينار يقبضها دون دوام، مع السمسار على عطاء بملايين الدنانير.
هذا يأخذنا إلى الخلاصة، أي ان حالة الانفصام التي نعاني منها، في حديثنا عن الفساد يجب ان تنتهي، فالفساد الصغير مثل الفساد الكبير، والحلال حلال، والحرام حرام، ولا يجوز ان تكون حربنا على الفساد انتقائية، فنرفضه هنا، ونتورط فيه هناك، والا بتنا كلنا شركاء، لكن لكل واحد فينا مستواه وسقفه من الفساد.
ليس اتهاما للمجتمع، لكنها محاولة لأن نؤشر على ان الفساد تسلل اليوم، من الطوابق العليا، في عمارتنا، إلى الطوابق السفلى، وقد تعددت أنواع الفساد، ولا يجد من يقبض رشوة صغيرة، تبريرا لفعلته، سوى القول، ان من هم اعلى مكانة منه، يفسدون أيضا، وان الدنيا ضاقت، ولم يعد هناك حل سوى المال الحرام، وهي هنا، بمعاييره رشوة حلال، بعد ان سدت السبل في وجهه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock