ترجمات

السجاد والكتب والمجوهرات: لماذا كان النهب مركزيا في النكبة الفلسطينية؟

آفي رام تسوريف – (مجلة 972+) 24/3/ 2022

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

“جلبت معي بعض الأشياء الجميلة من صفد. وجدتُ لسارة ولي بعض الفساتين العربية المطرزة الجميلة التي قد يتمكن خياطنا المحلي من إصلاحها.

وملاعق، وأوشحة عنق، وأساور، وطاولة دمشقية، وطقم قهوة مكون من أكواب فضية جميلة، ثم بالأمس أحضرت سارة أيضا سجادة فارسية رائعة وجديدة تماما، لم أر أبدا شيئا جميلا جدا كهذا. يمكن لغرفة جلوس من هذا النوع أن تتميز بذاتها حتى بين أغنى الناس في تل أبيب”.

هذه السطور المتدفقة من رسالة لا تصف أشياء تم ابتياعها من السوق.

إنها تصف جائزة، أو مكافأة: الأرباح الخاصة التي جناها جندي إسرائيلي من عملية التطهير العرقي للفلسطينيين في مدينة صفد خلال حرب 1948.

إلى جانب المذابح، والطرد، ومصادرة المنازل والأرض في تلك الحرب، سرق الإسرائيليون –المقاتلون منهم والمدنيون على حد سواء- ونهبوا مجموعة مذهلة من المقتنيات الفلسطينية: متعلقات شخصية، وآلات موسيقية، ومواش، ومنتجات زراعية، وآلات زراعية، وآثار، ومحتويات محلات ومكتبات كاملة.

ولم يتم تحديد الحجم الكامل لنهب الممتلكات الفلسطينية الخاصة وقيمتها بشكل قاطع، وإنما تم فقط توثيق الأشياء التي تمت مصادرتها أو تسليمها إلى الدولة بالتفصيل.

هذه السرقة الجماعية هي موضوع “نهب ممتلكات العرب في حرب الاستقلال”، كتاب آدم رامز الذي صدر بالعبرية عن دار كرمل للنشر في العام 2020. ويعمل راز باحثا في مجموعة الأرشفة الإسرائيلية “أكيفوت”.

ويركز الكتاب بشكل خاص على نهب الأصول المنقولة للفلسطينيين الذين طردوا من أراضيهم في العام 1948 ولم يُسمح لهم بالعودة إليها أبدا.

يفصل راز هذه الممارسة الخاصة عن مصادرة الأراضي الفلسطينية التي نفذتها الدولة الإسرائيلية الوليدة، في محاولة لتعقب الأعمال التي مورست -ليس من أعلى إلى أسفل “بموجب مرسوم سياسي”، وإنما “من أسفل إلى أعلى” -قام بها الجيران الذين كانوا يعيشون في مساحات مشتركة مع الفلسطينيين حتى عشية الحرب.

ويعتقد راز أن هذه التجربة أثبتت أنها تكوينية لموقف المجتمع اليهودي الأوسع ضد عودة اللاجئين الفلسطينيين.
الجزء الأول من الكتاب مخصص لتوثيق كثيف وغني لعمليات النهب، باستخدام وثائق من الأرشيفات الإسرائيلية، ومقتطفات من الصحف العبرية في ذلك الوقت، ومذكرات ويوميات لرجال الدولة الصهاينة، والكتب التذكارية للكتائب، ومذكرات لمحاربين إسرائيليين قدامى في العام 1948.

وفي الجزء الثاني، يقدم راز تحليله للتداعيات السياسية للنهب، مجادلا بأن أعمال النهب الفردية كان لها تأثير تأسيسي كبير على سياسة إسرائيل المتمثلة في الرفض الكامل لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم.

يجادل راز بأن اللصوص أصبحوا، من خلال أعمال النهب التي قاموا بها، “شركاء سلبيين في السياسة التي سعت إلى إفراغ الأرض من سكانها العرب”، حتى على الرغم من أن الأنماط المختلفة من الإنكار الوطني وإسكات الحقيقة منحت اللصوص نوعا من العفو الاجتماعي عن جرائمهم.

وحولت أعمال النهب احتمال عودة الفلسطينيين إلى تهديد ملموس للمصالح الاقتصادية للنهابين، الذين سيضطرون -ظاهريا- إلى إعادة المواد المسروقة إلى أصحابها الشرعيين.

ويضيف راز أن الافتقار إلى وجود سياسة استباقية لتأمين الممتلكات الفلسطينية ارتقى إلى آلية رئيسية للحصول على دعم المجتمع الإسرائيلي لخلق مكان خال من العرب، مخصص لليهود فقط -وهي السياسة التي يقول راز إنها أصبحت “مهيمنة على مدار فترة الحرب”.
يقدم كتاب راز مساهمة مهمة بتوثيقه الواسع للنهب خلال حرب العام 1948، الذي اجتذب في السابق القليل من النقاش الأكاديمي.

كما يستعرض مواقف العديد من حراس بوابات التاريخ الصهيوني المختلفين الذين دافعوا صراحة عن السياسات الإسرائيلية في العام 1948.

ومع ذلك، يعتمد الكتاب بشكل شبه حصري على مواد من الأرشيفات الإسرائيلية وأعمال الباحثين الإسرائيليين اليهود حول حرب العام 1948 (باستثناء اثنين، صبري جريس ومصطفى عباسي).

وبذلك، فإنه يحافظ على ممارسة تجاهل ومحو الكم الكبير من الأعمال الفلسطينية الواسعة حول النكبة ونتائجها.

يركز راز على إثبات تواطؤ المجتمع اليهودي في فلسطين في النهب، ودراسة التداعيات التي خلفها هذا التواطؤ لتوحيد المجتمع الإسرائيلي حول مؤامرة الصمت، والطريقة التي شكلت بها هذه المؤامرة الأساس لتبرير منع عودة اللاجئين الفلسطينيين.

ويُحسب لراز أنه يستشهد بمطالبات قدمها مُلاك فلسطينيون، محفوظة في الأرشيفات الإسرائيلية، ويحرص على ذكر أسمائهم باللغة العربية للتعويض عن الفساد والخطأ في كتابة هذه الأسماء في الوثائق الإسرائيلية.

ومع ذلك، فإن حقيقة كون هذه الاقتباسات نفسها مأخوذة من داخل حدود سجلات الحكومة الإسرائيلية تشير إلى موضع الكتاب ضمن حدود الخطاب الإسرائيلي.

يُرشد هذا الموضع أساس تحليل راز لعمليات النهب، بالإضافة إلى مقاربته للنكبة كحدث استثنائي -ليس كجزء من سياق متصل من السياسة الصهيونية، وإنما كنتاج لكوارث حدثت في شهور قليلة قصيرة من الحرب، وفي سياق الفرص السياسية الفريدة التي خلقتها تلك الحرب.

ويشدِّد راز على النقاشات التي جرت داخل الحركة الصهيونية حول النهب، مع التركيز بشكل خاص على دور ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، المتمثل في الامتناع عن القيام بأي عمل لحماية الممتلكات الفلسطينية.

لكن راز يتجاهل حقيقة أن جميع أطراف هذه النقاشات الصهيونية تتشارك في رؤيتها الأساسية للفلسطينيين على أنهم أقلية فقط في الدولة القومية اليهودية المستقبلية.

وبذلك، يتجاهل راز أيضا الطريقة التي تم بها الربط الوثيق بين السياسات الاستعمارية الصهيونية والنظام المدني الليبرالي -ظاهريا- الذي تأسس في إسرائيل، وتشكيل البنية التحتية لما أطلق عليه المؤرخ شيرا روبنسون وصف “دولة المستوطنين الليبرالية”.

“تسلسل هرمي للمعرفة”

بالنسبة للاجئين الفلسطينيين، لا تتطلب مسألة مشاركة أفراد يهود في نهب مقتنياتهم أدلة أرشيفية؛ فهذه المقتنيات جزء لا يتجزأ من ذاكرة الفلسطينيين قبل طردهم، وهذه السرقة لا تنفصل أبدا عن مصادرة إسرائيل لأراضيهم.

تصف رواية غسان كنفاني القصيرة، “العودة إلى حيفا”، عودة اللاجئين الفلسطينيين سعيد وصفية إلى منزلهما في حيفا، الذي كانا قد أجبرا على الفرار منه، بعد فتح بوابة ماندلباوم على الحدود الأردنية الإسرائيلية السابقة عبر القدس في أعقاب حرب العام 1967.

وتصف الرواية المقتنيات المختلفة التي تركها الزوجان والذكريات التي تستحضرها:

“لقد بدا له المدخل أصغر قليلا مما تصوره وأكثر رطوبة. واستطاع ان يرى أشياء كثيرة اعتبرها ذات يوم، وما يزال، أشياءه الحميمة الخاصة التي تصورها دائما مُلكية غامضة مقدسة لم يستطع أي كان أن يتعرف عليها أو أن يلمسها أو أن يراها حقا.

ثمة صورة للقدس يتذكرها جيدًا وما تزال معلقة حيث كانت، حين كان يعيش هنا. وعلى الجدار المقابل سجادة شامية صغيرة كانت دائما هناك أيضاً”.

كانت الأشياء -الصورة، والسجادة السورية- هي التي تضفي على المنزل معناه.

إنها مخازن لطبقات من الذاكرة الفلسطينية وللحاضر على حدٍ سواء، يتم فيها انتزاع الأشياء المقدسة والحميمة بعنف من أصحابها ومنحها للغرباء.

وقد نُشرت رواية كنفاني في العام 1969 وأصبحت منذ ذلك الحين نصًا أساسيًا للنضال الوطني الفلسطيني، يعكس بأمانة الطريقة التي كان يُنظر بها إلى الممتلكات المنهوبة على أنها مكون أساسي للصورة العامة للطرد.

كما لاحظ المؤرخ عادل مناع، كان النهب، وخاصة ذلك الذي مارسته القوات العسكرية الإسرائيلية، عملا روتينيا. وهو يظهر في العديد من الأوصاف للأحداث التي رواها اللاجئون وسكان قرى الجليل”.

وفي كتابه عن الناجين من النكبة في الجليل وحيفا، اعتمد مناع على مقابلات أجراها مع سكان القرى، ومؤرخين محليين، وسير ذاتية ومذكرات لفلسطينيين، حيث احتلت أوصاف النهب صدارة المشهد.

في الأثناء، استخدمت زميلته المؤرخة الفلسطينية شيرين صيقلي قائمة تضم 52 عنصرا متلفا أو مسروقا كان قد صنعها جدُّها (“الرأسمالي الفلسطيني” من عكا الذي جُعل لاجئًا محرومًا) كأساس لفهم سلوك اللاجئين الذين ظلوا تحت الحكم الإسرائيلي.

وتسلط صيقلي الضوء على الطرق التي يمكن بها لقائمة جرد بسيطة للأشياء أن ترشدنا عن انهيار النظرات العالمية بأكملها، والتجارب الحية، والشبكات الشخصية والاجتماعية، والممارسات الثقافية الموجودة في الدوائر الاجتماعية التي كان جدُّها ينتمي إليها.

هذا الطيف الكامل من المصادر غائب عن كتاب راز. في المقدمة، يذكر راز أن هدفه هو “تسليط الضوء على جانب غير مألوف بشكل كاف من تاريخ تلك السنوات: تورط قطاعات كبيرة من المجتمع الإسرائيلي، من المقاتلين والمدنيين على حد سواء، في نهب الممتلكات العربية”.

هذا العرض للنهب باعتباره “جانبًا غير مألوف بشكل كافٍ” للحرب يكذبه تجاهل المؤلف للمنظور الفلسطيني ولوجود قصص عن المقتنيات المنهوبة في الشهادات الفلسطينية.

وهكذا، يؤسس هذا الموقف تسلسلاً هرميًا للمعرفة، يعطي للمواد الأرشيفية المؤسسية الأولوية على أنماط المعرفة الجماعية المتراكمة خارج نطاق الأرشيف.

ويفسّر نفسُ الموقف تمييز راز بين النهب، الذي يصفه بـ”الأنشطة غير القانونية”، والمصادرة “القانونية” للأراضي والممتلكات الأخرى أثناء القتال وبعد الحرب.

تقدم مذبحة الطنطورة مثالاً مهماً على هذه الدينامية.

كانت الباحثة سميرة السمير قد أجرت تحليلاً للطريقة التي اعتبرت بها السلطات الإسرائيلية، أثناء محاكمة تيدي كاتس -طالب الدكتوراه الإسرائيلي الذي أقام عليه جنود إسرائيليون سابقون دعوى قضائية بسبب البحث الذي أنجزه عن المذبحة- اعتبرت الشهادات الشفوية قابلة لاعتمادها فقط إذا سجَّلت كل التفاصيل الخاصة لمذبحة مخصوصة بطريقة متماسكة مثل الوثائق الرسمية.

ومع ذلك، تصف الشهادات المذابح باستمرار -ليس على أنها حوادث معزولة، وإنما كجزء من واقع شامل من الطرد ونزع الملكية.

وهكذا، جادلت السمير ضد محاولات استخدام الشهادات الشفوية للتعرف على أحداث استثنائية -ظاهريًا- كما لو أنها كانت منفصلة عن السياق العام للحرب ونزع الملكية؛ لم تكن هذه الفظائع تجاوزات للقاعدة، ولكنها كانت جزءً من القاعدة نفسها.

بعبارات أخرى، يمكن لمحاولات راز عزل النهب كحدث مستقل وغير عادي، وإعادة تصوير السارق على أنه منتهك للمعايير القياسية ومجرم، أن تبدو صالحة فقط إذا تبنَّينا منظور الجناة –المنظور الذي تحفظه الوثائق الأرشيفية الرسمية.

وفي الوقت نفسه، بالنسبة لضحايا النكبة، فإن التمييز بين “القاعدة” -التجريد القسري من الممتلكات، والطرد، ومصادرة الأملاك- و”الاستثناء” -أعمال النهب الفردية- غير موجود، ببساطة.

المستعمرون الأخلاقيون

يقود الاعتماد على التوثيق الأرشيفي راز إلى التركيز على كيفية تفاعل الشخصيات الرئيسية في الحركة الصهيونية مع ظاهرة النهب في الوقت الفعلي.

وهو ما يسمح له أيضا بتحديد ما يعتقد أنه عدم التجانس في الحركة الصهيونية.

على سبيل المثال، وفقًا لراز، كان نهج دافيد بن غوريون المتمثل في عدم التدخل في نهب أملاك الفلسطينيين ورؤيته للحرب كأداة لتشكيل المجتمع الجديد موقف أقلية حتى داخل حزبه نفسه، و”مثيراً للجدل بشكل كبير في أوساط قيادة الحركة الصهيونية الأوسع”.

ومع ذلك، سرعان ما أصبح الموقف هو السائد “عن طريق التلاعب”، كما يقر راز.

لكننا إذا نظرنا عن كثب إلى ما يستشهد به راز كأمثلة على المعارضة لبن غوريون، نجد أنه إلى جانب رفض النهب كجريمة تُلحق الضرر بالصورة الأخلاقية للموضوع الصهيوني، لم يعارض أي سياسي يُعتد به التطلع إلى تأسيس نظام حكم يركز على الهيمنة اليهودية الإسرائيلية.

وقد تطلب هذا التطلع بطبيعته تحويل الأغلبية الفلسطينية إلى أقلية -حتمًا باستخدام وسائل عنيفة- ولكن أيضًا تحقيق الشرعية الدولية للاستعمار الصهيوني، وهو عنصر لتشكيل السياسة لم يقترب راز من الاعتراف به في الكتاب.

اقرأ المزيد:

إسرائيل و”النكبة”: من الاعتراف إلى الإنكار

أحد الأمثلة التي اختارها راز هو يسرائيل جليلي، الذي كان في ذلك الحين رئيس أركان الهاغاناه، المجموعة الصهيونية شبه العسكرية التي ستكون بشكل رئيسي جيش الدفاع الإسرائيلي.

ويدّعي راز أن جليلي، على عكس بن غوريون، حاول بنشاط منع النهب، وأن “موقفه تجاه المجتمع العربي في البلاد وتجاه مستقبل علاقة دولة إسرائيل بالمنطقة كان مختلفًا جوهريًا عن موقف بن غوريون”.

يستند ادعاء راز إلى أوامر جليلي بشأن “السلوك مع القرى (الفلسطينية) التي تستسلم”، والتي نصت على أنه “في أي حالة من حالات طلب الحماية اليهودية، يجب أن تفكر مليًا فيما إذا كنت تريد ترك العرب في مكانهم أو نقلهم إلى الخلف”.

أي أن الخضوع والتماس السيطرة الإسرائيلية هما الشرطان الأساسيان لمعاملة العرب كنظراء.

وثمة معارض آخر، ظاهرياً، لبن غوريون هو وزير شؤون الأقليات، بشور شالوم شطريت، الذي يتم تقديمه على أنه شخص “حارب بصوت عالٍ ضد السياسة السائدة”.

لكن موقفه يوضح في المقام الأول كيف أن المطالب بوقف النهب كانت ما تزال متجذرة في نظرة عالمية ترى الفلسطينيين فقط كأقلية مستقبلية في دولة يهودية، وتسعى في المقام الأول إلى منع تلويث الحركة الصهيونية بالجريمة.

رأى شطريت، الذي تصوَّر وزارته على أنها مكلفة بإقامة علاقة بين “النظام اليهودي والأقلية العربية”، مسألة المُلكية الفلسطينية بمثابة اختبار حقيقي للحكومة الصهيونية:

“أخلى السكان العرب أكثر من مائة مجتمع كانوا يسكنونها… البعض منهم أخذوا متعلقاتهم معهم… لكن البعض الآخر تخلوا عن ممتلكاتهم وراءهم ووضعونا أمام اختبار.

يجب أن نتحمل هذا الاختبار ونثبت لهم وللعالم بأسره أننا شعب متحضر ومستعد وراغب في تحمل مسؤولية حماية ممتلكاتهم والحفاظ على علاقات عادلة ومعيارية مع أولئك الذين يرغبون في البقاء بيننا أو العودة إلينا”.

مثل جاليلي، يستمد شطريت واجب الحركة الصهيونية تجاه ممتلكات اللاجئين الفلسطينيين من خضوعهم واستعدادهم للوجود كأقلية تحكمها الهيمنة اليهودية.

ووصف شطريت ممتلكاتهم بأنها “متروكة” –وهو اختيار للكلمات يهدف إلى تبرير مصادرة ملكيتها من أصحابها الشرعيين، وإضفاء الشرعية على وضع الدولة كوصي شرعي عليها.

ويضع شطريت أيضًا المسؤولية على كاهل اللاجئين ليقرروا ما إذا كانوا يريدون “البقاء بيننا”.

بعبارة أخرى، للحصول على المعاملة العادلة التي يمتدحها راز، يجب على الفلسطينيين أولاً الموافقة على قبول وضعهم الجديد التابع والدوني.

أشار المحامي والباحث الدستوري حسن جبارين إلى أنه لا يمكن تحليل وضع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل من دون النظر إلى النكبة، وحقيقة أن هويتهم المدنية تشكلت في ظل الإخضاع والقهر الاستعماري والرهبة الوجودية من الفناء، مما أدى إلى قبول على مضض بالسيادة اليهودية.

وفي ظل المواطنة الاستعمارية، كما يقول جبارين، فإن الحقوق القانونية تكون مشروطة باستعداد المجتمع المقهور لقبول هزيمته.

وهكذا تصبح المواطنة نفسها مرتكزًا للتفوق اليهودي، وأي دعم قد يعبّر عنه الفلسطينيون لمصلحتهم الوطنية الخاصة يتم عرضه على أنه تجذير للعدو.

وتشير شيرا روبنسون، بدورها، إلى أن ضمان الحقوق المدنية للمواطنين الفلسطينيين كان ضروريًا لإضفاء الشرعية على دولة المستوطنين على الساحة الدولية، والمضي قدمًا في تنفيذ الأجندة الاستعمارية، وصولاً إلى أنظمة قانونية متعددة في نفس الدولة ذات السيادة، مثل فرض الحكم العسكري على المجتمعات الفلسطينية داخل إسرائيل من العام 1948 حتى العام 1966.

وتلاحظ روبنسون تطور خطاب التعايش الداخلي الذي أدى إلى فصل المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل عن بقية الشعب الفلسطيني ووصفهم بأنهم “عرب إسرائيل” أو “عربنا”، الخاضعون لحكم يهودي حصري.

تسمح لنا حجج روبنسون وجبارين بالنظر في المعنى السياسي للمعارضة الإسرائيلية للنهب التي رفع راز من قدرها، مع تركيز جديد على مدى إشكالية مناقشة النهب باعتباره نشاطًا “غير قانوني” متميزًا ومنفصلًا عن نزع ملكية الفلسطينيين على النطاق الأوسع. بالنسبة لهؤلاء المنتقدين الإسرائيليين، كانت مسألة تأمين الممتلكات الفلسطينية ترقى إلى غاية تحقيق التطلعات الليبرالية للدولة اليهودية، مشروطة بعجز الفلسطينيين واستسلامهم.

ولم يكن الاهتمام والقلق يتعلقان بممتلكات الفلسطينيين بقدر ما تعلقا بالصورة الأخلاقية للموضوع اليهودي و”السمعة الجيدة للحركة الصهيونية”.

ومن المهم بشكل خاص ملاحظة أن التنديد بالنهب كان يتم في كثير من الأحيان باعتباره جريمة ضد الدولة وليس ضد المدنيين الفلسطينيين، حيث كان يُنظر إلى هذه الممتلكات “المتروكة، أو “المهجورة” على نطاق واسع على أنها “ممتلكات حكومية”، وفقًا لتقرير صحفي استشهد به راز.

 

جنود من عصابة البلماخ الصهيونية يجلسون على أنقاض قرية فلسطينية مدمرة، 1948 – (المصدر)
جنود من عصابة البلماخ الصهيونية يجلسون على أنقاض قرية فلسطينية مدمرة، 1948 – (المصدر)

ويصبح هذا مدهشاً بشكل خاص عندما يحاول راز أن يقدّم إيغال ألون -أحد مهندسي عمليات الطرد والتطهير العرقي في العام 1948، ولاحقًا للاحتلال العسكري في العام 1967- كمعارض بارز لأعمال النهب، أعرب عن أسفه “للمخاطر التي تهاجم شخصية الإنسان بيننا الآن أكثر مما فعلت في أي وقت مضى”.

وهكذا، يبدو أن شجب النهب والصدوع التي ينشرها في أركان النظام الليبرالي، ودفع نزع ملكية الفلسطينيين من أراضيهم في الوقت نفسه، وجهان لعملة واحدة: ظهور دولة الاستيطان الليبرالية.

غياب السياق الاستعماري

يردد تحليل راز للنهب كظاهرة متميزة ومنفصلة أصداء مشكلة أوسع: رؤية النكبة كحدث منعزل موجود خارج النمط الأوسع للاستعمار الاستيطاني الصهيوني.

ويعزو راز عدم التجانس الذي يراه داخل الحركة الصهيونية إلى النقاشات بين قياداتها حول أفضل السبل لتنفيذ خطة التقسيم التي كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد اعتمدتها حديثًا.

ويدعي أن الأغلبية تنافست من أجل الانتقال التدريجي من الانتداب البريطاني إلى إقامة دولتين قوميتين كما هو متصور في الخطة.

ومع ذلك، سعت أقلية إلى “تصعيد الصراع من أجل تقريب موعد المعركة الحاسمة” على امتلاك الأرض.

هذا النهج، المصحوب بافتراض وجود “موقف عربي يصبح أكثر تطرفاً باطراد”، يلتزم بالتصور المتقاسَم على نطاق واسع الذي يرى خطة التقسيم للعام 1947 واستعداد القيادة الصهيونية لتأييدها كعلامات على الاعتدال.

يحدث هذا حتى عندما يشدد راز على أن بن غوريون “لم تكن لديه النية لتبني خطة التقسيم حرفياً”، وسعى إلى تأمين حدود إقليمية أوسع بكثير مما اقترحته الخطة.

بالإضافة إلى ذلك، يتجاهل راز حقيقة أن خطة التقسيم في العام 1947 كانت في الواقع شهادة على الشرعنة الدولية لإنجازات الاستعمار الصهيوني ومطالبته بالسيادة.

ولطالما تم تقديم هذه المقاربة الصهيونية لخطة التقسيم على أنها تنازل؛ لكنها كانت، في الواقع، انتصارًا حاسماً قطعاً، متجذرًا في تجاهل المجتمع الدولي الصارخ للتطلعات الوطنية لغالبية السكان العرب في فلسطين في عهد الانتداب.

كما يوضح المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي، فإن خطة التقسيم ضمت على الجانب الإسرائيلي من الحدود بعضًا من أكثر أراضي فلسطين خصوبة (حوالي نصفها أملاك خاصة للفلسطينيين)، وقطعت المدن التي بقيت على الجانب الفلسطيني من القسمة عن الكثير من أراضيها الخصبة.

كما تم تخصيص موارد المياه الرئيسية والمطار الوحيد في البلاد الذي له صلات دولية للدولة اليهودية.

وهكذا كان مقدراً سلفاً للدولة العربية التي تصورتها الخطة أن تكون معتمدة اقتصاديًا وفي الموارد على الدولة اليهودية، مما يجعل أي نقاش حول اتحاد عادل بين الدولتين خلافياً إلى حد كبير.

يسلط فهم الطريقة التي خدمت بها خطة التقسيم المصالح الاقتصادية والسياسية للحركة الصهيونية الضوء على مدى إشكالية تقديم راز النكبة على أنها كانت بشكل حصري نتاج خط سياسي واحد من بين العديد من الخطوط، هو الذي دافع عنه بن غوريون.

ولكن، لا يمكن فهم النكبة بشكل صحيح خارج النموذج التاريخي طويل الأمد للاستعمار الاستيطاني، الذي كانت خطة التقسيم واحداً من نتاجاته فقط.

كان التطلع إلى خلق فضاءات يهودية عنصرية حصرية جرى تطهيرها من وجود عربي ذي معنى أحد أوضح خصائص سياسة الاستعمار التي انتهجتها الحركة الصهيونية، خاصة مع إنشائها “مكتب فلسطين” بقيادة آرثر روبين.

في ضوء ذلك، يضعف ادعاء راز بأن احتمالية النهب مُطلق العنان ساعدت في تعبئة المجتمع اليهودي وراء التطهير العرقي.

كان الدافع الأكثر احتمالاً هو تقليد سياسي لا يقل عمره عن 40 عاما، اعتمد مسبقاً بشكل كبير على الاستيطان اليهودي المباشر، والتخلص من الفلاحين الفلسطينيين من خلال شراء الأراضي التي يسكنون ويعملون فيها من المُلاك الغائبين خلال الفترة العثمانية، ثم استغلال القوة الاستعمارية البريطانية والعنف لاحقاً لتحقيق نجاح الحركة الصهيونية (كما جادلت أريج صباغ خوري في أطروحتها عن كيبوتسات هاشومر هاتزير في ضواحي مرج ابن عمار/ وادي جزريل).

ينعكس غياب السياق الاستعماري عن تحليل راز في غياب أي اعتبار لمستقبل إنهاء الاستعمار وعودة اللاجئين الفلسطينيين.

وإذا كان ثمة شيء، فهو أن النهب يظهر كعامل آخر يحول دون إمكانية العودة.

من بين أمثلة أخرى، يسلط راز الضوء على تغيير المسار الذي حدث في وزارة شؤون الأقليات، التي انتقلت من دعم عودة اللاجئين إلى السعي إلى منع العرب من العودة إلى أراضيهم بإبلاغهم بأن جميع ممتلكاتهم قد فُقدت”.

وبمعنى آخر، خلقت حقيقة تعرُّض الممتلكات الفلسطينية المتنقلة للتخريب أو السرقة واقعاً سياسياً اقتضى حرمانهم من حق العودة؛ كان النهب هو الذي جعل الحرب نقطة لاعودة.
أ

طروحة راز -التي تعتمد بشكل كبير على تقديم وزارة شؤون الأقليات على أنها كانت معارضة في البداية لسياسة التطهير التي ينتهجها بن غوريون، ولكنها اضطرت في النهاية إلى الانحياز إليه في ضوء الواقع الذي لا رجعة فيه الذي أوجده النهب- لها آثار سياسية كبيرة في الوقت الحاضر لأنها ترفض إمكانية العودة الفلسطينية، وبالتالي إنهاء الاستعمار.

لكن المنظور الفلسطيني يناقض نقاط راز العمياء. في بلدة عيلبون الشمالية، على سبيل المثال (التي يستشهد بها راز بشكل عابر، بينما يستكشفها منّاع بمزيد من التفصيل)، رفض السكان الفلسطينيون الذين شردتهم القوات الصهيونية قبول الحُكم عليهم باللجوء، واستخدموا أساليب مختلفة للعودة بنجاح إلى أراضيهم في تشرين الثاني (نوفمبر) 1948، على الرغم من فقدان ممتلكاتهم المسروقة.

وتُظهر لنا مثل هذه الحالات أن العودة قد تكون مرهقة ومؤلمة وصادمة، ولكنها تبقى مع ذلك ممكنة.

كما أنها تخبرنا بالكثير عن رفض اعتبار النهب نقطة لا عودة؛ عن حق العودة كحلقة وصل حيوية في عملية إنهاء الاستعمار؛ وعن انفتاح الجدل التاريخي على مستقبل لم يصل بعد.

*آفي رام تسوريف Avi-ram Tzoreff: زميل ما بعد الدكتوراه في أكاديمية بولونسكي في معهد فان لير في القدس، ويُدرِّس في قسم التاريخ اليهودي في جامعة بن غوريون في النقب.

*نشر هذا العرض النقدي تحت عنوان: Carpets, books, and jewelry: Why looting was central to the Nakba

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock