أفكار ومواقف

الزرقاوي خارج “اللعبة”: ماذا عن شبكته؟

بمقتل “أبو مصعب الزرقاوي” يكون قد أسدل الستار على حياة ومسيرة شخص جدلي أثار العديد من علامات الاستفهام في الأوساط الثقافية والسياسية والإعلامية العربية والعالمية على السواء. لكن خروج الزرقاوي من اللعبة الأمنية في العراق والمنطقة لا يعني نهاية دور شبكته التي أسسها خلال سنوات قليلة، وأصبحت تتألف من عدد كبير من الأعضاء والمؤيدين، ما يطرح تساؤلاً محورياً حول طبيعة الشبكة التي أسسها الزرقاوي وقوتها.


اتجاه عريض من المحللين والباحثين يشكّك في قوّة الزرقاوي وشبكته، ويرى أنّه قد جرى تضخيم إعلامي غربي متعمد لهذه الشبكة، لجعلها بمثابة “شمّاعة” الأخطاء الأميركية التي تفسّر الإخفاق الأمني والسياسي الأميركي بعد سقوط نظام صدام. في الحقيقة، هذا الاتجاه مخطئ تماماً في التقليل من شأن هذه الشبكة ونشاطها. ولعل المفتاح الرئيس الذي يفسّر الفترة القياسية والسريعة التي نمت فيها هذه الشبكة هو طبيعة الظروف التي رافقت سقوط نظام صدام؛ إذ كان هناك مئات “المتطوعين” العرب، الذين بقوا في العراق، وكانت جماعة الزرقاوي، المحدودة آنذاك، هي المحضن الوحيد الذي يمكن أن يستوعبهم. ونظراً لخبرة الزرقاوي ومجموعته في العمل السري والتجنيد الحركي تمكّن بسرعة شديدة من استيعاب وضم عدد كبير من القادمين، والبدء بنشاط عسكري وأمني استقطب أعدادا أخرى من “المتطوعين”، الذين فتحت لهم الحدود السورية في الفترات الأولى، فأصبح لدى الزرقاوي قاعدة صلبة من العرب.


وفّر المجتمع السني محضناً آمنا لهذه الجماعة، نتيجة شعوره بالخطر، والتقاطه رسائل متعددة من قوى شيعية ومن الاحتلال الأميركي تؤكد أنّ السنة هم الخاسر الرئيس من التطور الجديد، وأنّهم مهددون بأمنهم ودورهم، وكان لظروف استبعاد – أو عدم مشاركة- السنة من العملية السياسية دورٌ كبير في اكتساب الزرقاوي أنصارا وأعضاء عراقيين، أصبحوا مع مرور الوقت أكثر عددا وقدرة وكفاءة من العرب القادمين من الخارج. في المقابل أدّى تأخر القوى السنية الأخرى في بناء نشاطها العسكري وفي تكيفها مع التطورات الجديدة إلى تقوية شوكة الزرقاوي، بحيث أصبح رقماً صعباً فرض على القوى المقاتلة الأخرى التعامل معه، رغم الاختلاف الواضح في المنطلقات والأهداف بعيدة المدى، التي تمّ تجاوزها بذريعة التوافق على “طرد الاحتلال”.


حظي الزرقاوي بالجلبة الإعلامية لدور جماعته الكبير في “العمليات التفجيرية” (غير التقليدية) التي تؤدي إلى آثار مدمرة من ناحية، كما ساهم نشاط شبكات “السلفية الجهادية” على “الانترنت” في لفت الانتباه العالمي للزرقاوي وشبكته من ناحية ثانية. في المقابل كانت الولايات المتحدة مستفيدة من التركيز على الزرقاوي لتشويه صورة المقاومة العراقية بأسرها والخلط بينها وبين العمليات التي كانت تستهدف الشيعة وتؤدي إلى مقتل الأبرياء والمدنيين.


في المرحلة الأخيرة بلغت قوة “قاعدة العراق” حدّاً كبيراً، إلى الدرجة التي كان يفكّر فيها الزرقاوي، قبل وفاته، علناً بإقامة إمارته في وسط وغرب العراق، في ظل استمرار الوضع الأمني والسياسي بالتدهور والتراجع. بل يرى حسن أبو هنية، الباحث المتخصص في شؤون القاعدة، أنّ الزرقاوي بات يفكر في المرحلة الأخيرة كمؤسس لإمارةٍ وسط وغرب العراق، لذلك أكثر من تحركاته ونشاطه داخل المجتمع السني، ما أدى إلى وجود ثغرات أمنية كبيرة ساهمت في رصده ومتابعته ثم القضاء عليه.


السؤال الرئيس الآن: ما هو مصير شبكته بعد وفاته؟


على الصعيد الداخلي العراقي، ثمة تحديات رئيسة تواجه الشبكة وتمثّل محددات للمرحلة القادمة، وفي مقدمة ذلك سؤال العلاقة مع المجتمع السني، من المعروف أنّ الشهور الأخيرة شهدت توترا كبيرا بين أنصار الزرقاوي وبين عشائر سنية وصلت في بعض الأحيان إلى مرحلة المواجهات العسكرية، وهذا الخلل في العلاقة أدى إلى انكشاف شيء من الغطاء السني عن الزرقاوي وجماعته، محدثاً عدة اختراقات رئيسة.


ترتبط علاقة شبكة الزرقاوي “القاعدة في بلاد الرافدين” بالمجتمع السني بعوامل رئيسة؛ أبرزها مدى اندماج السنة في العملية السياسية الحالية، التي يعارضها “تنظيم القاعدة” ويرفضها من الأساس، والقاعدة الذهبية، في هذا السياق، هي: انّ  مضي العملية السياسية قدما واندماج السنة فيها وحصول توازنات سياسية بين الطوائف العراقية المختلفة سيضعف القاعدة كثيرا، أمّا إذا تدهور الوضع الأمني وتباطأت او فشلت العملية السياسية وانتشرت حالة الصراع الطائفي والحرب الأهلية فإنّ “تنظيم القاعدة” قادم على مرحلة ذهبية، فهو بمثابة “المعادل السني” المتطرف للتطرف الآخر.


ومن الأسئلة التي تواجه القاعدة مدى وحدة التنظيم وتماسكه بعد وفاة الزرقاوي، الذي لعب دورا كبيرا في تأسيس التنظيم وتطويره. صحيح أنّ هنالك “مجلس شورى المجاهدين” وخليفة للزرقاوي، لكن ذلك كله معرض للامتحان والاختبار، بخاصة أنّ التجارب السرية المسلّحة تشي دوما بإمكانية كبيرة للانقسام والاختلاف وربما الاقتتال أيضاً. ولعل شخصية الخليفة الجديد للزرقاوي سيكون لها الأثر الكبير في تحديد قدرة التنظيم على البقاء موحدّا أو لا.


على الصعيد الإقليمي؛ فمن الواضح أنّ مركز عمل تنظيم القاعدة عالمياً وثقله الرئيس انتقل، في المرحلة الأخيرة، من أسيا الوسطى إلى الشرق الأوسط، ومركزه الرئيس في العراق، الذي تحوّل إلى حاضنة لهذا التنظيم والشباب الذين اكتسبوا احترافا وقدرات أمنية وعسكرية من خلال الصراع الدائر في العراق. إذ يرسل التنظيم أتباعه وخلاياه عبر الحدود للضرب في دول (حالة الأردن) ويستقطب المطاردين في دول (حالة السعودية) ويمد يده للتأثير على دول متعددة في المنطقة (حالة لبنان، مصر، فلسطين، سورية).


هذا النشاط الإقليمي الكبير سيتأثر، على المدى القريب، بمقتل الزرقاوي، وسيضعف إلى حين تكيف التنظيم مع المتغيرات الجديدة داخل العراق، وفي مقدمة الدول المستفيدة من مقتل الزرقاوي الأردن، فالقائد الجديد، سيكون غالبا عراقيا، – على الأقل لا يوجد أسماء أردنية مرشحة- ليس لديه مشكلة تاريخية مع الأردن، كما كان عليه حال الزرقاوي، الذي كان في العراق وعينه على الأردن. كما أنّ الأولوية القادمة للقاعدة ستتمثل بالتركيز على الشؤون الداخلية والعمل على الساحة العراقية لاثبات أنها لا تزال فاعلة وقادرة بعد مقتل زعيمها، ما سيجعل الأردن والدول الأخرى، على المدى القريب على الأقل، بعيدة عن تفكير التنظيم واستراتيجيته.  


لكن في سياق استشراف مستقبل القاعدة، لا بد من التأكيد أنّ ازدهار هذه الجماعات ونموها ليس وليد الفراغ، إنما نتاج الأزمة الحالية العامة بامتياز، وطالما بقي الوضع السياسي أو الاقتصادي والثقافي مترديا، وطالما بقي هنالك عدوان خارجي وعجز داخلي عن مواجهته فإنّ التربة مهيأة لانتاج آلاف الزرقاويين!


[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock