أفكار ومواقف

السعادة بقرار رسمي

من بين جملة من الأفكار الخلاقة، المثيرة للخيال حقاً، إعلان الشيخ محمد بن راشد نقل بعض صلاحيات الحكومة للقطاع الخاص. وفي سابقة غير مسبوقة، أعلن حاكم دبي أيضاً عن تعيين عدد من الشابات والشباب في مناصب وزارية. إلا أن أكثر هذه الأفكار إلهاماً كان استحداث وزارتين؛ الأولى للسعادة، والثانية للتسامح، وهو أمر لم تعرفه أكثر الدول تقدماً على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، بما في ذلك الدول الاسكندنافية.
وفيما يمكن وضع وصف وظيفي، يشمل تحديد متطلبات ومسؤوليات وغايات وزارة خاصة بالتسامح بسهولة نسبية، في مجتمع ليس فيه هويات فرعية، ولا جيوب فقر وتمييز ضد الأعراق والأديان، فإن توصيف وظائف وزارة خاصة بالسعادة يبدو أكثر تعقيداً وأشد التباساً بالنسبة لكل المخاطبين بهذه الغاية الإنسانية التي أشغلت عقول الفلاسفة والمفكرين والقادة على مر الأزمنة، منذ العصر الرعوي وحتى زمن ثورة المعلومات.
على أن نقل مفهوم السعادة من الحيّز النظري، ومجال الخطاب الدعوي، إلى أرضية الواقع العملي، يعد تطوراً بالغ الأهمية، إن لم نقل تحديا، يقتضي الاستجابة والاهتمام والترحيب، ليس فقط من جانب المواطنين المستهدفين بوزارة السعادة في دولة الإمارات العربية، وإنما من لدن المفكرين الاجتماعيين والكُتّاب والأكاديميين والمسؤولين، وغيرهم من المواطنين في هذه المنطقة المبتلاة بكل العوامل الباعثة على الكآبة وخيبات الرجاء.
ومع أن بلوغ ضفاف السعادة، ذات المعنى المتغير من عصر إلى عصر، ومن طبقة إلى طبقة، بل ومن حالة فردية إلى حالة أخرى، كان هدفاً عصي المنال دائما، وحلماً “يوتوبياً” لعامة الناس، إلا أنه ظل رغم ذلك حافزاً على البذل والإبداع، وتحقيق النجاح والترقي والابتكار، وتطوير القوانين، وبناء التوازنات، ورفع سوية منظومة العدل والخير والجمال، وغير ذلك مما يقع في المجال العام، ويتراصف داخل الشعور الخاص.
ولعل السؤال الذي لم يبارح المرء أبدا، هو: كيف أكون سعيداً في يوم ما؟ كيف أبلغ هذا الشعور الداخلي الرائق وسط فيض متلاطم من مصاعب الحياة؟ وما هو الأمر الذي يغمرني بمثل هذا الحس البهيج في وقت من الأوقات؟ هل هو النجاح في العمل، تحقيق ثروة، اكتساب شهرة، الحصول على وظيفة لائقة، تكوين أسرة وإنجاب أولاد وبنات؟
لا أحسب أن تحقيق أي من هذه الأهداف كافٍ بحد ذاته للشعور بالسعادة، إذا كان الإنسان معزولا عن الآخرين، حتى إن الواحد منا إذا فرح بخبر سار، يظل بحاجة إلى غيره كي يتقاسم وإياه متعة الفرح، ويحصل على اعتراف بالجدارة والاستحقاق، فما بالك إذا نال المرء الأرب فجأة، وأصابه سهم من سهام هرمون السعادة، وظل وحيداً وحدة السيف في غمده، لا يراه الأقربون وهو يرفل في الثوب القشيب؟
وعليه، فإن السعادة هي في المقام الأول قيمة تشاركية، حتى ولو بين اثنين، وهي بالدرجة الثانية حالة شعورية مؤقتة، تتفاوت بتفاوت التحصيل العلمي والمعرفة والثقافة، وفوق ذلك تختلف من جيل إلى جيل، وتتباين بين الفقير والغني، وبين المعافى والمريض. كما أن مفهومها لا يخضع للمعيار ذاته لدى المثقفين والمهنيين والمدراء، وكل الذين يدركون أن السعادة أمر نسبي، وعابر بطبيعة الحال.
لا خلاف على أن السعادة لا تقوم على الأخذ وإنما على العطاء، على البذل أكثر من الكسب، وعلى الرضا النسبي عن الذات، وأن السعيد من يُسعد غيره. إذ إن أكثر الناس سعادة، هم من يتطوعون لخدمة العجزة والأيتام والمرضى والمهجرين، وغيرهم من الفقراء والمهمشين؛ أؤلئك الذين لا يطلبون منفعة خاصة أو تقريظاً، وقد لا يعلنون عما تفعله أيديهم البيضاء، رغبة في تعظيم الأجر في الحياة الأخرى، أو تماهياً مع حسّ إنساني نبيل.
يبلغ الشاعر ذروة سنام سعادته عندما يصدر ديوانه الأول، ويمتلأ المطرب فرحة بنجاح أغنية له، ويزهو الطبيب إذا برأ مريضه من داء، والأب إذا تخرج ابنه، والأم بتزويج ابنتها، والمخترع حين يجد ضالته، والجنرال عندما يكسب جولة قتال، والأجير حينما يعود بربطة خبز لأطفاله في المساء. لكن السؤال هو: هل يمكن تحقيق سيرورة السعادة بقرار رسمي، أو منحه كهبة من جهة تملك منح الهبات، لتقول للمرء كن سعيدا فيكون؟

تعليق واحد

  1. متى نستوعب
    ايجاد هذه الوزارة ليس معناه ان تكون السعادة بقرار رسمي.. بل في توفير كل ما يمكن ان يسعد شخص فقد هذه السعادة لسبب ما… فالمحتاج يوفر له كل ما يمكن ان يجعله يعيش بكرامة دون الحاجة لاحد وهذه قمة السعادة… والمريض بمداواته.. وهكذا..

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock