أفكار ومواقف

السرعة المطلوبة للإصلاح

د. محمد حسين المومني

جهود ومحاولات الإصلاح السياسي تعاني غياب التأطير. ثمة محاولات خيرة لإطلاق حوارات وتبادل الآراء، وثمة تعهدات رسمية مشجعة، لكن ما يزال المشهد برمته غير مؤطر من حيث الأهداف النهائية المرجوة والأدوات للوصول إليها. المشكلة أن أي محاولة رسمية للتأطير ستكون بمثابة تدخل مسبق لتحديد الأهداف والنهايات، والأصل أن يترك هذا الشأن للقوى السياسية المجتمعية المؤثرة التي لم تبادر للآن السير باتجاه محاولة الإسهام بتنظيم مشهد الإصلاح السياسي بانتظار تدخل رسمي الأرجح أنها ستشكك به عندما يحدث. المشكلة الأخرى التي يعانيها الإصلاح السياسي وجهود تأطيره هي القناعة الكبيرة والعارمة أن وجع الأردنيين اقتصادي بالدرجة الأولى، وأن أي جهد يجب أن يكرس لهذا الشأن الضاغط والخطير. تلك هي القناعة العارمة والمتجذرة بذهن غالبية الأردنيين وحتى نخبهم، رغم وجود نخب سياسية تقول بحتمية الربط بين الاقتصادي والسياسي، وأن معضلة الاقتصادي وحلها تكون عبر الإصلاح السياسي. أما ثالث التحديات فيكمن في الغياب الكامل لضرورة قبول عدم إمكانية التوافق على التفاصيل المرحلية لأهداف الإصلاح السياسي، فذاك ضرب من المستحيل ولا يحدث في أي مجتمع، والأصل الاكتفاء ببناء وقبول قواعد عمل واشتباك سياسي تمأسس الاختلاف والتداول للآراء ولا تسمح لتغول رأي لفئة على أخرى.
هذا ما يعانيه حراك الإصلاح السياسي على الصعيد التنظيمي أثر مباشرة على سرعة واتجاه التنمية السياسية التي ننشد. أما استراتيجيا، فنرى أن لدينا معضلات أخرى تكمن بوجود ثلاثة آراء حول سرعة الإصلاح السياسي؛ أولها، أننا نسير بالسرعة الواقعية والمنطقية المطلوبة، وأن الإسراع بأكثر من ذلك مغامرة سياسية وعبث بالاستقرار، وأن الحل لمشاكل البلد الاقتصادية أبدا لا يكون بالتسرع بالانفتاح السياسي، والدول التي فعلت ذلك غامرت بالإتيان بالشعبويين وأقصى اليسار المنقرض ليقودوا القرار، وكانت عواقب ذلك وخيمة. أما الرأي الثاني، فيرى أن الإصلاح يسير ببطء شديد مضر، وأن الانفتاح السياسي وتعزيز أسس العمل الديمقراطي، ومنه سيادة القانون والشفافية، من شأنه أن يعزز النماء والنهوض الشامل، بل وإطلاق الطاقات الكامنة في المجتمع ودفعه نحو دولة الإنتاج بدل التذمر والإحباط الذي سببه غياب الانفتاح. رأي ثالث أخير يقول إننا نسير بسرعة أكثر من اللازم وإن الظرف الاقتصادي الضاغط يوجب التريث بل وتبطيء أي أولوية إصلاح سياسي لصالح الاقتصادي، ويطالبون بإعلان حالة طوارئ تعطل أي قوانين أو إجراءات قد تقف بوجه النماء الاقتصادي لأن هذه هي الأولوية، ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن المهم ديمقراطيا بالنسبة للأردن الحفاظ على ميزته النسبية في الإقليم من ناحية ديمقراطية، وهذا هو واقع الحال؛ حيث ما يزال الأردن متقدما ديمقراطيا عن الغالبية العظمى من الدول في الشرق الأوسط، وما تزال الدول تعاير بنا من زاوية التقدم السياسي رغم أننا نعاير بهم من ناحية اقتصادية.
في ضوء هذا المشهد، وانخفاض سقف التوقعات من تحولات الدمقرطة في هذه المرحلة، وفي ضوء أوضاع اقتصادية ضاغطة سمحت بتمدد الشعبوية المؤذية، أعتقد أننا جميعا معنيون بنقاش جاد يأتي بمخارج للتحديات أعلاه.

زر الذهاب إلى الأعلى