فكر وأديان

الزكاة من منظور مجتمعي

د. هاشم غرايبة

يعتقد أغلب الناس أن الزكاة فريضة تعبدية اختصت بالمال فقط، لكنها في حقيقتها مفهوم أشمل من ذلك بكثير.
المتأمل في قوله تعالى على لسان عيسى عليه السلام:” وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ” [مريم:31]، لا شك سيستوقفه التساؤل: لماذا يوصى النبي بالزكاة مع أنه في غالب الأمر لا يكون من الأغنياء، بل قد لا يكون ما يملكه مستحقا للنصاب الشرعي؟، ألا يعني ذلك أن هنالك أوجه للزكاة في غير الأملاك أيضا.
لغويا فإن معنى الزكاة هي البركة والنماء وتأتي غالبا في وصف الأمر الطيب والذكر الحسن، لذلك سمي إخراج جزء من المال كصدقة زكاة له، بمعني تطييبه ومباركته وتنقيته. التطييب يتأتى من بذله عن طيب نفس من الدافع فلا يكون فيه منّة لأن ذلك شرط قبولها من الخالق، وتقبله عن طيب خاطر من المتلقي، فلا يحس بذلة اليد السفلى كونها تنفيذا لأمر إلهي وليست تبرعا.
البركة هي الزيادة والإكثار من نوع العمل ذاته، وهذا فعل إلهي صرف، وبما أن الله مالك كل شيء” وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ” [الحجر:21]، فإن الزيادة أو الإنقاص قد تكون في النوع ذاته الذي قدّر الله أن يباركه ، أو في نوع آخر من الرزق قد يكون المرء في حاجة لكن لا تتوفر له مقومات الوصول إليه، لذا قال صلى الله عليه وسلم ” داووا مرضاكم بالصدقات”، وهذا النوع من (المناقلة) ليس بإمكان أحد غيره تعالى، فقد يكرم مزارع شخصا يواده بصندوق من البرتقال لأن هذا ما تنتجه أرضه، أو يمكن أن يكون كرم صيدلاني عليه بدواء مجاني أو بسعر مخفض، فيما لا يجد مفكر ما يمنحه إياه إلا كتابا من نتاج فكره، لكنه قد لا تكون له في أي مما سبق حاجةٌ ماسّة، إذ يمكنه شراءها، لكنه قد يتمنى خلاصا من مأزق وقع به أو نجاة من حادث أصابه، أو غيرها من أمور لا تشترى بمال ولا يدرأ حدوثها فطنة ولا حذر، هذه الأمور جميعها لا يمكن أن يمتلكها شخص واحد، بل فقط من يملك خزائن كل شيء، وهو ذاته الذي يقدّر نصيب كل امرئ منها، وبما أنه العليم بما يحتاجه المرء، فسوف يكون إكرامه له باختيار النوع الذي يعلم مدى حاجته إليه، وبصورة أدق من علم المستحق للبركة ذاته.
أما التنقية فهي إزالة ما يشوب الشيء أو يفسده بحيث يبقى كامل النفع لأنه خالص النقاء، فالغِنى يفسده التعالي، لأن كثير المال قد يعتقد أنه بإمكانه شراء كل شيء بماله، ويستغني عن الآخرين، فيذهب وُدُّهم له، بل قد لا يبقى في نفوسهم له إلا الحسد، لذا يأتي منحه إياهم جزءا من هذا الذي به امتاز عليهم، لتنقية ما تراكم طوال العام في نفوسهم من ضغينة، وهذا يفسر حكمة إخراج الزكاة من الصنف ذاته الذي كثُر عنده وفاض عن احتياجاته.
عودة الى وصية الله تعالى لنبيه عيسى عليه السلام”وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا” ، فالصلاة هي الأساس للعبادة لأنها صلة العبد بربه، واقتران الزكاة بها يدلنا على عظم شانها.
لكن إن تأملنا في هذا الاقتران، لاشك أننا نتساءل: إذا كان أداء الصلاة واجبا على كل مسلم فلا تسقط بأي عذر، بينما الزكاة على المقتدر فقط، وهؤلاء لايشكلون إلا نسبة قليلة بين المسلمين، فما الحكمة من الربط بينهما أي جعل أداء الزكاة مثل الصلاة مادام المرء حياً؟.
إذاً نستدل على أن هنالك أمورا كثيرة قد يمنحها الله لبعض البشر ويميزهم بها غير المال، كالمواهب والقدرات الجسدية والعقلية المميزة مثل العلم والحكمة والخلق الطيب والفن والمهارات المتميزة ..الخ.
وبما أن المال لا يعتبره المسلم كسبه عن علم أو مهارة، بل هو مال الله، يهبه لمن يشاء ليستخلفهم فيه، وفرض على من نال أكثر من كفايته أن يخرج منه قدرا معلوما يوزع على من يحتاجون اليه، فإن من فضّله الله أيضا بتلك الأعطيات الجسدية والعقلية، عليه أن يزكيها أيضا.
ولأنها قيم معنوية فتقدير النصاب وأوجه الأداء معنوية أيضا، لنأخذ أمثلة : فالعالِم مثلا يجب أن لا يسعى للتفوق ونيل المراتب وتحقيق الكسب من وراء أبحاثه واختراعاته فحسب، بل عليه أن يخصص نصيبا منها لمنفعة الناس الفقراء وإيصال بعض ثمرات علمه لغير القادرين على الحصول عليها لارتفاع كلفتها، كما وتخصيص جزء من وقته لتحسين ظروف المحرومين، وليس فقط توفير الرفاهية للقادرين ماليا.
من هذا المثل يمكن أن نسحب مبدأ زكاة الموهبة أو المقدرة المميزة، وبالأسلوب نفسه يمكن أن يقتطع نصيبا من ثمرات موهبته التي منحها الله له لكي تصل الى المحتاجين، فالمفكر والفيلسوف والحكيم والطبيب والمهندس و…الخ كل واحد ممن كان لديه ما ينوف عما لدى المتوسط من الناس العاديين، عليه أن يؤدي زكاة ذلك الفضل من نوع ما لديه، حتى الذي رزقه الله خلقا حسنا، فزكاة ذلك الفضل الذي حباه الله به تكون في أن يكون قدوة طيبة لمن ينقصه ذلك، ومعلما له لتقويم أخلاقه.
نستنتج أن الزكاة مثلها مثل الصلاة، فعلاً حاضرا طوال العمر، ومثلما أن الصلاة تبقي المرء متصلا على الدوام بالله، وبالتالي مطمئنا على نوال حوائجه، وكذلك فالزكاة فعل متواصل من البركة والنماء لعمله ومعرفته.
هكذا يتميز المجتمع الذي ينتهج الإسلام، عن ذلك الذي ينتهج الليبرالية والتي تعتمد فلسفتها على التنافسية الفردية: فالتنافس يولد الأثَرة والرغبة في الإستفراد ومن ثم احتكار الخير في قلة محدودة، إن تعاونت هذه القلة المترفة كونت الكارتيلات الإحتكارية، وإن تصارعت طحنت كل من هم تحتها، وبالتالي يتكون مجتمع متصارع تحقد فيه الطبقة المسحوقة على مستعبديهم ويأكل الأقوياء الضعفاء.
المجتمع الإسلامي تكافلي يحفظ حق الناجحين والمتميزين لكنه يبقيهم على تواصل ودود مع الفقراء من خلال الزكاة والصدقات وأعمال البر، وتزول بينهم الفوارق الطبقية ويتقاربون عندما يصطفون للصلاة جنبا الى جنب، وتزول بينهم الأحقاد الطبقية عندما يقدم الغني الصدقة بكل محبة ومن غير تعالٍ، لأنها للتقرب من الله.
وهكذا فلمن خاف مقام ربه جنتان.. جنة تشعره بالرضا والسلام الداخلي فتسعده في الدنيا، وجنة الآخرة التي فيها النعيم المقيم والسعادة الأبدية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock