قضايا

الزراعة المائية.. بديل مُربح وفعال للزراعة التقليدية

باميلا كسرواني

متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

هل فكّرتم يوماً أن الزراعة المائية تدفعكم إلى توفير كميّات كبيرة من الماء، على عكس ما قد يوحي به اسمها؟ بالفعل، هذا واقع وليس ضرباً من الخيال؛ إذ إن ريّ أي نبتة في نظام الزراعة المائية، يحتاج إلى عبوة صغيرة من الماء يومياً، مقابل 3 عبوات في الزراعة التقليدية.
لقد تحوّلت الزراعة المائية، أو الـ”هيدروبونيك” كما تُعرف، في السنوات الأخيرة إلى بديل جديّ وفعّال لمختلف طرق الزراعة التقليدية التي غالباً ما تحتاج إلى تربة وعناصر غذائية للحصول على محصول زراعي متكامل؛ حتى إن بعض الشركات البعيدة كل البعد عن الزراعة باتت توفّر منتجات تروِّج للزراعة المائية. فعلى سبيل المثال، استحدثت الشركة العالمية للمفروشات “أيكيا” مجموعة من المنتجات التي تساعدك على إنشاء حديقتك الداخلية المائية.
ولا تعدّ الزراعة المائية غريبة عن المنطقة العربية؛ إذ يوجد العديد من المزارع والمشاريع الزراعية التي تعتمد هذا النظام الزراعي في العديد من الدول العربية، من بينها لبنان والبحرين والمغرب وتونس والإمارات العربية المتحدة. وفي ما يتعلق بالتجربة الإماراتية، يؤكد رودي أزاتو، المتخصص بالزراعة المائية والمدير التسويقي لـ”مزارع الإمارات المائية للخضار”، أنّ “الزراعة المائية بدأت قبل أكثر من 25 عاماً في دولة الإمارات، إلا أن التكنولوجيا لم تكن متطورة كما هي الحال اليوم”. وإلى جانب تطوير “مزارع الإمارات المائية للخضار”، والتي تحتفل بعيدها الـ11، ساهم أزاتو أيضاً في تطوير الزراعة المائية في الإمارات بشكل عام، وفي مناطق أخرى من دول مجلس التعاون الخليجي.
ويرى أزاتو أن دول المنطقة تحثّ المزارعين والشركات على تطبيق الزراعة المائية الخالية من التربة، ضاربا مثالاً بدولة الإمارات. ويشرح بالقول: “يشجع مثلاً “صندوق خليفة لتطوير المشاريع” في أبو ظبي المزارعين على اعتماد تقنيات الزراعة المائية في أراضيهم. وهناك كذلك مبادرة “إنتاجنا” التي كانت قد أطلقتها وزارة البيئة والمياه (الإماراتية) لتأهيل المزارعين من أجل استخدام التقنيات الحديثة للزراعة المائية”.
ما هي الزراعة المائية؟
الزراعة المائية عبارة عن تقنية يتم استخدامها لنمو النباتات في محاليل التغذية التي تمد النبات بكل ما يحتاج إليه من العناصر الضرورية والمغذية لنموه. ولا تُعتبر الزراعة المائية حديثة النشأة، بل تعود إلى القرن الثامن عشر؛ عندما اكتشف باحثو فسيولوجيا النبات أن هذه الأخيرة تمتصّ المغذيات المعدنية الأساسية على شكل أيونات لا عضوية ذائبة في الماء. وفي الزراعة التقليدية، تعمل التربة في الظروف الطبيعية كمستودع للمغذّيات المعدنية، إلا أنّها غير ضرورية لنمو النبات. ففي الواقع، تقوم جذور النباتات بامتصاص هذه المغذيات الموجودة في التربة متى تضاف إليها مياه تقوم بإذابتها. وبالتالي، يمكن إضافتها بطريقة اصطناعية لتنمو النبات.
وكان علماء النباتات قد اهتمّوا بالزراعة من دون تربة بعد ظهور الكثير من المشاكل المتعلقة بالتربة؛ من أمراض، وأعشاب، وزيادة معدلات الملوحة. حينها، بدأوا البحث عن حلول بديلة لاستخدام التربة، فتوصّلوا إلى الزراعة المائية.
ولا بد من الإشارة إلى أن جميع النباتات تقريباً تنجح زراعتها من دون تربة. إلا أنه يوجد بعض النباتات التي تنجح زراعتها مائياً أكثر من غيرها، مثل مختلف أنواع الخس والطماطم والأعشاب، كالبقدونس والريحان، وغيرها.
أنظمة الـ”هيدروبونيك”
كيف تنمو إذاً هذه النباتات؟ يوجد ستة أنواع من أنظمة الـ”هيدروبونيك” التي قد تبدو معقّدة في البداية، إلا أنها بغاية السهولة. وتعتمد جميعها على ثلاثة عوامل، هي: المياه، والعناصر الغذائية، والأوكسجين؛ وتختلف من حيث طريقة إيصال هذه العوامل الثلاثة إلى جذور النباتات. ولا بد من الإشارة إلى أن مياه الخزانات تخضع للعديد من التحاليل بغية تحديد مستويات المعادن والعناصر فيها، ليتمّ لاحقاً إضافة العناصر الغذائية الناقصة الضرورية كالحديد، أو العمل على تحقيق توازن في معدّلي المغنيسيوم والنيتروجين الضروريين لإنتاج الكلوروفيل.
نبدأ مع نظام “الريّ بالتنقيط” (Drip System) الذي يعتبر الأكثر سهولة. إذ يعتمد هذا النظام على ضخّ مياه الخزان عبر شبكة من الأنابيب التي توصل المياه بشكل منفصل إلى كلّ نبتة. ولا حاجة إلى ريّ النباتات يدوياً، بل يمكن ضبط المضخة بفضل عدّاد لإيصال الكميات اللازمة للنباتات.
أما نظام “تدفق المياه وتصريفها” (Flood and Drain System)، فيُشبه نظام “الري بالتنقيط”؛ إلا أنه لا يسمح بريّ النباتات كل على حدة، بل يتمّ غمر كل النباتات بشكل متوازنٍ. وبعد غمرها بالمياه، يقوم النظام بتصريف المياه الفائضة.
أما النوع الثالث، فيُعرف بـ”تقنية غشاء المغذيات” (Nutrient Film Technique (NFT)). وهو الأكثر شيوعاً في الزراعة المائية التجارية. وخلافاً للنظامَين السابقين، لا يحتاج هذا النوع إلى عدّاد، لأن المياه تصل إلى النباتات في دورة متواصلة مع شبه غياب لأي تدخل يدويّ.
وهناك، رابعاً، “نظام الزراعة الهوائية” (AeroponicSystem)؛ والذي يعدّ أكثر هذه الأنظمة تطوراً، حتى إن بعض العلماء يدّعون أنه قد يكون الحل لنقص الطعام في المستقبل. وعلى غرار “تقنية غشاء المغذيات”، يتمّ تعليق النباتات في الهواء، ثم يتمّ ضخ المياه عبر أنبوب؛ حيث تقوم مضخة ضغط ثانية برش المياه كالرذاذ على جذور النباتات.
وفي ما يتعلق بالنظام الخامس، فهو “الزراعة بالمياه العميقة” (Deep Water Culture). وتعتبر هذه الزراعة، من دون منازع، الأسهل. وغالباً ما يتم استعمالها في المدارس كنموذج للزراعة المائية. وخلافاً للأنظمة الأخرى، لا توضع النباتات منفصلة عن خزان المياه الغنية بالعناصر الغذائية بل العكس؛ تعوم النباتات فوق المياه.
أما النوع السادس، فيُعرف بـ”أكوابونيك” (Aquaponic) الذي يجمع بين تربية الأحياء المائية (غالباً الأسماك) والزراعة المائية في نظام بيئي متكامل. فتعيش الأسماك في خزان المياه وتوفّر الأسمدة الطبيعية للنباتات.
إيجابيات وسلبيات
يؤكد أزاتو أنّ فوائد الزراعة المائية كثيرة جداً. ويشدد على أنها “تساعد على توفير ما يُقارب 90% من استهلاك الماء”.
وإضافة إلى توفير المياه، تنتج عن الزراعة المائية كمية أكبر من المحاصيل مقارنة بالزراعة التقليدية. وهنا، يشرح لنا قائلاً: “لنأخذ محصول البندورة على سبيل المثال. فإذا افترضنا أن كل العوامل متوفرة، مثل البنى التحتية المعتمدة في بناء الدفيئة الزراعية، وجودة المزارع، فقد يصل محصول البندورة السنوي إلى 100 كيلوغرام في المتر المربع الواحد”! وقد يبدو الأمر مبالغاً فيه، لكن دعونا لا ننسى أن معظم المزارع المائية تعتمد على أنظمة عمودية؛ أي يمكن زراعة أكبر عدد من النباتات في المتر المربع الواحد؛ كما أنه غالباً ما يمكن الحصول على أكثر من محصول واحد في العام (أربعة محاصيل بندورة سنوياً مثلاً).
إضافة إلى ذلك، نجد العديد من الإيجابيات الأخرى؛ مثل إمكانية الزراعة في أي مكان، واستخدام كمية مياه أقل بعشرين مرة من الزراعة في التربة، لأن المياه تتم إعادة استخدامها. وكذلك غياب الحاجة إلى استعمال مبيدات الحشرات، وسهولة الحصاد، وإمكانية الزراعة على مدار السنة.
بيد أنّ الزراعة المائية لا تقدّم الفوائد فقط، بل تنطوي على بعض التحديات. وهنا يقول أزاتو: “الزراعة المائية تتطلب استثماراً كبيراً من المال في البداية، حتى لو كانت الفوائد لاحقاً تُعوّض الفرق. إذ إن استثماراً واحداً قد يُدر عليك 100 عام من العائدات”. ويضيف: “النظافة أيضاً مهمة جداً من أجل منع أي بكتيريا في خزان المياه من الانتشار إلى النباتات الأخرى. فإذا كنت تملك خزاناً يغذّي مساحة 8000 متر مربع ويواجه مشكلة ما، فقد تنتشر البكتيريا إلى كل المحاصيل”؛ وهي مشكلة يُمكن تفاديها بفضل توفير أجهزة الفلترة والمراقبة المتواصلة.
إضافة إلى هذه التحديات، علينا ألا ننسى أنهمن الضروري التمتع بمهارات وخبرات تقنية من أجل ضمان سير العمل بفاعلية وكفاءة. كما قد تواجه المزارع المائية في بعض الدول مشكلة انقطاع الكهرباء؛ الأمر الذي قد يُحتّم على المزارع ريّ الحديقة أو المزرعة يدوياً.
حل مستدام
يرى أزاتو أن إحدى فوائد الزراعة المائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي “توفير المياه”.
وإضافة إلى مشكلة شحّ الموارد المائية، تواجه المنطقة مشكلة أخرى، هي الأمن الغذائي الذي يُقلق الحكومات التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الأغذية والمحاصيل.
وعلى الرغم من ازدياد الإنتاجية الزراعية في المنطقة في تسعينيات القرن الماضي؛ بفضل اتباع أساليب وتقنيات زراعة عصرية، وترشيد استخدام المياه، إلا أن المنطقة ما تزال تُعاني عجزاً في المواد الغذائية، حيث يتوقع أن يتراوح بين 50 إلى 90 مليون طن بحلول العام 2020؛ وهو عجز لا يُعزى إلى شح المياه فحسب، وإنما إلى ندرة الأراضي الصالحة للزراعة أيضاً (لا سيما في المملكة العربية السعودية التي تستورد 95 % من خضارها وفاكهتها)، إضافة إلى الظروف المناخية.
وبالتالي، توفّر الزراعة المائية إمكانية تقليص مخاطر الأمن الغذائي في المنطقة. وهو أمرٌ أدركته معظم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي بدأت باستغلال الزراعة الخالية من التربة من أجل أن تحقق الاكتفاء الذاتي في إنتاج الأغذية بحلول العام 2023.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock