آخر الأخبار حياتنا

السخرية من الآخرين .. افتقار للثقة بالنفس

منى شكري

عمان- لم يكن أبوأمجد يتخيل أن مجرد “وحمة تغطي وجهه منذ ولادته” ستتسبب له بقصص مؤلمة تصاحبه في حياته، وتبقى راسخة في ذاكرته حتى بعد أن بلغ من الكبر عتيّا.

يقول السبعيني أبوأمجد “في قلبي جرح قديم لم يندمل، تركه وجود وحمة حمراء اللون في وجهي كبرت معي ولازمتني لحظات الأسى والألم والحرج”!
أبوأمجد يروي حكايته، مسترجعا عقودا مضت: “ما إن بدأت أحتك مع أقراني من أبناء الحيّ حتى أحسست أنني مختلف عنهم بسبب استفساراتهم الدائمة عمّا يغطي وجهي”.
ويتابع “كثيرا ما تعرضت للسخرية من بعضهم، وفي معظم الأحيان كانوا يتجنبون الحديث أو اللعب معي”، مستدركا “كنت أشعر وكأنني مريض بوباء معد يجبرني اعتزال الناس”!
“كلما كبرت وانتقلت من مرحلة الى أخرى تنامى استهزاء الآخرين بي”، وفق أبوأمجد، الذي يقول “ما إن تضطرني المناسبات العامة لأن أجتمع بالأقارب والجيران حتى أرى الحاضرين يتغامزون ويحدقون في وجهي وكأنهم يبحثون عن شيء ضائع فيه، لاسيما من يرونني لأول مرة”.
ويتعرض كثيرون ممن أصيبوا بتشوهات جراء حروق أو حوادث وإصابات أو ممن ولدوا بعيب خلقي، لسخرية واستهزاء المحيطين، وأحيانا يتجاوز الأمر إلى “التندّر” بهم على الملأ وإطلاق الألقاب والكنى غير المحببة عليهم، ما يؤثر في نفسيتهم سلبا ويحد من تواصلهم وعطائهم وتقديرهم لذواتهم.
مختصون يرون أن الاستهزاء بأشخاص يعانون من “إعاقة” أو “قصور جسدي” ينم عن ثقافة اجتماعية وأسرية “خاطئة”، فضلا عن “تغييب العقل وتحييده” أثناء التندر بفئات لا ذنب لها فيما تعاني منه.
يتابع أبوأمجد، وهو يرنو للبعيد محاولا استحضار ذكريات موجعة مضت لكن آثارها باقية “في كل مرة كنت أخرج فيها للعب أعود مهموما متوترا بسبب سخرية الآخرين مني”، مضيفا “حتى أنني قسوت على أمي، رحمها الله، ذات مرة متذمّرا، محمّلا إياها السبب فيما أنا عليه من تشوه جعلني (أراجوز) يثير ضحك الناس”!
غير أن كلامها كان “يريح قلبي ويواسيني وكأنني بحاجة ليد حانية تخفف عني ظلّ الناس الثقيل واستهزاءهم على أمر ليس لي يد فيه”.
يقول اختصاصي الطب النفسي الدكتور محمد الحباشنة: “المفروض” أن الشخص أو المجموعة تضحك أو تستهزئ بالأمر المرفوض أخلاقيا كأن تسخر من الكاذب أو السارق أو المستغل أو الفاسد، لأن “الأصل” في الدعابة أن تحمل تعبيرات ازدراء للشيء المنبوذ.
لكن للأسف، صارت الأمور، وفق الحباشنة “خارج سيطرة الإنسان ولا يتندرون بالعيب الأخلاقي، وهذا يؤكد أن المجتمع الاستهلاكي يعترف بالمظهر أكثر من الجوهر، وهو “قمة الخطأ”، لاسيما أن ما يعانيه الأشخاص من قصور شكلي عائد إلى “خلقة ربانية أو بسبب التعرض لأزمة أو حادث.. وكلها عوامل خارجة عن قدرة الإنسان”.
الاختصاصي التربوي، الدكتور محمد أبوالسعود، يعزو من يلجأ للاستهزاء بالآخر لمجرد أنه “مختلف في مظهره الجسدي عن غيره” إلى الأسرة التي لا تراعي في تربيتها لأبنائها احترام الفرد كونه إنسانا، بغض النظر عن لونه أو شكله.
وينوه الحباشنة إلى أن من يستهزئ بالآخرين ويسخر من مظهرهم هو “إنسان لا يمتلك مصادر ثقة أخرى، ولا يستطيع أن يحدد تفوقه على الآخرين الا بازدرائهم والضحك عليهم”.
“هناك أناس كثر يفتقرون للثقة بسبب قلة الإنجازات وعدم التقدير”، وفق الحباشنة، الذي يقول إنهم يبحثون عن شيء لإثبات الذات كأن يتسيدوا الجلسات الجماعية على حساب تندرهم وسخريتهم من غيرهم، وهذا قمة ضعف الثقة بالنفس والهبوط الأخلاقي”.
ويزيد الحباشنة أن هؤلاء الأشخاص “لا يستخدمون نظرية العقل؛ وهي أن يضع الشخص نفسه مكان الآخر، حيث يقومون بازدراء ذوي الإعاقة أو المختلف عنهم جسديا، محيدين العقل”.
وينوه الحباشنة إلى أن “كلا منا عنده إعاقة؛ قد تكون وجدانية أو نفسية أو شكلية”، مشيرا إلى أن مفهوم الإعاقة “اختلف فالمجتمع هو الذي يعيق الفرد عن تحقيق قدراته الكاملة وكلما ارتقى المجتمع يرتقي معه الفرد”.
ويتابع الحباشنة “نحن نعيق حتى السليمين؛ لأننا لا نستعمل نظرية العقل، وهي مرتبطة بالحضارة وأي حضارة لا تقوم على احترام الإنسان لا جدوى منها”.
التأثير السلبي على الأشخاص المستهزأ بهم شديد، وفق الحباشنة، الذي يجملها بـ”شعور الفرد أنه غير سليم، ومرفوض مجتمعيا، وهذا يؤدي به الى العزلة وعدم قدرته على تحقيق الذات”، فضلا عن “القلق والرهاب والاكتئاب”، وتتراكم الحالة النفسية سوءا مسببة أحيانا “الإدمان أو الانتحار في الحالات المعقدة”.
وكان طفل قرر إنهاء حياته ووضع حد لسخرية زملائه في المدرسة بسبب تشوه يده؛ حيث أقدم على شنق نفسه بحزام، ما تسبب بوفاته على الفور.
الطفل، وهو طالب في إحدى المدارس الحكومية بمحافظة الزرقاء، كان يشتكي بشكل متكرر من سخرية زملائه حسب إفادة ذويه، وكان يرفض الذهاب إلى المدرسة في الفترات الأخيرة.
السخرية والاستهزاء بالآخرين، بالإضافة الى ارتباطها بالقيم وما له من مآلات وتأثيرات على نفسية المستهزأ به، لها بعد وعمق ديني؛ حيث نهى الله سبحانه وتعالى في القرآن عن السخرية من الآخر، وفق ما يقوله الاختصاصي الأسري فتحي طعامنة.
وهذا الأمر مبني على اعتبارات كثيرة ومهمة، وفق طعامنة، مفادها أن الله يريد بالبشر أن تكون “نفسياتهم وعلاقاتهم قائمة على المودة والاحترام”.
السخرية بمن يعاني من “تشوه أو إعاقة أو خلل ما في شكله”، والتندر عليه أو إطلاق الكنى والألقاب الذميمة، لها تأثيرها على الفرد، كما لها انعكاس أيضا على الأسرة والمجتمع، وفق طعامنة.
ويتابع طعامنة أن الفرد المستهزأ به يعتزل الآخرين ويرفض الاحتكاك ويقل دوره وعطاؤه في الأسرة والمجتمع، كما أن كثيرا من الأسر وتحت ضغط النظرة المجتمعية تميل إلى رفض من يسبب لها الإحراج من أبنائها، وهذا يؤثر في خلخلة المفاهيم الاجتماعية وتعامل الناس بناء من منطلق المحبة والاحترام.
كبر أبوأمجد وتزاحمت المواقف المحرجة، وأكثر اللحظات المؤلمة، وفق قوله، عندما قرر المحيطون من أبناء الحي أن يطلقوا عليه “أبو وحمة”، ورغم أنه تأثر وتضايق في بادئ الأمر، الا أنه سلم ورضخ لواقعه.
وجود شريكة حياته التي يكنّ لها كل المحبة هو “ما خفف عني؛ إذ قبلت بالزواج مني غير آبهة بوحمة وجهي، وأمضينا العمر بحلوه ومره معا”، مضيفا “لطالما كررت على مسامع أولادي وأحفادي أن يتمتعوا بأخلاق حسنة وأن يقيموا الناس بمعدنهم وجوهرهم لا شكلهم، وألا يسخروا من أحد لعيب أو تشوه في مظهره”.
“نحن نتشرب ثقافة الأنا المحضة كجماعة ومجتمع بناء على اعتقادات تاريخية وتصورات جماعة، لذلك نبدأ بإظهار مواقفنا انطلاقا من تلك المفاهيم”، وفق اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين محادين، الذي يقول “إننا لا نتعامل مع الآخر من منطلق معرفتنا به وخصائص قوة عمله بل من شكله ومظهره”.
ويرى محادين أن معاملتنا لمن يعانون من إعاقة ما “غير عادلة”، في الحياة وفي العمل وفي درجة القبول الاجتماعي، لافتا الى أننا نجد أن “الثقافة الجمعية تتجنب الحديث عن أبنائهم من ذوي الإعاقة كما تتجنب بعض الأسر إظهارهم للمحيط، تجنبا للإحراج أو الشفقة”.
غير أن كثيرا من الدراسات تشير إلى ضرورة أن يفهم هؤلاء الأشخاص على أساس إمكاناتهم وقدراتهم، وأنهم يرغبون في أن يعاملوا كأشخاص طبيعيين ولا ينظر لهم أنهم قاصرون فهم يرفضون الشفقة.
الفرد الذي يتعرض لسخرية المجتمع، لإعاقة أو خلل ما، قد لا يتقدم بالحياة، كما أن الأسرة التي ينتمي لها تشعر بالدونية لسبب غير منطقي، وتعاني العزلة والتستر والغموض بسبب الضغوط الاجتماعية حيث يتجنبون المحيط، وفق الحباشنة.
وللحد من هذه “الظاهرة”، يشير الحباشنة إلى أننا نحتاج إلى إعادة تأهيل المجتمع، حيث تتضافر الجهود نحو عمل مؤسسي وجماعي لإيجاد الحلول النفسية والاجتماعية والتأهيلية بشكل عملي.
طعامنة يجد أن علاج المشكلة يبدأ من الأسرة؛ إذ عليها أن تحاول زرع القيم الأخلاقية والسلوكية في نفوس أبنائها، المبنية على احترام الآخرين، فضلا عن تعزيز الإيجابيات عنده وتخليص الأشخاص من السلبيات من خلال توجيه النصائح الانفرادية لمن يقبلون على هذه التصرفات.
ويشدد أبوالسعود على ضرورة عمل برامج توعوية ترفع من مستوى الأداء المهني للأشخاص من ذوي الإعاقة أو من يعانون من اختلالات نفسية ناشئة عن إصابات طارئة، حيث يتم النظر لهم على أنهم مواطنون لهم الحقوق كافة ودمجهم بغيرهم، مؤكدا أهمية وجود برامج الدعم الأسري الذي يرتقي بالتعامل المجتمعي مع هذه الفئات.

[email protected]

mmshukree@

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock