صحافة عبرية

السلطة الفلسطينية تسعى إلى الانفصال عن الاقتصاد الإسرائيلي

هآرتس

بقلم: عميره هاس 9/8/2019

سلطة النقد الفلسطينية وثلاث شركات اتصالات فلسطينية أعلنت هذا الأسبوع عن بشرى عيد الأضحى لموظفي القطاع العام في الضفة الغربية وقطاع غزة: خطوط الهواتف والإنترنت لن يتم قطعها إذا تأخروا بالدفع، والبنوك وشركات الاعتماد لن تأخذ كامل الاقساط الشهرية للقروض التي أعطوها لهم ولن يفرضوا عليهم غرامات تأخير.
سلطة النقد وشركات الاتصال استجابت للطلب المباشر لرئيس الحكومة محمد اشتية بإبداء المسؤولية الوطنية والتضامن الوطني والاخذ في الحسبان وضع موظفي القطاع العام. منذ خمسة أشهر وهم يحصلون فقط على 60 % من رواتبهم (الذين رواتبهم اقل من 2000 شيكل يحصلون على كامل الراتب). تفسير هذا اللغز الكبير – كيف يتدبرون أمورهم – هو قبل أي شيء سياسي. الرواتب المقلصة هي الثمن الذي تدفعه عشرات آلاف العائلات لصالح المعركة المبدئية التي يديرها محمود عباس ضد دولة إسرائيل.
وبتوجيه من الرئيس، منذ شهر شباط (فبراير) الماضي ترفض وزارة المالية الفلسطينية تسلم من إسرائيل عائدات الضرائب والجمارك التي تعود لها، والتي بلغت في 2018، 2.4 مليار دولار، وهذا طالما أن إسرائيل تقتطع المبالغ السنوية المدفوعة كمخصصات لعائلات السجناء والسجناء المحررين (138 مليون دولار في السنة حسب تقديرها).
عباس يسعى ليس إلى أقل من الغاء القانون الإسرائيلي الذي يسمح بهذه المصادرة للأموال – سرقة بلسان الفلسطينيين. هو يفترض أن إسرائيل التي تدرك جيدا الاخطار السياسية الكامنة في انهيار اقتصاد السلطة ستتراجع أولا. وهو لم يخطئ تماما: اسرائيل اقترحت على الفلسطينيين أنه بدلا من أن تأخذ ضريبة “البلو” على الوقود المشترى لصالح الضفة، وهو مبلغ شهري يبلغ 65 مليون دولار، فان السلطة تقوم بجبايته مباشرة. هكذا يتقلص المبلغ الاجمالي الذي تصادره إسرائيل خلافا لاتفاق باريس وهو الملحق الاقتصادي لاتفاق اوسلو. حتى لو كان اقتصاديون وموظفون كبار أيدوا هذا الحل المؤقت، إلا أن عباس ما يزال يرفض. كلمته كما هو معروف، هي التي تقرر. هو لم يتراجع وإسرائيل اوقفت تراجعها والجمهور الفلسطيني يؤيده.
أموال جمارك الاستيراد والضرائب شكلت في 2018 نحو 60 % من مداخيل السلطة، وبسبب التنازل السياسي عنها تبنت ميزانية طوارئ للعام 2019 والتي استندت إلى المداخيل من الضرائب المحلية وزيادة أخذ القروض من البنوك ووعود دول عربية لمنحها “شبكة امان” تبلغ 100 مليون دولار شهريا (في هذه الاثناء 40 % منها فقط تمت تغطيته) ووقف تحويل مرضى الى المستشفيات الإسرائيلية كجزء من خطة لـ “الانفصال عن اقتصاد إسرائيل”.
إضافة إلى ذلك، الحكومة الفلسطينية لا تدفع ديونها للمزودين (بدءا من الكراجات والمطابع وحتى شركات التأمين وشركات طبية ومستشفيات). تقارير بدأت تتحدث عن تأثير الدومينو الاقتصادي: اجازات قسرية للموظفين في القطاع العام، الطلاب يتنازلون عن التعليم في شهر ايلول (سبتمبر) المقبل، عائلات تتوقف عن دفع التأمينات المختلفة بما فيها الصحية، انخفاض في المبيعات (بما في ذلك عدد رؤوس الاغنام التي بيعت لعيد الأضحى) وتجميد مشاريع. هذا الأمر يمكن أن يؤثر بدوره على البلديات وحجم الضرائب المحلية وحتى على تقليص آخر للرواتب.
عباس يعارض شخصيا وسياسيا استخدام السلاح الذي بسببه يقضي عدد من السجناء أحكاما في السجن. عاطفيا واجتماعيا لا يظهر اهتمام كبير بهم وبعائلاتهم، وعلاقته متوترة باعضاء التنظيمات الإسلامية. وأجهزة الأمن الفلسطينية تواصل محاولة اخضاعها في الضفة الغربية، احيانا كمقدمة لاعتقال اعضائها من قبل الجيش والشباك، واحيانا بعد أن تم اطلاق سراحهم من السجون الإسرائيلية. بتعليمات منه تم وقف دفع المخصصات الشهرية لعائلات بضع مئات من سجناء حماس والجهاد الإسلامي ومخصصات ورواتب لمن يؤيدون محمد دحلان.
في السياق السياسي الداخلي في فتح، عباس (بمساعدة جبريل الرجوب) حاول ايضا اقصاء سياسيا نادي الأسير الفلسطيني وأن يقف على رأسه قدورة فارس بسبب قربه من مروان البرغوثي. في الأعوام 2007 و2008 فارس كان من المؤيدين الرئيسيين لقبول قانون تسلم مخصصات لعائلات السجناء الأمنيين. وشرح ذلك بالحاجة إلى أن يمنع عنها التدهور إلى الفقر وتمكينها من توفير التعليم العالي لأبنائها. فارس ما يزال يحظى بالشعبية في فتح. ولكن ترقيته في مؤسسات الحركة تم وقفها بأمر من أعلى وميزانية نادي الأسير الذي اعيد انتخابه لادارته تم تقليصها. كل ذلك ليس له علاقة مع موقف عباس القاضي بأنه يجب على إسرائيل عدم المس بمداخيل السلطة الفلسطينية والتدخل في صورة صرفها. متحدثون من قبله ايضا يحرصون على الإعلان في كل شهر بأن المخصصات لعائلات السجناء تدفع كاملة.
التسهيلات لشركات الاتصال كما حددت التقارير الصحفية هي بالتأكيد ذات اهمية في مجتمع مشبع بالهواتف المحمولة (4.9 مليون من المواطنين في القطاع وفي الضفة امتلكوا نحو 4.5 مليون خط هاتف في نهاية العام 2018 وهذا لا يشمل المسجلين في شركات الهواتف الاسرائيلية). ايضا الاتصال بالإنترنت يزداد في كل سنة. في نهاية العام 2018 كان عدد المتصلين بالإنترنت 316 ألفا مقابل نحو 120 ألف متصل في العام 2010.
تعليمات سلطة النقد بالاهتمام بموظفي القطاع العام، حيث احد المقترضين قال “ما تبقى لي في البنك بعد دفع الأقساط هو 200 شيكل”. بهذه الكلمات أقسم امامي معلم شاب في مدرسة حكومية. مبلغ الشيكات الراجعة في شهر حزيران كان 108 ملايين دولار، أكثر من الربع عن نفس الفترة في السنة الماضي، ابلغت سلطة النقد. كان هناك ايضا ارتفاع بـ 14.5 % في عدد الشيكات الراجعة، 68 ألفا، هذا ليس ظاهرة جديدة، لكن لا يمكن عدم ربط هذا الأمر الآن مع الضربات المالية التي تعرض لها الفلسطينيون في السنة الأخيرة: تقليص الدفعات من رام الله لغزة، الضرائب الاضافية التي فرضتها سلطة حماس على السلع والتجار، انخفاض حجم الهبات للسلطة الفلسطينية والغاء المساعدة الأميركية للاونروا وللسلطة الفلسطينية.
هناك من تولد لديهم الانطباع بأن الحكومة الفلسطينية ليس لديها خطة احتياط، وهي تنتظر حدوث معجزة ربما في الانتخابات في إسرائيل. ومع ذلك، هي تقوم بعدة خطوات التي هي أكثر من خطوات تظاهرية: حسب قرار الانفصال عن الاقتصاد الإسرائيلي، عادت ودعت مواطنيها لتفضيل الانتاج الفلسطيني على الإسرائيلي (في شهر أيار كان ارتفاع صغير في حجم الانتاج الفلسطيني البديل عن الانتاج الذي يشترى من إسرائيل في مجال الغذاء والسجائر مثلا). نحو 70 طنا من البضائع التي تم تهريبها من إسرائيل عن طريق التهرب من الجمارك الفلسطينية، ضبطت في نصف السنة الاول قبل وصولها الى الاسواق الفلسطينية، اعلنت هذا الاسبوع وزارة الاقتصاد الوطني. صندوق الاستثمار الفلسطيني تقدم بخطة لتقليص الاعتماد على الكهرباء التي تشترى من إسرائيل عن طريق اقامة محطات للطاقة الشمسية. إحدى هذه المنشآت قرب اريحا بدأت العمل قبل شهر تقريبا. ومنشأتان في طور البناء في طوباس وفي جنين.
حكومة اشتية تبنت خطة للاستثمار مركزة في عناقيد جغرافية مقسمة حسب اقسامها الاقتصادية: الزراعة (قلقيلية وطولكرم وجنين وطوباس)، صناعة وتجارة (الخليل ونابلس)، سياحة (رام الله وبيت لحم). الهدف هو زيادة نجاعة الاستثمارات الحكومية من جهة وتشجيع القطاع الخاص من جهة اخرى عن طريق تحسين التنسيق بينهما. وهناك مشاريع لتوسيع العلاقات الاقتصادية مع الأردن وزيادة حجم الاعفاء من الضرائب على البضائع الفلسطينية التي ستسوق في اندونيسيا. بنفس الروحية، رئيس اتحاد منتجي الأدوية الفلسطينية، باسم خوري، أعلن أنه يمكنهم زيادة حجم الانتاج والوصول إلى 80 % تقريبا من الادوية المستهلكة في السوق المحلية بدلا من 60 %، من خلال محاربة جهود الاغراق بالأدوية الإسرائيلية.
لجنة شعبية صغيرة جددت هذا الأسبوع محاولتها للدعوة إلى تقليص إلى الحد الأدنى لشراء المنتجات الإسرائيلية كخطوة استباقية، حسب قولها، لنشاطات أكثر قوة ضد ادخال البضائع الإسرائيلية، بما في ذلك الفواكه. يمكن التشكيك بقدرة الفلسطينيين على تغيير تماما انماط الاستهلاك التي طوروها خلال سنوات وبقدرة الاقتصاد الفلسطيني على التغلب على القيود التي تفرضها إسرائيل عليهم. ولكن رغم الشك العميق تجاه السلطة الفلسطينية ومن يقف على رأسها، فان الجمهور يظهر تفهمه للاسباب التي تقف من وراء زيادة الركود الاقتصادي، السلاح الفلسطيني غير السري للوجود والصمود تم استلاله مرة اخرى: القدرة على القيام بتنازلات مادية وتضامن اجتماعي أو مساعدة متبادلة ولو في اطار العائلة الموسعة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock