أخبار محليةالسلايدر الرئيسيالغد الاردنيمقابلات

السرور: الحزبية لم تتجذر وعلى الأحزاب ألا تكتفي بالوعظ

رئيس مجلس النواب الأسبق لـ"مجالس الغد": الناس ما تزال تتغنى بتجربة برلمان الـ89 برغم استثنائية ظروفه

معاهدة وادي عربة منتقدة اليوم حتى ممن وافقوا عليها في حينه

منظومة التحديث السياسية تتسم بروح جديدة وهناك مشكلة في إعادة توزيع مقاعد دوائر البدو

تدخلت بشكل غير رسمي لمساعدة اللاجئين السوريين في الشمال على إيجاد مأوى آمن

دواع سياسية تقف وراء تهريب المخدرات عبر الحدود الشمالية

هديل غبون – بإنصاف السياسي المحنّك والبرلماني المخضرم، يجزم رئيس مجلس النواب الأسبق المهندس سعد هايل السرور، بمرور مؤسسة البرلمان بتطورات بنيوية عديدة، منذ عودة الحياة الديمقراطية للبلاد، لافتا الى أن المجلس النيابي في الـ89 ما يزال الأردنيون يتغنون به، برغم استثنائية ظروف المرحلة السياسية التي رافقته، وأن مجالس نيابية لاحقة، تركت أثرا إيجابيا، لكن محاكمتها ظلّت عالقة بتلك التجربة.

الحديث المتنوع للسرور في حوار لـ”مجالس الغد”، لم يكن سوى غيض من فيض تجربة سياسية متنوعة تقف خلفها روايات ومواقف غير محكيّة، تحتاج لنبش عميق في الذاكرة، لكنه وعبر مرآة الحاضر لم يخف رؤيته الخبيرة المتفائلة، حيال المرحلة السياسية المقبلة في ضوء منظومة التحديث السياسية الملكية، التي رأى أنها تتطلب الاستماع جيدا لنبض الشارع، ومحاكاته لكسر حالة العزوف التي اتسمت بها بعض المواسم الانتخابية في السنوات العشر الأخيرة، متمسكا في الوقت ذاته بأهمية دور العشيرة اجتماعيا وسياسيا وبالاقتراع والتصويت خلال الانتخابات.

يصف السرور، منظومة التحديث السياسية، بأن فيها “روحا جديدة”، تعالج جوانب مهمة في العمل البرلماني والسياسي والحزبي، مشددا في الوقت ذاته على ضرورة “التنفيذ المحكم” للمنظومة، والاشتباك مع المجتمع والرأي العام، بشأن “جدّية” التحديث وتنشيط الحياة السياسية وإرساء قواعد جديدة لها.

وتمسّك السرور، بأن وثيقة الجلوة العشائرية غير ملزمة، معتبرا بأن معارضيه من المسؤولين حين تولّى منصب مستشار جلالة الملك عبدالله الثاني، لشؤون العشائر، بشأن مقترح نص تقدم به، لم يجر التعامل معه موضوعيا ولم يُفهم المقصد منه.

السرور الذي شغل أيضا منصب وزير داخلية في وقت سابق، لم يتردد بالقول إن ما يواجهه الأردن على الحدود الشمالية مع سورية من عمليات تهريب للمخدرات، يستهدف منطقة الخليج والأردن، وتدمير جيل كامل لدواع سياسية.

وفيما يلي نص الحوار:

• اليوم نمر بمرحلة تنفيذ مخرجات منظومة التحديث السياسية، وجزء رئيس منها يتعلق بالعمل البرلماني، ما هي متطلبات إنجاح المنظومة للدورات البرلمانية المقبلة برأيك؟

– هذه المنظومة عالجت عدة جوانب، منها ما هو متعلق بالبرلمان أو الأحزاب او إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية والقائمة الوطنية، وجميعها ارتبط بأساس دستوري.

ووجهة نظري، أن كل تطوّر جيّد إذا صيغ بشكل سليم. لكن ما هو أهم، التنفيذ للمنظومة بشكل يرسّخ قناعة الناس، بأن هناك جديّة حقيقية في التعامل مع التشريعات الجديدة، لتنشيط وتطوير الحياة السياسية. ومررنا بتعديلات سابقة، لكن مشاركة الأحزاب على الوجه المطروح اليوم، يختلف عن التطوير الذي شهدناه في بداية التسعينيات التي شهدت انطلاقة جديدة لعمل التنظيمات الحزبية رسميا.

في ذلك الوقت، شكّلنا أحزابا بأعداد كبيرة، لكنها لم ترتق بأن تكون فاعلة في الحياة السياسية والبرلمانية أو في السلطة التنفيذية، أو بين مؤسسات المجتمع المدني.

هناك روح جديدة وجادة للعمل، والجهد المبذول الذي تحدث عنه جلالة الملك عبدالله الثاني في عدة مناسبات، يعكس إرادة كبيرة في التغيير. مرحلة التشريع أنجزت، والمرحلة المقبلة، مرحلة تنفيذ رؤية التحديث، ولا بد من تهيئة المناخ العام وبيئة العمل الحزبي للناس والشباب.

• أمام الهموم المعيشية والاقتصادية للناس، ما هي الخطوات العملية أو الخطاب المطلوب توجيهه لهم لتحقيق أهداف التحديث؟

– انقضت مرحلة منذ التسعينيات إلى الآن، ونحن أمام مرحلة جديدة. التجربة السابقة للناس والأحزاب لم تكن مريحة، ولم تخلق مناخا إيجابيا للأحزاب، وكنّا في كل مجلس نواب تقريبا نشرّع قانون انتخاب جديد. لم يكن هناك استقرار تشريعي، والناس كانت تقبل على الانتخابات وهي لا تعرف ما هي مقبلة عليه، بخلاف الدول التي استقرت فيها التشريعات. الجميع كان يفاجأ بإجراء تعديلات جديدة، وقبيل فترة قصيرة على قانون الانتخاب، وكنّا نخوض سباقا مع الزمن لتوعية الشارع بالقانون الجديد وشرحه. أعتقد بأن لدينا من الوقت ما يكفي اليوم، وأتمنى أن يكون الجهد الرسمي بمستوى التحديات. لا بد أن يكون هناك فهم حقيقي لرسالة الانتخابات المقبلة، وآلية تعامل الناخبين وتغيير القناعات السائدة عن الانتخابات السابقة. في فترات معينة تشوّهت صورة الانتخابات، بالرغم من أننا تجاوزنا الكثير من السلبيات.

مسألة إعادة الزخم لعملية التصويت ولنسب الاقتراع هي الأساس، بخاصة في المدن الكبرى التي يفترض بأن تكون بؤرة العمل السياسي، لأن الأرياف والبوادي ترفع نسب التصويت، وما يزال الناخبون فيها يقودون حراكا مهما في الانتخابات. ما أقصده أن يكون هناك تعبئة، وهي مسؤولية الجميع. نحتاج إلى جهد كبير، وهو ممكن لتوضيح الصورة قبل أن تبدأ الانتخابات.

وأود الإشارة هنا، إلى أن الحديث عن الدور السلبي للعشائرية في الانتخابات ليس صحيحا، وبعضهم أطلق على العشائرية صفاتا ليست حقيقية. لا يوجد قضية يُجمع عليها الناس في المدن الكبرى في الانتخابات، لأن قضاياهم مشتتة، إنما في المناطق العشائرية الوضع مختلف، الترابط العشائري هو الذي رفع نسب التصويت في المحافظات، أي أن الزخم العشائري والالتفاف حول القضايا المشتركة في الأطراف، ترفع نسب الاقتراع، هذه هي ثقافتنا.

• كيف ستنعكس منظومة التحديث السياسية على آليات العمل البرلماني بحكم خبرتكم الطويلة في البرلمان؟

– لا يمكن الحديث عن التعديلات التي أجريت جميعها بميزان واحد، فكلّ تعديل طرأ، أكان قانونيا أو دستوريا قد يكون له تقييم مختلف عن الآخر. في ضوء تجربتي البرلمانية كنت أتمنى الإبقاء مثلا على السماح للنائب بتولّي حقيبة وزارية، لأن هذه التجربة أظهرت في فترات سابقة من الحياة البرلمانية والسياسية نتائج إيجابية بالمجمل، بحيث كانت هناك رقابة داخلية مؤثّرة في المجالس النيابية على الحكومة حتى العام 1997. معظم من شغل موقع وزير في الحكومة من البرلمانيين آنذاك، مارس سلطة رقابية عليها، برغم أن نوابا ممن أصبحوا وزراء أيضا، انحازوا لمناطقهم، والأصل أن يكون النائب متوازنا، لكنها كانت تجربة مهمة، حسّنت من الأداء الرقابي البرلماني، والآن لدينا فرصة في ضوء كل تلك التجارب السابقة، بأن نستفيد منها لما هو قادم.

رئيس مجلس النواب الأسبق سعد هايل السرور-(تصوير: ساهر قدارة)
رئيس مجلس النواب الأسبق سعد هايل السرور-(تصوير: ساهر قدارة)

* بشأن القائمة الوطنية المدرجة في قانون الانتخاب لسنة 2022، والتدرّج المقرر في عدد أعضائها خلال 3 دورات برلمانية، ما هي توقعاتك لشكل الحكومة البرلمانية؟

– بالعودة إلى صيغة مخرجات منظومة التحديث السياسية، لم يدرج نص تشريعي جديد ولم يتخّذ قرار سياسي للآن، يلزم بتشكيل حكومة برلمانية، بل هو توجّه نحو تشكيل الحكومات البرلمانية.

وقياسا على منع الجمع بين عضوية هيئة الوزارة ومجلس الأمة، لن يكون هناك حكومة برلمانية مباشرة من منطلق هذا المبدأ، لكن أحزابا تمثّل تيارات سياسية، ستفرزها القائمة الوطنية وقانون الانتخاب، قد يكون لها أغلبية برلمانية أو قد لا يكون، وفي كل الحالات، لا بد أن يكون لتمثيلهم في البرلمان وزن وأثر بتشكيل الحكومة، وإن انسحبت على تسمية أعضاء في الحكومة ليسوا من البرلمان، وإلا سيبقى مفهوم التوّجه نحو ترسيخ الحكومات البرلمانية ناقصا. هذه المسألة تتطلب عملا دقيقا وحريصا من كل الأطراف ذات العلاقة.

• ماذا عن آلية تشكّل الأحزاب اليوم في ضوء قانون الأحزاب الجديد الذي ما تزال تطبيقاته في بدايتها ضمن مرحلة التصويب الآن؟ كيف يمكن لهذه الآلية أن تكون متوائمة مع أهداف منظومة التحديث؟

– على الأحزاب الارتقاء بعملها وبرامجها وأجراء مراجعات داخلية لأدائها وخطابها، وتعزيز تواصلها مع قواعد الناخبين على أساس محاكاة همومهم وقضاياهم المعيشية والاقتصادية وليس السياسية فقط، وألا تكتفي بالوعظ والإرشاد والتركيز على الشخوص. معظم الأحزاب القائمة لديها برامج إنشائية وليس لديها برامج تتلمّس واقع الناس، كما لا يوجد لها خريطة طريق واضحة المعالم والأهداف.

حتى لو أردنا الحديث عن الإسلاميين كقوى حزبية منظمة، باعتقادي شهد امتدادهم تراجعا كبيرا في السنوات الأخيرة، وإن كانت لديهم قضية يعملون عليها، لكنها قضية أيديولوجية بالدرجة الأولى.

• ما رأيكم بالتعديلات التي أدخلت على إعادة توزيع مقاعد دوائر البدو المغلقة في قانون الانتخاب الجديد، إلى جانب فتح باب الترشّح أمام مترشحي هذه المناطق في الدوائر الأخرى؟

– كل دائرة من دوائر البدو الثلاث، خصّص لها سابقا 3 مقاعد للنواب ومقعد إضافي للكوتا، واليوم قُلَص عدد المقاعد إلى مقعدين لكل منها، مع الإبقاء على المقعد المخصص للنساء، علما بأن عدد الناخبين مثلا في البادية الشمالية يقدّر بـ110 آلاف ناخب، وهو يفوق بكثير الناخبين في محافظات أخرى خصّص لها 4 مقاعد للنواب.

أعتقد بأن هناك مشكلة في عدالة توزيع المقاعد على المناطق بشكل عام، وتحديدا في دوائر البدو، صحيح أن هناك حاجة في بعض المناطق للعمل السياسي أكثر من غيرها، وأن هناك مناطق بحاجة لتطوير الخدمة، لكن العمل تنموي وسياسي واقتصادي وخدمي وهذه المناطق مثل البادية، بحاجة لأن تلحق بركب المناطق الأخرى التي سبقتها بتحقيق تنمية أفضل. والمسألة بحاجة للتوازن والإنصاف لممثلي دوائر البدو من النواب. سباق الانتخابات في البادية معركة حقيقية وقاسية، فكيف ستكون الآن بعد تقليص عدد المقاعد.

* لكن هذه التقسيمات الجديدة، أقرّت بعد حوارات مطوّلة وتوافقات مع أصحاب العلاقة من قواعد الناخبين؟

– الحقيقة لا أعلم كيف جرت المشاورات بشأن التوزيع الجديد للمقاعد مع الناخبين وأنا منهم، لقد سمعنا بها عبر التصريحات. أما فكرة فتح باب الترشّح في الدوائر الأخرى لمترشّحي دوائر البدو، فلا أعتقد بأنها تعويضية لأنه لا يمكن أن تعوض النقص الذي سيحصل في البادية. مناطق البادية لا يوجد فيها حضور حزبي، وهي تحتاج لوقت لنشر الثقافة الحزبية، كما أن الثقافة الحزبية التي يتطّلع لها الجميع لا بد أن تعتمد على ترسيخ الأحزاب كمؤسسات، لا أن تروج لها من منطلق الحزب الفلاني أو العلاني ومن يدعمه، فأنا أخشى أن تنقلب قضية الأحزاب لوسيلة لتوسّع بعض القوى الاقتصادية والسياسية والمالية، وأن تؤثر على الانتخابات وآلية تشكيل الأحزاب بدلا من التركيز على منظومة العمل الحزبي.

• كنت رئيسا لعدة مجالس ودورات نيابية وفي فترات سياسية مهمة، برأيكم ما الذي طرأ على العمل البرلماني خلال السنوات العشرة الماضية؟

– شهد العمل البرلماني تطوّرات عديدة، برغم أن المجتمع يتحدّث عن فترات محددة ويتغّنى بشخصيات برلمانية في مجالس سابقة، ولكن حركة الشخوص غير ثابتة في مؤسسة البرلمان، والظروف أيضا تتغير.

عقد المقارنات بين المجالس النيابية ليس في مكانه أحيانا، الناس مثلا حتى اليوم تتغنّى بمجلس الـ1989، ولكنهم ينسون أيضا أن الظروف التي أحاطت به، تختلف كليّا عن ظروف برلمانات لاحقة. فبرلمان الـ89 تصدّى لقضايا غير قانونية في وقتها، كوجود تنظيمات حزبية غير قانونية، وانشغل بتتّبع قضايا أخرى كالطعون في التجاوزات الانتخابية وغيرها. ما أريد قوله إن الآلية التشريعية والتنظيمية تطورت اليوم وأصبحت أفضل. أمّا عندما نقيّم كيفية التأثير على الناخبين وما هي المعايير التي تحكم اختياراتهم فهذا موضوع آخر.

قد تتاح الفرصة لمترشحين من الكفاءات في التقدم بالانتخابات، وقد يحدث العكس، والبعض يقيّم الحياة السياسية بين عام وآخر، لكن باعتقادي أن تطوّر الحياة السياسية يستغرق وقتا، والدول التي سبقتنا سياسيا، استغرقت وقتا طويلا، لذلك لن يجدي نفعا القفز على المراحل.

• لكن ألم تكن الأنظمة الانتخابية عائقا أمام تطوّر الحياة السياسية، بخاصة قانون الصوت الواحد؟

– أعتقد بأننا أنجزنا أنظمة انتخابية عديدة، لكن مشكلتنا الأساسية تمثلت بوعي الناس للانتخابات وآلية الانتخاب، وما تركته آثار إساءة التعامل مع الانتخابات من جانب مترشحين لجأوا لأساليب غير مقبولة. المشكلة لا تتعلق بالصوت الواحد بقدر ما تتعلق بالمال السياسي وغيره.

يجب أن نحاول تنقية الانتخابات من هذا النوع من الشوائب لمعالجة أي إشكاليات تتعلق بالثقة في المؤسسة البرلمانية للأجيال المقبل، لا بد من تعزيز ثقة الشباب بالمشاركة السياسية كما قال جلالة الملك، وإزالة أي عوائق تنفّر جيل الشباب من العملية السياسية والانتخابية.

• قلت إن هناك إساءة للعشيرة ودورها في الانتخابات أحيانا، ما المقصود بذلك؟

– تتهم العشائر أحيانا بأن سلوكها في الانتخابات يقوم على أساس الفزعة العشائرية، وهذا ليس صحيحا. بل إن لهم دور أساسي باختيار مترشحين من الكفاءات في مناطقهم، وهو ما يتضح أيضا من نسب الاقتراع المرتفعة في الانتخابات، وما تعكسه من مؤشرات للتنافس الحقيقي.

صحيح أن أحد أسباب الإقبال على الانتخابات هو الانتماء العشائري، لكن هذا بحد ذاته ليس مشكلة، وإذا رصدنا الحراك الانتخابي في المناطق ذات الثقل العشائري، سنجد أن هناك اختلافا قد طرأ فعليا على طبيعة الاختيارات والأداء والممارسة الانتخابية، وآلية التواصل مع المترشحين والتحالفات العشائرية التي تتشكّل.

كما أن الثقّل العشائري أقوى من الأحزاب للآن، لذلك لا بد من التوجّه نحو الأفضل للانتخاب على أساس برامجي، وكما قلت، فإن الحزبية لم تتجذر مجتمعيا ولا يوجد في الأردن حزب يدفع الناس لانتخابه على أساس برامجي بالكامل، حتى حزب جبهة العمل الاسلامي، برغم أنه أقدم الأحزاب في المعترك السياسي، فلديه خطاب برامجي عقائدي، وهو حق له، لكن ليس هذا ما يحلّ مشاكل المواطن ولا يكفي. نريد تثقيف الناس بما يعكس حقيقة آرائهم وتطلعاتهم.

• في سياق الحديث عن دور العشيرة، ما هي التغيّرات التي طرأت على دور العشيرة مجتمعيا؟

– لا ننكر أن كل عشائرنا اليوم، تخرّجت فيها أجيال جديدة من حملة الشهادات العليا والمتعلمين والواعين والمثقفين. صحيح أننا لم نصل إلى مرحلة مثالية، ولكن من المهم القول إنهم بحاجة لقيادات في العملين العام والسياسي، لأن التجربة والخبرة مطلوبتان، وهو واجب على القيادات ذات الخبرة، نقل هذه التجربة والخبرة للأجيال الجديدة.

• ما هو تقييمك لوثيقة ضبط الجلوة العشائرية، وإلى أي حد عالجت مشكلة ممتدة منذ سنوات؟

– من المؤكد، أنها شكلت خطوة إيجابية، ومحاولة للحد من معاناة الناس إثر قسوة بعض العادات العشائرية، إذ أن سطوة الأعراف العشائرية لا يمكن تغييرها بسهولة، وتحميل العشيرة مسؤولية أي جريمة قتل وإلحاق الضرر بمصالح أفرادها، ومنعهم من ممارسة حياتهم والعمل والتجارة واستخدام الأراضي والمحاصيل الزراعية، كل ذلك شكّل استثمارا سيئا لبعض هذه العادات التي لم يكن بعضها موجودا بالأصل ضمن هذه المنظومة.

لكن برأيي، إن وثيقة ضبط الجلوة العشائرية التي أقرت لا تكفي لأنها غير ملزمة، حالها كحال أدبيات سابقة، مثل مدوّنات السلوك ومواثيق الشرف التي اعتمدت بتنظيم بعض القضايا، كما حصل في مجالس نيابية سابقة والنقابات المهنية.

وهذه الوثائق مع مرور الوقت عادة تصبح غير مفعّلة، بخاصة أننا نتحدث عن قضية إجرائية تنفيذية كالجلوة متعلقة بمصير واستقرار وحقوق عائلات بأكملها، وبرغم إقرارها اليوم، لكن تطبيقاتها ليست بمعزل عن اجتهادات الحكام الإداريين والضغوط التي قد يتعرضون لها، أو التدخلات المحتملة من مختلف الأطراف، بما في ذلك رفض الأطراف ذات العلاقة بما ورد فيها. الحديث عن حصر الجلوة بوالد الجاني مثلا وعائلته أيضا، قد لا يلتزم به بعض الأطراف، لذلك عندما كنت مستشارا لجلالة الملك لشؤون العشائر في 2019، صغت مسوّدة تشريعية لتصبح ملزمة، وقوبلت بالرفض من مسؤولين، لأنهم لم يفهموا بشكل دقيق هدفها ومقصدها، وكان لديهم اعتقاد بأنني أسعى “لقوننة العادات العشائرية”، لكن الهدف منها كان إيجاد نص تشريعي ملزم للتطبيق، سواء عبر نظام أو تعليمات، بما يمنع بالقانون عادات سيئة وقاسية على الناس، ولتصبح قضية ضبط الجلوة العشائرية بمنأى عن أي تدخلات، بل وتهذيبا لقسوة هذه العادات العشائرية، وبما قد يمهّد لمنعها بالمطلق مستقبلا، وعلى قاعدة أن يتحمّل الجاني فقط مسؤولية جرمه.

واذا نظرنا اليوم لما يجري، ما يزال البعض يفرض شروطا جائرة على عائلة الجاني في صياغة العطوة، مثل بيع الأملاك كاملة أو ما شابه. صحيح أن الوثيقة نظّمت بعض الأمور ومنحت بعض الطمأنينة للأسر بعودتها لأماكن سكناها، لكن إذا خرج علينا طرف ورفض تطبيق الوثيقة، فلن يلزمه أحد، وهنا تلحّ الحاجة لسند قانوني ملزم للجميع، وهذا ما دعوت له في مسودة التشريع. فالمنظومة العشائرية تنطوي على قيم جميلة، وتحافظ على الاستقرار الاجتماعي والوطني العام، فيها ميزات كثيرة لكن البعض يتعاطون مع الجزء المظلم فقط، ويسلطون الضوء عليه.

• في عدة مقابلات سابقة، ذكرت قصة التصويت على معاهدة وادي عربة والحوار الذي جرى بينك وبين جلالة المغفور له الملك الحسين، حينما كنت رئيسا لمجلس النواب آنذاك، كيف ترى اليوم المعاهدة بعد مرور نحو 28 عاما على إبرامها؟

– نعم، هذه قصة انتهت، لكن ما جرى أنه كان لرئيس الولايات المتحدة الأميركية بيل كلينتون آنذاك كلمة أمام مجلس الأمة، واقترح أشخاص أن يصوّت المجلس على المعاهدة في اليوم ذاته مساء.

وأثناء انتظارنا لاستقبال كلينتون، ناداني جلالة الملك الحسين رحمه الله، وسألني إذا كان من الممكن التصويت عليها، فقلت له: يا سيدي أنا بأمرك، لكن لدينا دستور وآلية التشريع محددة. هذه المعاهدات يتم التعامل معها كأي قانون آخر، وهناك مراحل للإقرار من إحالة إلى مجلس النواب ومن ثم إلى اللجان لمناقشتها، وبعدها عرضها مجددا والتصويت عليها، وكل ذلك يستغرق وقتا، وقلت إذا أردنا الالتزام بهذه الآلية مع الاستعجال، قد نستغرق أسبوعين. لكنه رحمه الله قال: لا، نحن أولى بأن نلتزم بدستورنا والضيف سأتحدث معه.

في هذه الأثناء بادر أحد رؤساء الحكومات الذي كان حاضرا الحديث وسبق أن تعامل مع البرلمان وقال للملك: لا يا سيدي “بتزبط”! وأنا قلت مجددا: لا يا سيدي ما “بتزبط”؟ وكان في هذه الأثناء أيضا المرحوم الشريف زيد بن شاكر، فأثنى على كلامي قائلا؛ إنّ كلام سعد صحيح.

اقتنع رحمه الله بموقفي وطلب العمل بالشكل الذي يحفظ المصلحة الأردنية ووفق الآلية الدستورية. وقلت: “سيدي نحن مجندون كل الخبراء السياسيين في البرلمان والمعاهدة درست من جهات مختلفة”.

على إثر هذا الحوار، منحني المرحوم كامل الحرية بتطبيق الإجراءات الدستورية. وبالفعل استغرق التصويت على المعاهدة نحو 3 أسابيع.

أما بالنسبة للنقد الموجه للمعاهدة اليوم، فهو موجود حتى من الناس الذين وافقوا عليها في حينه، وأود الإشارة هنا إلى أنني أفتخر بأنني رسّخت مبدأ رفض التعاون البرلماني مع العدو، وظلّ منع توجيه أي دعوات لأعضاء الكنيست عرفا سائدا بعد ذلك، ولم يدخل أعضاء الكنيست إلى البرلمان الأردني سوى مرة واحدة، عبر مؤتمر نظمه البرلمان الدولي.

ولكن ما بدأته كل زملائي النواب احترموه بعدها. والحقيقة بعد هذه السنوات، ثبت بأن الإسرائيليين لا يحترمون المعاهدات، وفي الوقت ذاته فإن قرار الأردن مستقل في التعامل مع هذا الملف.

تابعنا موقف جلالة الملك عبدالله الثاني خلال فترة رئاسة دونالد ترامب للولايات المتحدة ولاحقا، كانت مواقفه صلبة دونا عن كل القادة العرب، وكان يتحدث بقوة وحيدا، سواء بشأن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، أو بحقوق الفلسطينيين. الملك في صراع باستمرار، وصراع شرس في الدفاع عن القضية الفلسطينية.

• يكثر الحديث اليوم عن النخب السياسية ودورها السياسي المطلوب، ونصح جلالة الملك مؤخرا هذه النخب بهجرة الصالونات السياسية والتوجّه للعمل الحزبي، ما هي مشكلة النخب السياسية لدينا برأيك؟

– ما يمر ببعض النخب السياسية اليوم، أنها تتأثر بالإشاعات وبتداول الروايات والقصص والإساءات للآخرين، بدلا من التمحيص والتدقيق في كل رواية ومعلومة، والتحلّي بروح المسؤولية حرصا على المصلحة العامة. وللأسف بعض هذه النخب، هم ممن خرجوا من الموقع الرسمي، ويبحثون عن الظهور، وإن لم يكن هناك لديهم قضيّة حقيقية، بل إن بعضهم تحوّل للمعارضة، وهذا نسمعه في كثير من الجلسات واللقاءات والاجتماعات. وأود الإشارة هنا إلى أن بعض النخب تتأثر بما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي، وتعتمده كمصدر للمعلومات.

ما ينقص النخب السياسية اليوم، الالتزام بروح المسؤولية اتجاه الوطن، أكانت في الموقع الرسمي أو خارجه، وتصحيح الأخطاء أو انتقاد الخطأ لا يكون إلا بتقديم الحلول والمقترحات العملية.

• كان لكم دور بارز في بداية الحرب بسورية، في التواصل مع العشائر في جنوبها وشمال الأردن خلال احتدام الصراع. ما هو الأثر الذي ترتب على هذا الدور وكيف كان ذلك؟

– من المعروف بأن العلاقات وثيقة بين الشعب الأردني وكثير من أبناء الشعب السوري، إما بسبب صلة القربى أو بالنسب أو بالمصالح التجارية وغيرها. في بداية الصراع في سورية بدأ الناس يفرّون من بلدهم بحثا عن الأمان، ولم تكن في حينه قد بدأت الجهات الإغاثية أو الدولية التدخل فعليا، فما كان منّي بحكم علاقاتي بعشائر شمال الأردن على طول الحدود، سواء في الرمثا أو في إربد أو في المفرق، إلا التدّخل لمساعدة اللاجئين على إيجاد مأوى آمن لهم واحتضانهم لدى العائلات الأردنية التي فتحت أبوابها لهم.

لم يكن عملا رسميا، بل اجتماعيا، وتدخّلت فيه بحكم تأثيري وصلتي بالناس، وبحكم الجغرافيا والدم وصلات القربى. الوضع آنذاك كان مؤلما وإنسانيا، والأردن سهّل العبور، وما حصل في سورية حينها كانت تقشعر له الأبدان من اعتداء على الأعراض والأموال. ما أود التأكيد عليه، أننا كنا حريصين كل الحرص على ألا يرافق هذا التدخل الإنساني، أي تدخّل متعلق بالأوضاع السياسية بشأن ما يجري في سورية، وهذا سبق وتحدث عنه جلالة الملك مرارا. كان الهدف مساعدة الناس بمحنتهم، وبعد ذلك بدأ دور المؤسسات الدولية والمحلية في الإغاثة والتنظيم وفتح المخيمات وما إلى ذلك.

• على ذكر الأزمة السورية، وبحكم تفاقم محاولات عمليات التهريب للمخدرات عبر الحدود الأردنية مرورا إلى دول مجاورة، والعبء المتزايد على القوات المسلّحة الأردنية الجيش العربي بحماية الحدود من هذه الآفة والتصدّي لها، ما تعليقكم على ذلك؟

– هناك جهات متخصصة بمكافحة المخدرات وتساندها كل الجهات الأمنية والقوات المسلحة على الحدود الأردنية، لكن في المرحلة الأخيرة رُصدت تجمعّات كبيرة على الحدود، تتجاوز حجم مهربي المخدرّات، إلى جهات منظّمة تدعم ذلك.

مكافحة المخدرات قضية خطرة، تشكّل هاجسا لكل دول العالم، لكن حساسية القضية لدينا عالية بحكم موقعنا الجيوسياسي. نعم هناك استهداف لدول مجاورة كالسعودية ودول الخليج بالمخدرّات، ونحن جزء من هذا الاستهداف من هذه الجهات، وعبر أبواب عديدة، أبرزها المنفذ الحدودي الشمالي.

الجهد كبير الذي تقوم به القوات المسلحة والجيش العربي، ولكن هذه التنظيمات المهربّة للمخدرات، والتي فتحت مصانع لها في مناطق حدودية محاذية للأردن، لا تسعى فقط لنشر المخدرّات في منطقتنا، بل لديها دواع سياسية بأن تهدم جيلا كاملا، تعتقد بأنه يقاوم النفوذ السياسي والأيديولوجي لدول هي داعمة لها. لذلك، هذه التنظيمات تسعى لانتهاك حرمة حدودنا، والمخدّرات بدأت تصل لفئات لم تكن تصلها من قبل. هناك استهداف لمنطقتنا، ومفتاح منطقتنا وبوابتها هي الأردن.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock